الجناس وكلمة العالمين في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

جاء في موقع قاموس عن العَالَم في القرآن: قوله تعالى “تَبٰارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيرا” (الفرقان 1) العالَمُون: أصناف الخَلْق. و العالَمُ‌: الخَلْق كلُّه، و قيل: هو ما احتواه بطنُ‌ الفَلك. و لا واحد للعالَم من لفظه لأَن عالَماً جمع أَشياء مختلفة، فإن جُعل عالَمٌ‌ اسماً لواحد منها صار جمعاً لأَشياء متفقة، و الجمع عالَمُون، و لا يجمع شيء على فاعَلٍ‌ بالواو و النون إلا هذا، و قيل: جمع العالَم الخَلقِ‌ العَوالِم. و في التنزيل: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ‌ رَبِّ‌ اَلْعٰالَمِينَ، قال ابن عباس: رَبِّ‌ الجن و الإِنس.، و قال قتادة: رب الخلق كلهم. قال الأَزهري: الدليل على صحة قول ابن عباس قوله عز و جل:”تَبٰارَكَ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْفُرْقٰانَ عَلىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعٰالَمِينَ نَذِيرا” (الفرقان 1)، و ليس النبي، صلى الله عليه و سلم، نذيراً للبهائم و لا للملائكة و هم كلهم خَلق الله، و إنما بُعث محمد، صلى الله عليه و سلم، نذيراً للجن و الإِنس. و روي عن وهب بن منبه أنه قال: لله تعالى ثمانية عشر ألفَ‌ عالَم، الدنيا منها عالَمٌ‌ واحد، و ما العُمران في الخراب إلا كفُسْطاطٍ‍‌ في صحراء. و قال الزجاج: معنى العالمِينَ‌ كل ما خَلق الله، كما قال: “وَ هُوَ رَبُّ‌ كُلِّ‌ شَيْ‌ءٍ” (الانعام 164)، و هو جمع عالَمٍ‌، قال: و لا واحد لعالَمٍ‌ من لفظه لأَن عالَماً جمع أشياء مختلفة، فإن جُعل عالَمٌ‌ لواحد منها صار جمعاً لأَشياء متفقة. قال الأَزهري: فهذه جملة ما قيل في تفسير العالَم، و هو اسم بني على مثال فاعَلٍ‌ كما قالوا خاتَمٌ‌ و طابَعٌ‌ و دانَقٌ. (لسان العرب ج 12 ص 421). اَلْعَالَمُ‌: اسم للفلك و ما يحويه من الجواهر و الأعراض، و هو في الأصل اسم لما يعلم به كالطابع و الخاتم لما يطبع به و يختم به، و جعل بناؤه على هذه الصّيغة لكونه كالآلة، و اَلْعَالَمُ‌ آلة في الدّلالة على صانعه، و لهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيّته، فقال: “أَ وَ لَمْ‌ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ‌ اَلسَّمٰاوٰاتِ‌ وَ اَلْأَرْضِ”‌ (الاعراف 185)، و أمّا جمعه فلأنّ‌ من كلّ‌ نوع من هذه قد يسمّى عَالَماً، فيقال: عالم الإنسان، و عالم الماء، و عالم النّار، و أيضا قَدْ رُوِيَ‌: (إِنَّ‌ لِلَّهِ‌ بِضْعَةَ‌ عَشَرَ أَلْفَ‌ عَالَمٍ‌). و أمّا جمعه جمع السّلامة فلكون النّاس في جملتهم، و الإنسان إذا شارك غيره في اللّفظ‍‌ غلب حكمه، و قِيلَ‌: إِنَّمَا جُمِعَ‌ هَذَا اَلْجَمْعُ‌ لِأَنَّهُ‌ عُنِيَ‌ بِهِ‌ أَصْنَافُ‌ اَلْخَلاَئِقِ‌ مِنَ‌ اَلْمَلاَئِكَةِ‌ وَ اَلْجِنِّ‌ وَ اَلْإِنْسِ‌ دُونَ‌ غَيْرِهَا. وَ قَدْ رُوِيَ‌ هَذَا عَنِ‌ اِبْنِ‌ عَبَّاسٍ. و قَالَ‌ جَعْفَرُ بْنُ‌ مُحَمَّدٍ: عُنِيَ‌ بِهِ‌ اَلنَّاسُ‌ وَ جُعِلَ‌ كُلُّ‌ وَاحِدٍ مِنْهُمْ‌ عَالَماً، وَ قَالَ‌: اَلْعَالَمُ‌ عَالَمَانِ‌ اَلْكَبِيرُ وَ هُوَ اَلْفَلَكُ‌ بِمَا فِيهِ‌، وَ اَلصَّغِيرُ وَ هُوَ اَلْإِنْسَانُ‌ لِأَنَّهُ‌ مَخْلُوقٌ‌ عَلَى هَيْئَةِ‌ اَلْعَالَمِ‌، وَ قَدْ أَوْجَدَ اَللَّهُ‌ تَعَالَى فِيهِ‌ كُلَّ‌ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي اَلْعَالَمِ‌ اَلْكَبِيرِ. (مفردات ألفاظ القرآن ص 581).

