مكسيم العراقي
1. قصة خلالات العبد
2. خطيئة الكتلة الأكبر… لعبة تفسير الدستور بين عامي 2010 و2026
3. العلاقة بين فائق زيدان الأخيرة خلالات العبد
4. فائق زيدان.. من القضاء إلى حارس الميليشيات
5. العبث الإيراني بالدستور العراقي.. كيف أصبحت الوثيقة المؤسسة أداة بيد طهران؟
(1)
قصة خلالات العبد
قصة المثل العراقي “خلالات العبد” هي واحدة من القصص الشعبية العميقة التي تنتقد طباع الإنسان عندما يكون أنانياً وقصير النظر.
يُحكى أنه كان هناك أحد الأقطاعيين في جنوب العراق، وكان لديه عبد يُدعى “إسعيَد”. كان إسعيد معروفاً بأنه أناني، غليظ الطبع، ويعتقد أنه ذكي رغم محدودية تفكيره.
في أحد الأيام، أكرمه سيده وأعطاه عرجون تمر. لم يكن كل التمر الذي في العرجون ناضجاً، بل كان خليطاً من الرطب الناضج اللذيذ والخلال، وهو البلح أو التمر غير الناضج بعد، ويكون قاسياً ومُراً بعض الشيء.
بدأ إسعيد يأكل التمر، وكان ينتقي الرطب الناضج ليأكله، ويرمي خلالات التمر غير الناضجة جانباً لمرارتها. واستمر على هذا الحال حتى أكل كل الرطب، ولم يتبق أمامه سوى كومة من الخلال الذي رماه.
وهنا فكر العبد بطريقة أنانية خبيثة: ماذا لو جاء عبد آخر بعدي وأكل هذا الخلال؟ لم تطاوعه نفسه أن يترك شيئاً لغيره، فقرر أن يبول على كومة الخلال التي رمها، نكايةً بالجياع الذين قد يأتون من بعده.
فعل إسعيد فعلته ومضى في طريقه. لكنه بعد فترة، وبعد أن مشى مسافة طويلة، شعر بالجوع مجدداً. لم يعد معه شيء من التمر لأنه رمى الخلال وأكل كل الرطب، فاضطر للعودة أدراجه إلى المكان الذي بال فيه على التمر.
وهنا بدأت المهزلة: جلس أمام كومة الخلال التي دنسها بنفسه، وأخذ حبة من الأطراف وقال لنفسه: هذه لم يصلها البول – مو نكسانة- فأكلها. ثم أخذ الثانية والثالثة بنفس المنطق، حتى وصل إلى الحبات في وسط الكومة، فلم يستطع إنكار أنها أصابها البول، فمسحها بثوبه وأكلها أيضاً. واستمر على هذا النحو حتى أكل كل الخلال الذي كان قد بال عليه، مبرراً لنفسه في كل مرة أنها لم تتنجس أو أنه نظفها.
المثل يُضرب في عدة حالات: في الشخص الذي يمتلك شيئاً فيتخلى عنه ظناً منه أنه لا قيمة له، ثم تضطره الحاجة للعودة إليه وكأنه لم يتخل عنه من قبل. وينتقد المثل الشخص الأناني الذي يؤثر نفسه على غيره، لكنه في النهاية يقع في نفس المشكلة التي حاول تفاديها. كما يضرب فيمن يرتكب فعلاً سيئاً ثم يجد لنفسه التبريرات ليعود إليه وكأن شيئاً لم يكن.
وفي السياسة، استخدم الكتاب والمحللون هذا المثل لانتقاد السياسيين الذين يتخلون عن مبادئهم أو رجالهم ثم يعودون إليهم مضطرين، أو الذين يرفضون أشخاصاً ثم يعيدونهم تحت مسميات جديدة.
(2)
خطيئة الكتلة الأكبر… لعبة تفسير الدستور بين عامي 2010 و2026
في لحظة سياسية بالغة الدقة، تعيش فيها المنطقة على وقع حريق شامل بالحرب ضد ايران، وتتصارع فيها الفصائل على الأرض العراقية تحت مسمى المواجهة مع إسرائيل وأمريكا، فجر رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، قنبلة من العيار الثقيل.
زيدان وجه سهام نقده إلى ما وصفه بـ خطيئة التفسير الخاطئ للمادة 76 من الدستور، وهي الخطيئة التي يقول إنها أنتجت 23 عاماً من الحكم المعتل وأزمات سياسية متكررة.
