رياض سعد
في السنوات التي كانت فيها البلاد تتساقط من نفسها كما تتساقط طبقات الطلاء عن جدارٍ مهمل، وصل سالم الموسوي إلى أطراف مدينةٍ تسمّى الكروم… ؛ لم يكن يحمل معه سوى حقيبة قماشٍ مهترئة، ومفتاح بيتٍ لم يعد له باب، وذاكرة مثقلة بأسماءٍ مات أصحابها أو تفرّقوا في المنافي.
كان نازحًا من بلدة بعيدة اسمها السهل الأحمر، تلك البقعة التي ابتلعتها الحرب كما تبتلع الرمال آثار الأقدام… ؛ في ليلةٍ واحدة فقد أباه وأخاه وبيته وأشجار الرمان التي كان يعتقد في طفولته أنها ستعيش إلى الأبد.
كان عمره يومها أربعين عامًا، لكنه بدا كمن تجاوز السبعين.. , فالأعمار لا تُقاس بالسنوات دائمًا؛ أحيانًا تقاس بعدد المرات التي ينهار فيها العالم فوق رأس الإنسان.
استأجر غرفة صغيرة عند أطراف المدينة.. , سقفها من التنك، وجدرانها من الطين اليابس.. , وحين كانت الرياح تعصف ليلاً، كان يسمع الجدار يئنّ كأنه كائن حيّ يتألم.
كان يخرج كل صباح باحثًا عن عمل.. , يعود كل مساء أكثر انحناءً.. , لم يكن الجوع هو ما يقتله، بل الشعور بأنه أصبح زائدًا عن حاجة العالم.
وكان يسأل نفسه كل ليلة:
“كيف يتحول الإنسان فجأة من ابن مكان إلى غريبٍ عنه؟!
من صاحب بيت إلى رقم في سجل النازحين؟!
من كائنٍ له تاريخ إلى ظلٍّ يمشي بين الظلال؟!”
في أحد أيام الشتاء، جلس سالم قرب سوقٍ شعبي يبيع فيه بعض الأدوات الصدئة التي حملها من بلدته .
كان المطر ينزل خفيفًا.
وكان الناس يمرّون من جانبه كما يمرّون بجانب عمود كهرباء.
في تلك اللحظة ظهر رجل عجوز.
لم يكن مهيبًا ولا ثريًا ولا صاحب منصب.
كان يرتدي معطفًا قديماً، ويحمل على ظهره كيسًا صغيرًا من الخبز.
اسمه يوسف الحلواني .
جلس إلى جوار سالم دون استئذان.
سكت طويلًا.
ثم قال:
“أراك تحمل تعبا أكبر من جسدك.”
رفع سالم رأسه باستغراب.
قال:
“وهل صار التعب يُرى؟”
ابتسم العجوز.
وقال:
“كل شيء يُرى… إلا من اعتاد النظر بعينيه فقط.”
لم يكن يوسف رجل دين ولا سياسيًا ولا زعيمًا اجتماعيًا.
كان عامل نظافة متقاعدًا.
أمضى حياته يكنس شوارع المدينة.
وكان الناس بالكاد يعرفون اسمه.
لكنه كان يعرف أسماء الأرامل والفقراء والمشردين والمرضى.
وكان يحفظ وجوههم كما يحفظ المؤمن صلاته.
تكررت اللقاءات.
شيئًا فشيئًا صار سالم ينتظر ظهور العجوز أكثر مما ينتظر رزقه.
كان يوسف يجيء حاملاً الخبز أو الشاي أو الصمت.
وأحيانًا كان يأتي بلا شيء سوى حضوره.
وكم من مرة يكون الحضور أعظم من المساعدة.
في إحدى الليالي سأله سالم:
“لماذا تساعدني؟”
فأجابه يوسف:
“لأنني أعرف هذا الطريق.”
قال سالم:
“أي طريق؟”
قال:
“طريق الانكسار.”
ثم أضاف بعد صمت:
“الإنسان لا يحتاج دائماً إلى من ينقذه من الجوع.. , أحياناً يحتاج إلى من ينقذه من فكرة أنه لم يعد يستحق الحياة.”
