رمضان شهر القرآن (ح 180) (انتقال النبر، فواصل الآيات)

د. فاضل حسن شريف

عن الكافي لأحكام التجويد: انتقال النبر: قد يطرأ على الكلمة من الأحكام اللغوية ما يستوجب انتقال النبر من موضعه إلى مقطع قبله، أو آخر بعده من الكلمة. فاشتقاق كلمة من أخرى قد يؤدي إلى تغيّر موضع النبر. فالفعل الماضي (كتبَ) يحمل على النبر على المقطع (كَ) فإذا جئنا بالمضارع (يكتبُ) لاحظنا أن النبر قد انتقل إلى المقطع الذي يليه وهو (تُ)، وكذلك إذا اشتققنا من المصدر (انكسارٌ) فعلاً ماضياً مثل (انكسر) نلحظ أن النبر ينتقل إلى المقطع الذي قبله، لأنه في الكلمة الأولى على المقطع (سا) وفي الثانية على المقطع (ك). وقد يطرأ على الكلمة من العوامل اللغوية ما يستوجب أيضاً انتقال النبر من موضعه، ويلاحظ هذا بصفة خاصة مع أدوات الجزم. فالنبر في الفعل (يكتب) على المقطع (تُ)، فإذا جزم الفعل انتقال النبر إلى المقطع الذي قبله وهو (يك). كذلك نلحظ انتقال النبر حين يسند الفعل إلى الضمائر، أو حين يتّصل بالكلمة ضمائر النصب أو الجر، على شريطة أن يغير كل هذا من نسج الكلمة الأصلية. فالنبر في الفعل الماضي (كتبَ) على المقطع (كَ)، فإذا أسند إلى معظم ضمائر الرفع المتصلة، انتقل إلى المقطع الذي يليه. ففي (كتبتُ) أو (كتبنا) نجد النبر فوق (تبْ)، ولكنه يبقى في مكانه في حالة الإسناد إلى واو الجماعة مثل (كتبوا) وكذلك المصدر (استفهام) إذا اتصل بالضمير (نا) فأصبح (استفهامنا) انتقل النبر من المقطع (ها) إلى المقطع (مُ). ونلحظ في كل هذا أن انتقال النبر لا يتجاوز مقطعاً واحداً. على أنه في بعض الأحيان قد ينتقل النبر مقطعَيْن، ففي إسناد الفعل الماضي (سمع) إلى جماعة المخاطبات يصبح (سمعتُن) فينتقل النبر من (سَ) إلى (تُنْ) مجاوزاً في انتقاله مقطعَيْن. ولا يكاد يجاوز النبر في تنقله أكثر من مقطعَيْن. والقاعدة التي تعرف بها موضع النبر والتي سبق شرحها هي في كل الحالات مهما أصاب الكلمة من تغير في نسجها. فإذا طبقت ملاحظات المحدثين حول انتقال النبر، على ما أصاب اللغة العربية من سقوط حركات الإعراب في لهجات الكلام، استطعنا أن نفسر هذه الظاهرة تفسيراً علمياً مقبولاً. فموضع النبر في الكثرة الغالبة من كلمات اللغة العربية هو المقطع الذي قبل الأخير. ففي (يكتب)، (مستفهمٌ) نجد النبر على المقطع (تُ) في يكتب، وعلى المقطع (هِـ) في مستفهم. وقد حدث في لهجات الكلام أن انتقل النبر إلى المقطع الذي قبله، إذ أصبح في الكلمتَيْن السابقتَيْن على (يك) في يكتب، وعلى (تفْ) في مستفهم، وترتب عليه هذا الانتقال إن تخلصت الكلمات من أواخرها، وبذلك سقطت حركات الإعراب. غير أننا قد نجد بعض الكلمات لم يصبها حين تطورت أي تغير في موضع النبر، ومثال ذلك الأفعال الثلاثية الماضية، مثل (كتب، سمع)، فالضغط في مثل هذه الكلمات على المقطع الأول وهو (ك) في مثل الأول (سَ) في المثل الثاني، سواء نطق بالكلمتَيْن نطقاً فصيحاً أو نطقاً عامياً. وذلك لأن قاعدة النبر التي شرحناها لا تتأثر بمثل هذا التغيير في الأفعال الثلاثية، ولذا لا يختلف موضع النبر في الفعل الثلاثي موقوفاً عليه أو في حالة الوصل.

