رياض سعد
لا توجد جريمة في هذا العالم أشدّ قبحًا من جريمة القتل… ؛ فهي ليست مجرّد فعلٍ عابر ينهي حياة إنسان، بل لحظة تنطفئ فيها شعلة الوجود، ويُختصر فيها تاريخٌ كامل من الأحلام والذكريات والآمال… ؛ ولهذا لم تتفق الشرائع السماوية والفلسفات الإنسانية على شيء كما اتفقت على حرمة الدم الإنساني .
فالقرآن الكريم يقول ببلاغةٍ أخلاقيةٍ عظيمة :
(من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا )
إنها معادلة أخلاقية مذهلة: حياة إنسان واحد تعادل حياة البشرية كلها …
ولذلك شدّد فقهاء الإسلام على مبدأٍ عظيم مفاده أن الحدود تُدرأ بالشبهات، لأن الخطأ في العفو أهون من الخطأ في إزهاق روحٍ بريئة… ؛ ومن هذا المنطق الإنساني نفسه ذهبت كثير من دول العالم اليوم إلى إلغاء عقوبة الإعدام، لأن الإنسان قد يخطئ، وقد يندم، وقد يصلح ما أفسده .
لكن المفارقة المؤلمة تظهر حين ننظر إلى واقعنا العراقي … ؛ ففي الوقت الذي تتجه فيه أممٌ كثيرة إلى حماية حياة المجرم نفسه من حبل المشنقة، نجد بيننا من يبرر قتل أبناء بلده على يد قوةٍ أجنبية …!!
مرةً لأنهم من الحشد الشعبي .
ومرةً لأنهم من الجيش أو الشرطة .
ومرةً لأنهم ينتمون إلى حزبٍ أو تيارٍ لا يروق للبعض .
وكأن الخلاف السياسي أصبح مبررًا لإباحة الدم …!!
لقد شهد العراق في الايام الأخيرة ضرباتٍ جوية استهدفت مواقع داخل أراضيه وأوقعت قتلى من العراقيين… ؛ وبغضّ النظر عن السياقات العسكرية والسياسية لهذه الضربات، تبقى الحقيقة المؤلمة واحدة: الدم الذي يسقط هو دم عراقي .
والسؤال الأخلاقي هنا بسيط لكنه موجع :
أيُّ وطنيةٍ هذه التي تفرح بمقتل أبناء الوطن على يد أجنبي؟
هل يقبل الأمريكي أن يطلب من دولة أخرى قتل الأمريكيين؟
هل يرضى الفرنسي أن تأتي قوة خارجية لتصفية خصومه السياسيين الفرنسيين ؟
لا أحد في العالم يقبل ذلك… ؛ لأن الوطنية، قبل أن تكون موقفًا سياسيًا، هي شعورٌ فطري بأن أبناء البلد ـ مهما اختلفوا ـ لا يجوز أن يُستباح دمهم على يد الغرباء والاجانب والاعداء .
إن الخلافات داخل الأوطان أمر طبيعي … ؛ فقد تختلف الأحزاب…, و تتصارع الأفكار… , و تتنازع المصالح … ؛ لكن استدعاء الأجنبي والغريب ليكون حكمًا بين أبناء البيت الواحد هو بداية انهيار البيت نفسه .
فالعنف لا يصنع وطنًا، والقتل لا ينتج إلا قتلًا آخر… ؛ أما الحكمة والحوار فهما الطريق الوحيد الذي يمكن أن يقود إلى مجتمعٍ حيٍّ ودولةٍ مستقرة .
ولهذا تبقى الحقيقة التي ينبغي أن يتفق عليها العراقيون جميعًا بسيطة وواضحة :
دم العراقي يجب أن يبقى خطًا أحمر…, مهما كان الخلاف .