رياض سعد
تُعدّ عبارة “لقد مات الله” من أكثر العبارات الفلسفية إثارةً للجدل وسوء الفهم في التاريخ الحديث… ؛ فما إن تقع عين القارئ عليها حتى يتخيل أنه أمام إعلان حرب على الدين أو إنكار فجّ لوجود الخالق… ؛ غير أن الفيلسوف الالماني فريدريش نيتشه لم يكن يقصد ذلك بالمعنى الحرفي، ولم يكن يتحدث عن موت إلهٍ حقيقي، بل كان يشخّص حدثًا حضاريًا هائلًا وقع في أعماق الوعي الأوروبي الحديث.
لقد كان نيتشه يدرك أن الكلمات الكبرى لا تصف الوقائع فحسب، بل تكشف التحولات العميقة التي تصيب روح الأمم والحضارات.. , ولذلك جاءت عبارته الشهيرة أشبه بجرس إنذار يدوي في قلب الحضارة الغربية، لا احتفالًا بانتصار العقل على الدين، بل تحذيرًا من الفراغ الذي سيولد بعد انهيار المرجعية التي حكمت أوروبا قرونًا طويلة... ؛ كما ادعى البعض .
لكي ندرك ما كان نيتشه يحاول وصفه، فلنتخيل أمةً عاشت قرونًا طويلة وهي تستدل بنجمٍ ثابت في سمائها.. , كان ذلك النجم مرجعها في السفر والتيه، وميزانها في التمييز بين الطرق، ومصدر الطمأنينة كلما أحاطت بها العواصف.. , لم يكن الناس يتساءلون عن جدوى الاهتداء به، لأنه كان جزءًا من نظام العالم الذي ألفوه.. , لكن مع تعاقب الأزمنة ظهرت خرائط جديدة وأدوات حديثة للملاحة، فأخذت الأنظار تنصرف عنه شيئًا فشيئًا. ولم يختفِ النجم من السماء، ولم ينطفئ ضوؤه، غير أن الناس كفّوا عن رفع رؤوسهم إليه، وأصبح وجوده وعدم وجوده سواءً في حياتهم اليومية.
هكذا تقريبًا فهم نيتشه التحول الذي أصاب أوروبا الحديثة؛ فلم يكن الله قد غاب عن الوجود، بل غاب عن مركز الوعي الذي كانت تدور حوله حياة الإنسان وقيمه ورؤيته للعالم.
فقد شهدت القارة الأوروبية منذ عصر النهضة والثورة العلمية صعود العقل التجريبي، وتنامي الاكتشافات العلمية، وتوسع النزعة النقدية، وتراجع سلطة الكنيسة على الفكر والسياسة والمجتمع… ؛ شيئًا فشيئًا أخذ الإنسان الأوروبي يبتعد عن المرجعيات الدينية التي كانت تمنح حياته تفسيرًا شاملًا للوجود.. , وبالرغم من استمرار الشعائر والرموز الدينية، فإن الإيمان العميق الذي كان يشكل أساس الحضارة بدأ يفقد قوته وتأثيره.
في كتابه “العلم المرح” يقدم نيتشه مشهدًا رمزيًا بالغ الأهمية… ؛ رجل مجنون يركض في السوق صارخًا:
“لقد مات الله، ونحن قتلناه.”
لم يكن المجنون يتحدث عن جريمة مادية، بل عن جريمة حضارية وروحية.. , لقد “قتل” الإنسان الحديث الإله في وعيه حين استبدل اليقين الديني بمنظومات فكرية جديدة، وحين جعل العقل والعلم والتقدم المادي مرجعياته العليا… ؛ لقد انهارت السماء القديمة التي كانت تمنح العالم معناه، لكن الأرض الجديدة لم تكن قد وجدت بعد أسسها الأخلاقية والروحية البديلة.
وهنا تكمن عبقرية نيتشه وخطورته في آن واحد.