هذا التصريح، الذي ورد في مقال لزيدان بصحيفة الشرق الأوسط ونقلته المدى في 4 آذار 2026، لم يأتِ من فراغ. إنه يأتي بعد نحو مئة يوم على انتخابات تشريعية أسفرت عن فوز ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السوداني بأكبر عدد من المقاعد، وفي خضم انسداد سياسي حاد تعطل معه تشكيل الحكومة الجديدة. لكن ما يثير السخرية والريبة معاً، هو أن هذا الموقف القضائي الجديد يعيد إنتاج سيناريو قديم، ولكن بأدوار مقلوبة.
1. جدل المادة 76.. بين النص والتحالف
تنص المادة 76 من دستور 2005 على أن يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل الوزارة. المشكلة كانت ولا تزال في تعريف الكتلة النيابية الأكثر عدداً. هل هي القائمة التي تحصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات؟ أم هي التحالف الذي يمكن أن يتشكل بعد الانتخابات بين قوائم متعددة ليصبح صاحب العدد الأكبر داخل قبة البرلمان؟
في عام 2010، حدثت الواقعة الشهيرة التي شكلت وعي العراقيين السياسي. فازت قائمة العراقية بزعامة إياد علاوي في الانتخابات بحصولها على 91 مقعداً، متقدمة على ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي الذي حصل على 89 مقعداً. لكن قبل انعقاد أول جلسة للبرلمان، تدخلت المحكمة الاتحادية العليا وأصدرت قرارها رقم 25/اتحادية/2010، الذي فسّر الكتلة الأكبر بأنها التي تتشكل داخل المجلس بعد الانتخابات من خلال تحالفات الكتل، وليس بالضرورة الفائز في الانتخابات.
هددت ايران بتدمير العراق ان مضى علاوي وجبن علاوي وتراجع الامريكان! في عهد اوباما الذي شجع ايران على التوسع بعد الانسحاب من العراق عام 2011 باوامر ايرانية!!
هذا التفسير، الذي يصفه زيدان الآن بأنه تجاوز للدور التفسيري إلى الدور الإنشائي وتحميل النص ما لا يحتمل، مكّن المالكي من الوصول للسلطة وادى ذلك الى سقوط الموصل وخراب العراق وتشكيل الحرس الثوري الايراني في العراق, وسحب البساط من تحت علاوي، وانتزاع رئاسة الوزراء التي ذهبت لصاحب المقاعد الأقل. كان وقتها المبرر واضحاً: الحفاظ على التوازنات وإفساح المجال أمام الكتلة الشيعية الأكبر لتشكيل الحكومة، بغض النظر عن إرادة الناخبين. كانت الكتلة الأكبر تعني القوة التي تصنع بعد الانتخابات.
2. عودة التفسير لخدمة السوداني
وبعد 16 عاماً، ومع فوز ائتلاف السوداني بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2025، عاد الجدل حول نفس المادة. لكن هذه المرة، يبدو أن تفسير الكتلة الأكبر يجب أن يعود إلى جذوره الأولى، أي القائمة الفائزة انتخابياً. فجأة، يتذكر رئيس القضاء أن الاجتهادات القضائية لا يجب أن تخضع للسياسة، وأن الكتلة الأكبر يجب أن تكون هي من رشحها الناخبون مباشرة، وليس من تشكل بالتحالفات والصفقات خلف الكواليس.
ويصف قصي محبوبة، عضو ائتلاف الفساد السوداني، في تدوينة نقلتها المدى، إعادة التفسير وفق معيار القائمة الفائزة انتخابياً بأنه تصحيح لأكبر تزوير وفساد سياسي منذ 2003. هنا تكمن المفارقة الكبرى والسخرية اللاذعة. فما كان يُعد في عام 2010 فساداً وتزويراً من قبل من خسروا الانتخابات (المالكي وحلفاؤه)، يعاد اليوم تقديمه على أنه تصحيح للمسار من قبل من فازوا بها (السوداني وحلفاؤه). وما كان يُقرأ من نص الدستور في الماضي لصالح التحالفات البعدية يُقرأ اليوم حرفياً لصالح نتائج الصناديق، لمجرد أن موازين القوى تبدلت.