هزّت العبارة شيئًا عميقًا في داخله.
لأول مرة منذ شهور طويلة شعر أن أحدًا لا ينظر إليه باعتباره نازحًا أو محتاجًا أو رقمًا.
بل باعتباره إنسانًا.
وكان ذلك كافيًا أحيانًا لإعادة بناء روحٍ كاملة.
مرت الأشهر.
وأصبح يوسف أشبه بأبٍ متأخر جاء بعد خراب العمر.
لكن الزمن لا يمنح هداياه مجانًا.
ففي أحد الأيام اختفى العجوز.
لم يظهر في السوق.
ولا في الأزقة.
ولا عند المقاهي الشعبية.
بحث عنه سالم حتى وجده في مستشفى حكومي بائس.
كان المرض قد استقر في جسده بصمتٍ كما تستقر الرطوبة في الجدران القديمة.
جلس قرب سريره.
نظر يوسف إليه بعينين متعبتين.
وقال مبتسمًا:
“ها أنت هنا.”
قال سالم:
“جئت أردّ بعض الدين.”
ضحك العجوز.
وقال:
“أي دين؟”
قال:
“أنقذتني.”
هزّ يوسف رأسه.
ثم همس:
“لا أحد ينقذ أحدًا يا ولدي.”
صمت قليلًا.
وأكمل:
“نحن فقط نمسك أيدي بعضنا كي لا نسقط وحدنا.”
خارج نافذة المستشفى كانت المدينة تمضي كعادتها.
الباعة يصرخون.
السيارات تعبر.
السياسيون يتحدثون عن الوطن.
والفقراء يبحثون عن رغيف جديد.
أما داخل الغرفة فكان رجلان يتأملان الحقيقة القديمة نفسها:
أن الإنسان ضعيف أكثر مما يعترف.
ووحده أكثر مما يبدو.
وأشد حاجة إلى الرحمة مما يتخيل.
في الليلة الأخيرة قال يوسف:
“أتدري أين يكمن الشر الأكبر؟”
قال سالم:
“في الحروب؟”
قال:
“لا.”
“في الطغاة؟”
قال:
“لا.”
“إذن أين؟”
أجاب العجوز بصوت خافت:
“في اللحظة التي يتوقف فيها البشر عن رؤية آلام بعضهم.”
ثم أضاف:
“عندما يصبح الإنسان غير مرئي… يبدأ موته الحقيقي.”
رحل يوسف بعد أيام.
ورحل بصمتٍ يشبه حياته كلها.
لم تُنشر صورته.
لم يُكتب عنه شيء.
لم يحضر مسؤول جنازته.
ولم يُطلق أحد عليه لقب بطل.
لكن سالم كان يعرف أنه خسر أعظم إنسان عرفه في حياته.
بعد سنوات.
صار سالم يدير مخبزًا صغيرًا عند مدخل المدينة.
وكان يعلق فوق بابه عبارة كتبها بخطٍ مرتجف:
“لا يُرفض جائع.”
وكان يمنح الخبز مجانًا للنازحين والعابرين والمشردين.
وحين يسأله الناس عن السبب يبتسم فقط.
وفي كل مساء، عندما تغرق الشمس خلف البيوت المتعبة، كان يقف أمام المخبز ويتأمل المارة.
كان يرى في وجوههم شيئًا من نفسه القديمة.
ويفهم أخيرًا ما أراده يوسف أن يقوله.
فالعالم لا ينقسم إلى أقوياء وضعفاء.
ولا إلى منتصرين ومهزومين.
بل إلى نوعين من البشر:
أولئك الذين مرّوا بجانب الألم دون أن يروه.
وأولئك الذين قرروا أن يكونوا يدًا تمتد في العتمة.
وكان يوسف واحدًا من هؤلاء القلائل الذين لا يغيّرون العالم كله، لكنهم يغيّرون عالم إنسانٍ واحد.
وأحيانًا…
يكون ذلك أعظم من تغيير العالم نفسه.