رياض الفرطوسي
كان العلم، في زمنٍ مضى، ضيفاً مكرّماً في بيوت العراقيين. يدخل بلا تفتيش، ويُقدَّم له الشاي قبل الأسئلة، ويجلس إلى جوار الشعر والتاريخ والفلسفة دون أن يُسأل: “وإنت شنو اختصاصك؟”. لم يكن ثقيل الظل، ولا متهماً بالترف، بل جزءاً من الحديث اليومي، ومن فضول الناس لفهم ما يجري في السماء قبل الأرض.
ثم تغيّر الحال.
صار العلم ضيفاً غير مرغوب فيه، يطرق الباب فنُطفئ الأنوار، أو نفتح له ونحن ننظر إلى الساعة. ليس لأننا نكرهه، بل لأننا — ببساطة — لا نحتاجه. فالعراقي، كما هو معلوم، خبير في كل شيء: في الطب قبل الطبيب، وفي الاقتصاد قبل البنك الدولي، وفي السياسة قبل الأمم المتحدة، وفي الفيزياء النووية إن لزم الأمر… لكنه فقط “لا يعلم” أنه لا يعلم.
في بغداد، المدينة التي علّمت العالم كيف يكتب، كان السؤال العلمي يوماً علامة ذكاء، لا شبهة. عرفت الصحافة العراقية، في بداياتها، أن النهضة لا تصنعها القصيدة وحدها، ولا الخطابة مهما اشتد صوتها، وأن الأدب، إن لم يسنده عقل علمي، يتحول إلى موسيقى جميلة بلا معنى. لذلك وُجدت صفحات ومجلات وبرامج تفتح نافذة على العلم، لا باعتباره ترفاً، بل ضرورة.
يكفي أن نتذكر برنامج (العلم للجميع) لكامل الدبّاغ، ذلك البرنامج الذي كان يقدّم الأخبار العلمية والظواهر الطبيعية بهدوء العالم وصبر المعلّم، في زمن لم تكن فيه “الترندات” قد أعلنت الحرب على العقل. كان البرنامج يشرح، لا يصرخ، ويُقنع، لا يستفز. واليوم؟ بالكاد نجد برنامجاً يشرح لماذا ينقطع التيار الكهربائي دون أن يتشاجر الضيوف.
كان القارئ العراقي يطالع مقالات علمية بلغة بسيطة، لا تستعرض العضلات اللغوية ولا تتباهى بالمصطلحات. الهدف لم يكن أن يشعر القارئ بالغباء، بل أن يشعر بالفضول. أما اليوم، فالفضول موجَّه بعناية: من يفوز في مسابقة الغناء؟ من تزوّج من؟ من تشاجر مع من؟ وأي شاعر شعبي هزم الآخر بالكلمات… أما العلم، فليتفضل إلى وقتٍ لاحق، إن بقي وقت.
ولم يكن تراجع العلم وليد الصدفة. فالعراق، بلد الاكتفاء الشامل، لا يحتاج إلى علم كثير. الإبرة من الصين، السيارة من الصين، الهاتف من الصين، الألعاب من الصين، والفاكهة من دول الجوار. لماذا نُتعب عقولنا؟ نحن نشتري الحلول جاهزة، مع كفالة إنسانية محدودة. أما البحث العلمي، فمكانه المناسب هو خطب المسؤولين، لا المختبرات.
معظم المجلات الثقافية اليوم لا تجد في العلم مادة جذابة. فالعلم لا “يعمل لايكات”، ولا يشعل معارك، ولا يُقسَّم إلى مع وضد. مقال علمي جيّد قد يُقرأ بتمعّن… وهذا خطر. بينما مقال استفزازي يُقرأ بسرعة ويُنسى بسرعة، لكن يحقق المطلوب. وهكذا، صار العلم مادة مؤجلة، أو زاوية صغيرة في آخر الصفحات، إن وُجدت أصلًا.
والحقيقة المؤلمة — والمضحكة قليلًا — أن هذا التراجع لا يعني أن العراقيين فقدوا الحاجة إلى العلم، بل أنهم يظنون أنفسهم قد تجاوزوه. مناخٌ ثقافي يرى في السؤال ضعفاً، وفي الشك قلة وطنية، وفي المعرفة جهداً غير ضروري. وحين تُستبدل المعرفة باليقين السهل، يصبح العلم عبئاً ثقيلاً في زمن يحب الخفة… حتى لو كانت خفة فارغة.
واليوم، يبدو العراق أحوج ما يكون إلى استعادة هذا الضيف القديم. لا ليستقبله بالتصفيق، بل ليجلس معنا ويُربكنا قليلًا. نحن بحاجة إلى إعلام ثقافي لا يخاف من تبسيط العلم، ولا يخجل من تقديمه للشارع، لا للنخب فقط. علم يُقال بلهجة الناس، لا بلغة البيانات الصحفية، ويُقدَّم كأداة لفهم الحياة، لا كدرس مدرسي ممل.
فالأمم لا تُقاس بعدد القصائد ولا بعدد القنوات، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، لا استيرادها. والعلم، إن عاد ضيفاً مكرّماً، لن يكتفي بالجلوس في الصالون، بل سيعيد ترتيب البيت كله:
من طريقة تفكيرنا، إلى طريقة سؤالنا، إلى طريقة اختيارنا لمستقبلنا.
العلم ضيفُ العراقيين…
لكن الضيف، إن طال انتظاره على العتبة،
قد يقرّر ذات يوم أن يذهب إلى بيتٍ آخر.