زمن الضرب المكشوف

زمن الضرب المكشوف

كتب رياض الفرطوسي

كان العالم، حتى وقتٍ غير بعيد، يُتقن فن التمثيل. المؤامرات تُدار همسًا، والخصومات تُغلّف بالدبلوماسية، والحروب تُخاض بأسماء مستعارة. أما اليوم، فقد سقط النص المسرحي، وخرج الممثلون إلى الخشبة بلا أقنعة. لم يعد أحد يتظاهر بالالتزام بقواعد، ولا أحد يخجل من إعلان العداء الصريح. نحن في زمن الضرب المكشوف؛ زمن تُوجَّه فيه اللكمة أمام الكاميرا، ثم يُطلب من الضحية أن تفهم الدرس وحدها.

في العقود الماضية، كانت هندسة إسقاط الدول عملية بطيئة، أشبه بتآكل صامت. احتجاجات تتكاثر، مؤسسات تُنهك، شرعية تتآكل تدريجياً، ثم انهيار يبدو – لمن لا يعرف – عفوياً. هكذا صُمِّمت الثورات الملونة، وهكذا انتقلت عدواها من شوارع براغ إلى عواصم عربية دفعت أثماناً باهظة، ولا تزال. كان الزمن عنصراً حاسماً في تلك المعادلة، وكانت الفوضى تحتاج إلى تربية طويلة قبل أن تنضج.

لكن الصبر لم يعد فضيلة في قاموس القوة. فالعالم المتعب من الانتظار اخترع صيغة أشد اختصاراً: لا حاجة لهدم البيت كاملًا، يكفي اقتلاع العمود الحامل. هنا وُلدت المناورة الجديدة؛ لا ثورة شاملة ولا حرب تقليدية، بل ضغط مركّز، سريع، وعنيف، يخلط الإعلام بالاقتصاد، والدبلوماسية بالتهديد العسكري، ثم يضرب في اللحظة التي يترنح فيها الخصم.

هذا التحول يعكس عقلًا سياسياً لم يعد معنياً بإعادة بناء الدول بعد إسقاطها، بل بإخضاعها بأقل كلفة ممكنة. الدولة، في هذا المنطق، ليست عدواً بحد ذاتها، بل وعاء يجب السيطرة على قراره. ولذلك تُترك المؤسسات قائمة، والحدود محفوظة، لكن الرأس يُستهدف، والقرار يُختطف، والسيادة تتحول إلى تفصيل إداري.

اللافت أن هذه الفلسفة لم تتوقف عند الخصوم التقليديين. الحلفاء أنفسهم باتوا جزءاً من المشهد الرمادي. حين تصبح الجغرافيا سلعة أمنية، ويُعاد تعريف التحالفات بمنطق الحاجة لا الشراكة، فإن العالم يدخل مرحلة سيولة خطيرة. ما كان ثابتاً منذ الحرب العالمية الثانية لم يعد محصناً، وما كان يُعد من المسلّمات صار خاضعاً لإعادة التفاوض القسري.

في هذا السياق، تتحول الجزر الهادئة، والدول المستقرة، وحتى المجتمعات الصغيرة، إلى أوراق على طاولة الصراع. لا أحد محايد في زمن الضرب المكشوف، ولا أحد خارج الحسابات. الهوية، الموارد، الموقع، وحتى الضعف الديمغرافي، كلها عناصر قابلة للاستثمار السياسي.

أما في الدول المستهدفة مباشرة، فالصورة أكثر تعقيداً. الاحتجاجات، مهما كانت مشروعة في أصلها، تتحول سريعاً إلى مساحة اختراق. الفوضى تُغذّى بعناية، العنف يُزرع في الظل، والدم يُستثمر كدليل إدانة. ثم يأتي التهديد الخارجي ليكمل المشهد، لا كعامل ردع، بل كذريعة أخلاقية للتدخل. هكذا تندمج الساحات الداخلية مع غرف العمليات الخارجية، في توليفة لا تترك مجالًا للبراءة الكاملة.

الخطر الحقيقي في هذا الزمن لا يكمن في القوة ذاتها، بل في وضوحها الفجّ. حين تُمارَس الهيمنة بلا اعتذار، وتُعلن النوايا بلا مواربة، فإن العالم يفقد آخر أوهامه حول النظام الدولي. لم تعد القواعد تُنتهك خفية، بل تُكسر على الهواء مباشرة، وكأن الرسالة المقصودة هي: لا أحد سيحاسب أحداً.

من هنا، يصبح التحدي مضاعفاً على الدول والمجتمعات التي تريد البقاء. لم يعد يكفي امتلاك خطاب سيادي أو ذاكرة تاريخية. المطلوب وعي سياسي قادر على قراءة التحولات قبل وقوعها، وخيال استراتيجي يتعامل مع الفوضى بوصفها سلاحاً، لا مجرد نتيجة. ففي زمن الضرب المكشوف، من لا يرى الضربة قادمة، لا يملك حتى حق الاعتراض بعدها.

إنه زمن قاسٍ، بلا شك، لكنه زمن الحقيقة العارية. ومن لا يتقن العيش في العراء السياسي، سيجد نفسه سريعاً خارج الخريطة… أو داخلها، ولكن بلا قرار.