3. اللعبة الخبيثة.. عندما يصبح الدستور ورقة تفاوض
ما يحدث ليس مجرد خلاف فقهي أو دستوري، بل هو لعبة سياسية خبيثة تتقنها النخبة الحاكمة. الدستور، الذي يفترض أن يكون المرجعية العليا الثابتة، يتحول إلى ورقة ضغط قابلة للطي والفتح حسب الحاجة. في عام 2010، استخدمته قوى خسرت الانتخابات لانتزاع السلطة عبر بوابة التحالفات. في عام 2026، تحاول قوى فازت بالانتخابات استخدامه لحسم السلطة لصالحها عبر بوابة النص الحرفي.
هذا التقلب في التفسير، الذي يباركه أعلى سلطة قضائية في البلاد (رئيس مجلس القضاء)، يكشف عن عمق الأزمة. إنه ليس صراعاً على تفسير القانون، بل صراع على من يملك سلطة تفسيره. وكما حذر زيدان نفسه في مقاله، فإن الاجتهاد الذي يتوافق مع مصالح سلطة معينة قد يُنظر إليه بوصفه انحيازاً سياسياً يضعف الثقة بالقضاء الدستوري. وهذا بالضبط ما يحدث. الثقة معدومة، والقضاء أصبح طرفاً في اللعبة، لا حَكماً فيها.
4. الخطيئة المتجددة
فائق زيدان يدعو اليوم إلى تعديل دستوري أو تشريعي يمنع تكرار هذه المعضلة، ويقفل الباب أمام تحالفات ما بعد الانتخابات التي تعيد تشكيل الإرادة الشعبية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان هذا النداء سيأتي بنفس القوة لو أن ائتلاف السوداني لم يفز بأكبر عدد من المقاعد؟ وهل كان سيُعتبر خطيئة ذلك التفسير القديم لو أن المالكي كان لا يزال صاحب الكلمة العليا اليوم؟
إن خطيئة المادة 76 ليست في النص نفسه، بل في النخبة التي تتلاعب به. إنها لعبة مرايا حيث ترى كل قوة نفسها في موقع المظلومية عندما تخسر، وتتبنى خطاب احترام إرادة الناخبين عندما تكسب. حتى يخرج العراق من دائرة هذه النخبة التي توظف كل شيء، حتى الدستور والقضاء، في خدمة صراعاتها اللحظوية، ستبقى الكتلة الأكبر مجرد عنوان لانسداد أصغر، ولعبة خبيثة تتقاسم فيها الأطراف الفائزة والخاسرة بطولة الأدوار.
مصدر: المدى في 4 اذار 2026
زيدان يفتح ملف “الخطيئة”.. واتفاق وشيك لتشكيل الحكومة رغم الحرب
زيدان يفتح ملف “الخطيئة”.. واتفاق وشيك لتشكيل الحكومة رغم الحرب
(3)
العلاقة بين فائق زيدان الأخيرة خلالات العبد
هي علاقة عميقة وتعكس هجاءً لاذعاً للسياسة العراقية. يمكن فهم هذه العلاقة من خلال أوجه الشبه التالية:
1. إعادة تقييم الخلال بعد رميه
في القصة، يرمي العبد الخلال (التمر غير الناضج) ظناً منه أنه تافه ولا قيمة له، ثم يعود إليه مضطراً ليأكله بعد أن يجد نفسه جائعاً. في السياسة العراقية، كان تفسير الكتلة الأكبر الذي صدر عام 2010 هو الخلال الذي أكلته بعض القوى يومها (المالكي وحلفاؤه) واعتبرته انتصاراً. اليوم، وبعد 16 عاماً، يعود نفس التفسير (أو نقيضه) ليُقدم كحل للأزمة، وكأنه لم يُرمَ من قبل.
2. الأنانية السياسية وقصر النظر
العبد في القصة أناني، يمنع غيره من أكل الخلال بفعله الشائن، ثم يقع في نفس الحاجة. النخبة السياسية العراقية تتصرف بنفس الأنانية. في 2010، فرضت قوى خسرت الانتخابات تفسيراً للدستور يخدمها. اليوم، تحاول قوى فازت في الانتخابات فرض تفسير مضاد يخدمها. كل فريق يفكر في مصلحته اللحظية فقط، وكأنه لا يرى أن ما يفعله اليوم قد يستخدم ضده غداً.
3. تبرير الأفعال بعد فوات الأوان
في القصة، يأكل العبد الخلال الذي دنسه بنفسه ويجد التبريرات: هذه لم يصبها البول، هذه نظفتها. في السياسة، نجد نفس آلية التبرير. في 2010، قيل إن التحالفات البعدية هي روح الدستور. في 2026، يقال إن صوت الناخب هو أساس الشرعية. كل تبرير يبدو مقنعاً لمن يملك السلطة في تلك اللحظة، ولكنه يبدو هزلياً لمن يراقب المشهد من الخارج.