عن مركز التفسير للدراسات القرآنية تأملات في بعض القيم الصوتية في القرآن الكريم للدكتور تمام حسان: وإنّ المتأمل في الفاصلة القرآنية ليرى الفارق عظيمًا بينها وبين القافية، حتى ليمكن تلخيصه على النحو التالي: تتطلّب القافية التطابق التامّ بين عددٍ من الحروف في آخر البيت الشعري، فإذا قرأت مثلًا قصيدة شوقي: سَلُوا قَلْبِي غَدَاة سَلا وتَابا * لعلّ على الجمالِ له عِتَابا. وجدتَ التقفية تحتّم أن تنتهي أواخر الأبيات بألف بعدها باء وألف، وأنّ ذلك يلتزم في نهاية كلّ بيت من أبيات القصيدة، بل إنّ ذلك التزم أيضًا فيه شطري مطلع القصيدة وهو ما يسمى (التصريع)، وكذلك الأمر إذا قرأتَ أيّة قصيدة جاهلية أو إسلامية تجري على حدود عمود الشعر. أما الفاصلة فلا تلتزم بشيء من ذلك، إذ تراها تجري في عدد من آيات السورة على نمط، ولكنها سرعان ما تتحول عنه إلى نمط آخر، وفي خلال جريها على نمط واحد قد يكون الالتزام مقصورًا على حرف المدّ فقط، كما في قوله تعالى: “خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ” (البقرة 7-8). وقد يكون بصفة من صفات الحرف كصفة الضّيق -والمقصود تضييق الفم بتقريب الأسفل من الفكّ الأعلى أثناء النطق- كالنظر إلى الواو كما لو كانت من قبيل الياء، كما في قولهتعالىبعد ذلك: “يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ” (البقرة 9).

ويستطرد الدكتور تمام حسان قائلا عن فواصل الآيات: في كثير من السّور القرآنية لا يكون هناك التزام بشيء بعد حرف المد، كما في سورة الحج، فإذا قرأت هذه السورة مثلًا وجدت فواصل الآيات لا تحمل أيّ شبه بالتقفية، لأن فواصل الآيات تتمثل في الكلمات الآتية: عظيم- شديد- مريد- السعير- بهيج- قدير- القبور- منير- الحريق- للعبيد- المبين- البعيد- العشير- ما يريد- ما يغيظ- من يريد- شهيد- ما يشاء- الحميم- الجلود- حديد- الحريق- حرير- الحميد- أليم- السجود- عميق- الفقير- العتيق- الزور- سحيق- القلوب- العتيق- المخبتين- ينفقون- تشكرون- المحسنين- كفور- لقدير- عزيز- الأمور- ثمود- لوط- نكير- مشيد- الصدور- تعدون- المصير- مبين- كريم- الجحيم- حكيم- بعيد- مستقيم- عقيم- النعيم- مهين- الرازقين- حليم- غفور- بصير- الكبير- خبير- الحميد- رحيم- لكفور- مستقيم- تعملون- تختلفون- يسير- نصير- المصير- المطلوب- عزيز- بصير- الأمور- تفلحون- النصير. وهكذا جاءت نهايات الآيات على النحو التالي: اء -1 يد-12 وب-2 ور-8 يج -1 ير-17 ود-3 يق-6 يم-12 يز-2 ون-6 وط-1 ين-6 يظ-1 المجموع: 78 وانظر إلى فواصل سورة الرعد تجد الواو والنون قد ختمت الآيات الخمس الأُولى، ثم عدلت الفواصل التالية عن ذلك فلم تلتزم إلَّا ألِف المدّ، مع قطع النظر عمّا يتلوها من الحروف التي تختتم بها الآيات، فتجد من ذلك: العقاب- هاد- بمقدار- المتعال- بالنهار- وال- الثقال- المحال- ضلال- الآصال- القهار- الأمثال- المهاد- الألباب- الميثاق- الحساب- الدار- باب- الدار- متاع- أناب. ثم تأتي كلمة (القلوب)، ثم تعود الألِف مرة أخرى فنجد: مآب- متاب- الميعاد- عقاب- هاد- واق- النار- مآب- واق- كتاب- الكتاب- الحساب- الحساب- الدار- الكتاب. ويسود هذا التباين بين الفواصل في سورٍ كثيرة من القرآن منها: آل عمران- هود- إبراهيم- مريم- النور- لقمان- فاطر- الصافات- ص- الزمر- غافر- فصلت- الذاريات- الواقعة- الحشر- المعارج- المدثر- القيامة- المرسلات- النازعات- عبس- التكوير- الانفطار- الانشقاق- الطارق- الغاشية- الفجر- البلد- الشرح- العلق- وغير ذلك من قصار السور.