مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل

رياض سعد

لأول مرة سأخالف منهجي في سلسلة مقولة وتعليق؛ إذ من عادتي أن أعرّج استطرادًا على سيرة صاحب المقولة أو الشاعر، ولو إجمالًا، غير أنّني سأغضّ الطرف هنا عن هذه النقطة… ؛  وذلك لأن هذين البيتين نُسبا إلى الشاعر العراقي بهاء الدين الصيادي الرفاعي، في حين توجد أبيات شعرية شبيهة بهذين البيتين؛ أحدها للشاعر كرامة بطرس، والآخر للشاعر محمود درويش.

وردَ الكتابُ وكان صدري ضيّقًا *** فشممتُ منه روائحًا وعبيرَا

كأنني يعقوبُ من فرحي به ***إذ عاد من شمّ القميص بصيرَا

في هذين البيتين تتكثّف تجربة العاشق في لحظة الانتظار والوصال، وتتحول الرسالة المكتوبة إلى حدثٍ وجودي يبدّل الداخل قبل الخارج، ويعيد ترتيب المشاعر كما تعيد المعجزة البصر إلى عينٍ فقدته... .

ليست الرسائل كلماتٍ تُقرأ فقط، بل أحوالٌ تُعاش، وقد تكون الرسالة أحيانًا أوسع من صدرٍ كان قبلها ضيّقًا، وأعمق من حزنٍ ظنّ صاحبه أنه اعتاده… ؛ فحين يقول الشاعر: «ورد الكتاب وكان صدري ضيقًا» فهو لا يصف لحظة عابرة، بل يختصر زمنًا كاملاً من الانتظار؛ انتظارٍ يُثقل النفس، ويجعل القلب كغرفةٍ مغلقة، يدخلها الهواء بصعوبة.

ثم تأتي الرسالة… لا على هيئة حروف، بل على هيئة رائحة… ؛  وكأن الحبيب لم يبعث كلامه، بل بعث أثره، حضوره الخفي، تلك البصمة التي لا تُرى ولكنها تُحسّ… ؛  فالشمّ هنا أصدق من القراءة، لأن العطر لا يكذب، ولأن الذاكرة تتعرّف على الأحباب من روائحهم قبل أصواتهم.

وحين يستدعي الشاعر صورة يعقوب عليه السلام، فإنه لا يلجأ إلى المبالغة، بل إلى أقصى درجات الصدق… ؛  فالعاشق، مثل يعقوب، لم يفقد بصره فجأة، بل فقده بالتدريج؛ من كثرة التحديق في الغياب، ومن طول التحدّث مع الصمت… ؛  حتى جاءت الرسالة، فكانت قميصًا، لا يُلبس بل يُشم، ولا يُقرأ بل يُحسّ، فعاد القلب بصيرًا بعد عمى الانتظار.

وفي زمن الهاتف المحمول، تتبدّل الأشكال وتبقى المعاني... ؛ اذ ان رنّة الهاتف ليست صوتًا إلكترونيًا فحسب، بل ارتجافة قلب... ؛ وإشعار الرسالة لا يظهر على الشاشة فقط، بل يمرّ في الجسد كله، قشعريرة تبدأ من الرأس وتنتهي عند أخمص القدمين، كأن الروح تُعاد تثبيتها في مكانها الصحيح.

العاشق قبل الرسالة شخص، وبعدها شخص آخر... ؛ قبلها يفتح الهاتف بلا سبب، وبعدها يغلق العالم كله ليقرأ... ؛ قبلها يتّسع الصمت، وبعدها يضيق الكلام عن وصف ما حدث…

وهكذا، من قميص يوسف إلى رسالة هاتف، لم تتغيّر القصة، بل تغيّر الغلاف فقط...

فالقلوب هي القلوب، والانتظار هو الانتظار، والفرح حين يأتي…؛ يأتي دفعةً واحدة، كالمطر على أرضٍ جدباء، لا يشرح نفسه، بل يُحيي ما ظننّاه مات.

خلاصة المعنى : البيتان الشعريان، مع هذا المشهد الحديث، يثبتان أن:

الأدوات تغيّرت، لكن القلب واحد … ؛ فكما كان القميص رسولًا للفرح، أصبحت الرسالة إشعارًا، وكما عاد يعقوب بصيرًا، يعود العاشق حيًّا بعد طول انتظار.

إنه فرح لا يُرى بالعين، بل يُشمّ بالقلب...