د. فاضل حسن شريف
عن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن شقاق “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا” ﴿النساء 34﴾ “فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا” (النساء 34). من السبل الثلاث، لأن الوعظ والهجر والضرب وسيلة إلى الطاعة، فإذا حصلت الغاية ذهبت الوسيلة. ويشير قوله تعالى: “فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا” إلى ان الزوج لا يجوز له ان يلتمس الأعذار الكاذبة لإيذاء الزوجة، حتى ولو كانت كارهة له، ما دامت قائمة بحقوقه المشروعة.. فان الحب والبغض لا يدخلان في استطاعة الإنسان، واللَّه سبحانه لا يحاسب ولا يعاقب إلا على ما يظهر من قول أو فعل. “إِنَّ اللَّهً كانَ عَلِيًّا كَبِيراً”. قال الرازي ما يتلخص بأن المقصود من قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهً كانَ عَلِيًّا كَبِيراً” (النساء 34) أمور، الأول: تهديد الأزواج على ظلم النساء. الثاني: ان اللَّه لا يكلف إلا بالحق. الثالث: انه سبحانه لا يكلف إلا ما يطاق، فعلى الأزواج ان لا يكلفوا النساء ما لا يقدرن عليه. الرابع: انه لا يكلف العاصي إذا تاب، فإذا تابت المرأة عن نشوزها فدعوا معاقبتها. الخامس: انه لم يهتك السرائر، فأنتم أولى أن تكتفوا بظاهر حال المرأة، ولا تفتشوا عما في قلبها من البغض. والرازي من الأشاعرة القائلين بأن للَّه ان يكلف الإنسان ما لا يطيق، ودافع عن هذا المذهب بحرارة في كثير من الموارد في تفسيره الكبير، بخاصة عند تفسير قوله تعالى: “لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها” (البقرة 286). وقد ذهل هنا عن مذهبه التقليدي، ورجع إلى الفطرة الصافية التي فطر اللَّه الناس عليها، وقال ما نصه بالحرف: (ان اللَّه لا يكلفكم إلا ما تطيقون، فكذلك لا تكلفوهن محبتكم، لأنهن لا يقدرن على ذلك).
قوله تعالى “وإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وحَكَماً مِنْ أَهْلِها” ﴿النساء 35﴾. تعرضت الآية السابقة لنشوز الزوجة، وتعرضت هذه لنشوز الزوجين، وامتناع كل منهما عن القيام بحقوق الآخر، وقوله تعالى: “وإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما” ﴿النساء 35﴾ أراد به الخوف من استمرار الشقاق الحاصل بالفعل. والخطاب في خفتم وابعثوا خاص بالحكام الشرعيين، لأنه بهم أليق وأنسب، والأمر ببعث الحكمين للاستحباب، لا للوجوب، والغرض منه إصلاح ذات البين، والمحافظة على الأسرة، والخوف من ضياع الأطفال والصغار. ويشترط في الحكم ان يكون أهلا للإصلاح، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ويجوز أن يكون من غير الأهل والأرحام، لأن القرابة ليست شرطا في الحكم، ولا في الوكيل، وذكر الأهل في الآية للأفضلية، لا للإلزام، لأنهم أعرف ببواطن الحال، وأشفق من الغير، وأكتم للأسرار، ومهمة الحكمين ان يسعيا في الصلح، فإن تعذر رفعا تقريرا للحاكم الشرعي بواقع الحال، وما يريانه من مصلحة الطرفين، ولا حق لهما بالتفريق إلا بإذن الزوج، ولا بالبذل عن الزوجة إلا بإرادتها.
قوله تعالى “إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما” ﴿النساء 35﴾. اختلف المفسرون في ضمير يريدا، وضمير بينهما على من يعودان؟ قيل: ان ضمير يريدا يعود إلى الحكمين، وضمير بينهما إلى الزوجين، ويكون المعنى ان أراد الحكمان إصلاحا بين الزوجين يوفق اللَّه بين الزوجين، وهذا بعيد عن الصواب أولا: لأن المفروض بالحكمين انهما يريدان الإصلاح، والا لم يكونا حكمين. ثانيا: قد يريد الحكمان الإصلاح، ومع ذلك لا يحصل التوفيق، مع ان اللَّه قال: ان يريدا إصلاحا يوفق اللَّه بينهما، وعليه يجب حصول التوفيق بمجرد وجود إرادة الإصلاح من الحكمين.. والواقع هو العكس. والصحيح ان الضميرين يعودان إلى الزوجين، ويكون المعنى ان الزوجين إذا صلحت نيتهما، وكانا قاصدين استمرار الزواج والمحافظة على بقاء الأسرة، فإن مهمة الحكمين تنجح، ويوفق اللَّه بين الزوجين لا محالة، لأنه متى صلحت النية صلحت الحال، واستقامت الأفعال، وإذا ساءت نية الزوجين فإن مآل وظيفة الحكمين إلى الفشل، حتى ولو قصدا الإصلاح، وبذلا كل الجهود وأقصاها. وتجدر الإشارة إلى أن اللَّه سبحانه ذكر نشوز الزوجة ثم نشوز الزوجين معا، ولم يذكر نشوز الزوج فقط.. ولكن الفقهاء تعرضوا له، وقالوا: إذا تعدى الزوج، ومنع الزوجة بعض حقوقها الواجبة وعظته، فإن قبل، والا فليس لها هجره، ولا ضربه كما له هجرها وضربها إذا نشزت، ليس لها ذلك، حتى ولو علمت ان هجره وضربه يجديانها نفعا، لأن الهجر والضرب يحتاجان إلى الإذن من الشرع، ولا إذن منه لها بهما.. أجل، لها أن ترفع أمرها إلى الحاكم الشرعي، وعلى الحاكم أن يتثبت ويتبين، فإن ثبت لديه تعدي الزوج نهاه، فإن عاد عزّره بما يرى من الشتم أو الضرب أو السجن.. وان امتنع عن الإنفاق عليها، مع قدرته عليه جاز للحاكم أن يأخذ من مال الزوج، وينفق عليها، ولو ببيع شيء من أملاكه، وان لم يملك شيئا كان له على رأي ان يطلقها قهرا عنه، ان طلبت هي الطلاق. وسبقت الإشارة إلى ذلك عند تفسير قوله تعالى: “وبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ” (النساء 34).