جاء في كتاب البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها عن الجناس للكاتب عبد الرحمن الميداني: “الجناس المحرّف”: وهو ما اختلف فيه اللّفظان في هيأة الحروف، واتفقا في نوعها وعددها وترتيبها. مثل: “الْبُرْد” بمعنى الكِسَاء، وهو كِسَاءٌ مُخَطَّط يُلْتحف به، و”الْبَرْد” بمعنى انخفاض درجة الحرارة، و”الْبَرَد” بمعنى الماء الجامد الذي ينزل من السّماء، إنّ حروف هذه الكلمات متفقة في نوعها وعددها وترتيبها، لكنّها مختلفة في هيئتها، فالباء مضمومة في الأولى ومفتوحة في الثانية مع سكون الراء، ومفتوحة في الثالثة مع فتح الراء. ومثل: “الشِّرْك” بمعنى جعل شريك لله عزَّ وجلَّ، و “الشَّرَك” بفتح الشين والراء بمعنى الحبل الذي يضعه الصياد ويُخْفيه ليصيد به ما يترصّد من حيوان الوحش، كغزال، وتيْسٍ جبليّ. ومن أمثلة الجناس المحرّف ما يلي: (1) قولهم: “جُبَّةُ الْبُرْدِ جُنَّةُ الْبَرْد” فبين البُرْدِ والبَرْدِ جناسٌ مُحَرَّف. (2) وقولهم: “الْبِدْعَةُ شَرَكُ الشِّرْك”. (3) قول المعرّي: والْحُسْنُ يَظْهَرُ فِي بَيْتَيْنِ رَوْنَقُهُ * بَيْتٍ مِنَ الشِّعْرِ أَوْ بَيْتٍ مِنَ الشَّعَر. فبين الشِّعْرِ، والشَّعَر جناسٌ محرّف. (4) قولهم: “لاَ تُنَالُ الْغُرَرَ إِلاَّ بِرُكُوبِ الْغَرَر”. الغُرَر: جَمْعُ أغَرّ، وهو الحَسَنُ من كُلّ شيء. الْغَرَر: الخَطَر، والتعرّض لِلْهَلَكَة. (5) قول ابن الفارض: هَلاَّ نَهَاكَ نُهَاكَ عَنْ لَوْمِ امْرِئٍ * لَمْ يُلْفَ غَيْرَ مُنَعَّمٍ بِشَقَاءِ. نَهَاكَ: ضدّ أمَرَك. نُهَاك: النُّهَى: العقل، والمعنى: هلاَّ زجرك عقلك عن لوم امْرِئٍ. (6) قول الحريري يصف هُيَامَ الجاهلِ بالدنيا: مَا يَسْتَفِيقُ غَراماً * بها وَفَرْطَ صبَابَة ولَوْ دَرَى لَكَفَاهُ * مما يَرُومُ صُبَابة.

جاء في موقع البلاغة عن ظاهرة الجناس في خطب الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورسائله (دراسة بلاغية) للدكتور حسين عبد العال اللهيبي: المبحث الثاني – الجناس في خطب ورسائل الإمام علي عليه السلام ورد الجناس في موضع متفرقة من خطب ورسائل الإمام علي عليه السلام، وهو لا يقلُّ شأناً عن غيره من فنون البديع، متأتٍ من الطبع السليم، والفطرة النقية التي تستجيب لمقتضى الحال، فالكلمات طوع إرادته، تجري على لسانه منقادة للمعنى الذي يريده في يسرٍ وسهولة، من غير قصد أو تكلّفٍ، فهو لا يتقصد لفظة للفظة أو معنًى لمعنى، وإنما يتقصد فصاحة الكلام وجزالته، وبسط المعنى وإبرازه، وتلاحم الكلام بعضه ببعض، بما ينمُّ عن ذوق صحيح، وذهن ثاقب، وقريحة مطاوعة. والجناس الذي ورد في خطب ورسائل الإمام كثير، ولكن نكتفي بذكر علي ستة أنواع منه، هي: الجناس التام، والجناس الناقص، وجناس التصحيف، وجناس التحريف، وجناس المضارع، وجناس المقلوب،

عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن كلمة عالمين أو عالم بكسر اللام في القرآن الكريم “ذَٰلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ” ﴿السجدة 6﴾ ذلك الخالق المدبِّر لشؤون العالمين، عالم بكل ما يغيب عن الأبصار، مما تُكِنُّه الصدور وتخفيه النفوس، وعالم بما شاهدته الأبصار، وهو القويُّ الظاهر الذي لا يغالَب، الرحيم بعباده المؤمنين. قوله عز وجل “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ” ﴿سبإ 3﴾ وقال الكافرون المنكرون للبعث: لا تأتينا القيامة، قل لهم أيها الرسول: بلى وربي لتأتينَّكم، ولكن لا يعلم وقت مجيئها أحد سوى الله علام الغيوب، الذي لا يغيب عنه وزن نملة صغيرة في السموات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا هو مسطور في كتاب واضح، وهو اللوح المحفوظ، ليثيب الذين صدَّقوا بالله، واتَّبَعوا رسوله، وعملوا الصالحات. أولئك لهم مغفرة لذنوبهم ورزق كريم، وهو الجنة. قوله جل وعلا “إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ” ﴿فاطر 38﴾ إن الله مطَّلع على كل غائب في السماوات والأرض، وإنه عليم بخفايا الصدور، فاتقوه أن يطَّلع عليكم، وأنتم تُضْمِرون الشك أو الشرك في وحدانيته، أو في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن تَعْصوه بما دون ذلك.