فهو لم يكن يحتفل بموت الإله كما يظن بعض خصومه أو بعض معجبيه السطحيين، بل كان يرى في ذلك بداية أزمة كبرى… ؛ لقد أدرك أن الأديان لم تكن مجرد طقوس أو عقائد، بل كانت منظومات كاملة لإنتاج المعنى، وتحديد الخير والشر، وتنظيم العلاقات الإنسانية، ومنح الإنسان شعورًا بأن لحياته غاية تتجاوز وجوده الفردي المحدود.
فإذا انهارت هذه المرجعية، فمن أين ستأتي القيم؟
ومن سيحدد الخير والشر؟
وما الذي سيمنع الإنسان من السقوط في العبثية واللامبالاة؟
هذه الأسئلة هي جوهر المشروع الفلسفي عند نيتشه.
نعم , يعد مفهوم “موت الإله” لفريدريش نيتشه نقطة تحول فلسفية تعلن تراجع دور الدين كمرجعية مطلقة والقيم التقليدية في الغرب بسبب صعود العقلانية والعلم… ؛ و يشير هذا المفهوم إلى انهيار المنظومة الأخلاقية القديمة وضرورة خلق “الإنسان الأعلى” لقيم جديدة لمواجهة العدمية والفراغ الروحي الناتج عن هذا التحول.
لقد كان يخشى من ظهور ما أسماه “العدمية”، أي الحالة التي يفقد فيها الإنسان إيمانه بالمعاني الكبرى، فلا يعود يرى للحياة هدفًا حقيقيًا، ولا يجد للقيم أساسًا ثابتًا… ؛ فيصبح العالم فضاءً فارغًا من الغايات، ويتحول الإنسان إلى كائن تائه يبحث عن نفسه وسط الخراب الروحي.
ومن هنا فإن مقولة “مات الإله” ليست إعلانًا للإلحاد بقدر ما هي إعلان عن أزمة المعنى.
إنها وصف للحظة تاريخية فقد فيها الإنسان الحديث البوصلة التي كانت تقوده، دون أن يمتلك بعد بوصلة جديدة… ؛ ولهذا كانت صرخة نيتشه تحمل في أعماقها قدرًا هائلًا من القلق والرهبة… ؛ فهو رأى أن البشرية تقف على حافة هاوية وجودية، وأن انهيار المقدسات القديمة سيؤدي إلى انهيار كثير من اليقينيات الأخلاقية والثقافية والسياسية.
ولم يكن نيتشه يتحدث عن أوروبا وحدها، بل كان يرصد ظاهرة ستصبح لاحقًا سمةً من سمات العالم الحديث كله… ؛ فالتكنولوجيا المتقدمة، والاستهلاك المفرط، والنجاح المادي، والحرية الفردية، لم تستطع أن تمنح الإنسان إجابة نهائية عن سؤال المعنى.. , ولذلك شهد العصر الحديث موجات واسعة من القلق النفسي والعزلة والاغتراب والشعور بالفراغ الداخلي، رغم التقدم العلمي غير المسبوق.
إن الإنسان يستطيع أن يصنع الآلات، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا معنى.
ويستطيع أن يهدم المقدسات، لكنه لا يستطيع أن يلغي حاجته الوجودية إلى ما يمنح حياته قيمة وغاية.
لهذا السبب بقيت عبارة نيتشه حيّة حتى اليوم… ؛ فهي لا تتحدث عن الله بقدر ما تتحدث عن الإنسان نفسه؛ عن خوفه حين يفقد مرجعياته، وعن وحدته عندما يجد نفسه في كونٍ صامت، وعن محاولته المستمرة لصناعة معنى جديد وسط عالم تتساقط فيه اليقينيات القديمة.
لقد كانت صرخة نيتشه تشخيصًا لأحد أعظم التحولات في تاريخ البشرية: انتقال الإنسان من عالمٍ كانت السماء تمنحه معناه، إلى عالمٍ أصبح فيه مطالبًا بأن يخلق معناه بنفسه.
وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية، وهنا أيضًا يبدأ السؤال الذي شغل نيتشه حتى آخر حياته: إذا كان الإله قد مات في وعي الإنسان الحديث، فمن يستطيع أن يملأ الفراغ الذي تركه وراءه؟