بقلم: م.م. حسين شكران العقيلي
في خضم الأزمة المالية التي يمر بها العراق، تتكرر تصريحات بعض المسؤولين حول ضرورة “تأمين الرواتب” عبر إجراءات تقشفية، تبدأ غالباً من استقطاع رواتب الموظفين والقوات الأمنية. هذه التصريحات، وإن بدت في ظاهرها محاولة لإنقاذ الموازنة، تكشف في جوهرها عن خللٍ عميق في فلسفة إدارة المال العام، حيث يُحمَّل المواطن البسيط عبء الأزمة، بينما تُستثنى امتيازات المسؤولين ورواتبهم العالية التي تشكّل وحدها ثلث الموازنة العامة.
إن المفارقة الصارخة تكمن في أن من يُطالب بتضحيات مالية من الموظف، هو ذاته من يتقاضى رواتب ومخصصات تفوق أضعاف ما يحصل عليه من يحرس الوطن أو يدير مؤسساته. فكيف يمكن الحديث عن عدالة مالية أو إصلاح اقتصادي في ظل هذا التناقض؟
إن العدالة لا تتحقق حين يُضحّى بالقوت اليومي للموظف، بينما تُصان امتيازات المسؤولين وكأنها “خط أحمر” لا يُمس.
الأزمة المالية ليست قدراً محتوماً، بل هي انعكاس لسياسات مالية غير متوازنة، ولغياب رؤية إصلاحية حقيقية تضع المواطن في مركز الاهتمام. فالموظف الذي يُستقطع من راتبه هو ذاته الذي يواجه غلاء المعيشة، ويعاني من ضعف الخدمات، ويُطالب بالصبر على أزمات متكررة. أما المسؤول، فيظل بعيداً عن هذه المعاناة، محصناً برواتب ومخصصات عالية، لا تتأثر بالاستقطاع ولا بالتقشف.
إن معالجة الأزمة المالية تتطلب شجاعة سياسية وجرأة في مواجهة الامتيازات غير المبررة، لا الاكتفاء بتحميل الموظف عبء العجز. فالموازنة العامة لن تستقيم ما لم يُعاد النظر في رواتب ومخصصات المسؤولين، وما لم تُبنى سياسات مالية على أساس العدالة والمساواة، بعيداً عن ازدواجية المعايير.
ختاماً، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمكن أن تُحل الأزمة المالية عبر استقطاع رواتب الموظفين والقوات الأمنية، بينما تُترك رواتب المسؤولين العالية دون مساس؟
إن الإجابة تكمن في إرادة الإصلاح الحقيقية، وفي القدرة على مواجهة الامتيازات التي تُثقل كاهل الموازنة، قبل أن تُثقل كاهل المواطن.