4. الخطيئة التي يعاد إنتاجها
فائق زيدان يصف تفسير 2010 بأنه خطيئة. لكنه اليوم، وبفتحه ملف إعادة النظر بهذا التفسير لصالح الفائز الحالي (السوداني)، يكرر نفس الخطيئة ولكن بطريقة مختلفة. هو لم يقل إن تفسير 2010 كان خطأً مطلقاً يجب إلغاؤه دستورياً بشكل نهائي، بل طرحه كحل لأزمة اليوم. هذا يشبه العبد الذي لا يتعلم من خطيئته الأولى، بل يكررها بوعي تحت مسمى جديد.
5. العودة إلى الخلال نفسه
المفارقة الأهم هي أن النخبة السياسية تعود دائماً إلى نفس النقاش حول الكتلة الأكبرعند حصول انسداد سياسي معتاد. في كل انتخابات، يعاد إنتاج نفس الجدل. في كل مرة، يُستدعى الدستور ليُقرأ بطريقة مختلفة. هذا هو جوهر خلالات العبد السياسية: العودة المستمرة إلى نفس المادة، ونفس الجدل، ونفس الصراع، وكأن شيئاً لم يتعلم من الماضي.
تصريحات فائق زيدان، سواء بقصد أو بدون قصد، أعادت إنتاج خلالات العبد السياسية. العبد هنا هو النخبة الحاكمة التي تتخلى عن المبادئ الدستورية عندما لا تخدمها، ثم تعود إليها متى احتاجتها، مبررة فعلتها بأنها تصحيح للمسار. الفرق الوحيد هو أن الخلال في هذه المرة هو الدستور نفسه، وقد دنسته أيدي الجميع على مدار 23 عاماً.
(4)
فائق زيدان.. من القضاء إلى حارس الميليشيات
في خضم الصراع المحموم على السلطة في العراق، تبرز شخصية نادراً ما يسلط الضوء عليها إعلامياً، لكنها تمسك بزمام اللعبة السياسية من خلف الستار. إنه فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، الرجل الذي حوّل السلطة القضائية من مؤسسة مستقلة إلى أداة ايرانية طيعة، وجعل من القانون سلاحاً لتصفية الخصوم وتمكين الموالين.
1. الأخ الذي لم تلده الأم
في لحظة صراحة نادرة، كشف فائق زيدان عن عمق علاقته بقادة الميليشيات، حين وصف نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق، أبو مهدي المهندس، بأنه أخي الذي لم تلده أمي. لم تكن هذه الكلمات مجرد تعبير عاطفي عابر، بل اعترافاً برابطة عضوية تربط الرجل بأبرز قادة الفصائل.
هذه العلاقة لم تكن وليدة الصدفة. فقد كان زيدان على تواصل مباشر مع قيادات فصائل متنفذة، وقد أطلق أبو مهدي المهندس نفسه على زيدان لقب حارس المشروع، وهو توصيف لم يكن اعتباطياً، بل يحمل دلالة سياسية واضحة.
2. الصعود السريع
لم يكن صعود فائق زيدان إلى قمة السلطة القضائية نتيجة طبيعية لمسيرة مهنية نزيهة، بل ثمرة مشروع جرى الإعداد له بعناية. فبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، كان القضاء أحد أهم المواقع التي سعت ايران لفرض سيطرتها عليها.
زيدان بدأ مسيرته القضائية عام 1999 في بعقوبة. لكن طفرة صعوده بدأت بعد 2003، حين عين قاضي تحقيق في المحكمة الجنائية المركزية الخاصة بالإرهاب والفساد. هذا الموقع الحساس أتاح له فرصة بناء علاقات مع القوى السياسية.
لكن التدرج غير الطبيعي في مناصبه هو ما يثير الريبة. ففي عام 2011 رقي إلى الصنف الأول، وبعد تسعة أشهر فقط عين عضواً في محكمة التمييز، وهو أمر نادر في تاريخ القضاء العراقي. ثم في 2014 عين نائباً لرئيس محكمة التمييز، رغم أن القانون كان يشترط قضاء ثلاث سنوات في المحكمة للوصول إلى هذا المنصب، فتم تعديل القانون خصيصاً له. وفي 2017، صوّت البرلمان على تعيينه رئيساً لمحكمة التمييز، ثم أصبح بموجب القانون رئيساً لمجلس القضاء الأعلى، ليجمع بين أعلى منصبين قضائيين في البلاد مدى الحياة.
3. امتيازات وترفيعات بلا حق
لم تكن العلاقة مع إيران مجرد علاقة ولاء سياسي، بل توجت بامتيازات عملية. فبفضل الدعم، حصل زيدان على ما لم يحصل عليه أي قاضٍ عراقي قبله: جمع منصبي رئيس محكمة التمييز ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وهو ما يعادل في السلطة القضائية ما يفعله جمع السلطتين التشريعية والتنفيذية في شخص واحد.
كما منح زيدان صلاحيات استثنائية، منها رئاسة الهيئة القضائية الانتخابية التي تنظر في طعون المرشحين لمجلس النواب، فكان له الدور الحاسم في إقصاء المعارضين وتمكين الموالين في انتخابات متعاقبة.
4. القضاء في خدمة ايران ومليشياتها
الدور الحقيقي الذي لعبه زيدان هو تحوله من قاضٍ في الدولة إلى حارس للميليشيات. فبعد انتخابات 2021 التي فاز فيها التيار الصدري بنحو 75 مقعداً، كان القرار القضائي الذي أعاد تفسير النصاب القانوني كافياً لإبعاد الصدريين عن تشكيل الحكومة، رغم أنهم كانوا الكتلة الأكبر. وهكذا استُخدم القضاء لقلب نتائج الانتخابات مراراً، لصالح القوى التي تخسر في صناديق الاقتراع لكنها تنتصر في دهاليز القضاء.
القضاء في العراق لم يعد سلطة مستقلة، بل تحول إلى محرك سياسي رئيس يحدد من يحكم ومن يُقصى، ومن يدخل اللعبة السياسية ومن يُستبعد منها. وقد حوّل زيدان المجلس الأعلى للقضاء إلى سلاح سياسي ومنصة تُدار عبرها معارك النفوذ، وبدل أن يكون القضاء حصن الدولة، أصبح جسراً تعبر فوقه جماعات لا ترى نفسها جزءاً من العراق.
5. لعبة تفسير الدستور.. الكتلة الأكبر
الوجه الأكثر فضائحية لدور زيدان هو ما كشفه مؤخراً في اذار 2026، حين خرج بمقال أعلن فيه أن تفسير المحكمة الاتحادية العليا للمادة 76 من الدستور في عام 2010 كان خطيئة وتجاوزاً للدور التفسيري إلى الدور الإنشائي.
هذا التفسير القديم هو الذي سمح للقوى التي خسرت الانتخابات بتشكيل تحالفات ما بعد الانتخابات وسحب البساط من الفائز إياد علاوي. واليوم، بعد 16 عاماً، ومع فوز ائتلاف محمد شياع السوداني بأكبر عدد من المقاعد، يطالب زيدان بإعادة تفسير المادة لصالح القائمة الفائزة انتخابياً.
يسأل متابعون: أين كان هذا الموقف عندما كانت الكتلة الصدرية هي الأكبر في انتخابات 2021 وتم حرمانها من تشكيل الحكومة بأمر من القضاء نفسه؟
6. الوجه الآخر.. قصف الخصوم
القضاء بقيادة زيدان لم يكن منحازاً سياسياً فحسب، بل كان أداة قمع. فبحسب متابعين، فإن سياسيين معارضين موقوفياتهم تعادل أحكام مدانين بالقتل والخطف بتهم كيدية وطائفية وتصفيات.
ويتهم النشطاء زيدان بازدواجية المعايير: إصدار توجيهات بتقليل التوقيف والإفراج عن موالين، بينما يبقى الأبرياء الذين اتهموا بالإرهاب في السجون.
7. موقف واشنطن
هذا الدور المزدوج لزيدان لم يمر دون رصد أمريكي. ففي فبراير 2026، كشف مسؤول أمريكي عن مشروع قانون لتصنيف مجلس القضاء العراقي ورئيسه كأصول تسيطر عليها إيران. وقد سبق لواشنطن أن ألغت زيارة كان مزمعاً لزيدان إلى الولايات المتحدة في 2023، بعد إصداره مذكرة قبض ضد الرئيس السابق دونالد ترامب.
8. الدستور بين أيدي العبد
فائق زيدان يجسد أسوأ ما في النخبة السياسية العراقية: قاضٍ يُفترض فيه الحياد، يتحول إلى أداة حزبية، ويستخدم الدستور كـخلالات العبد – يعيد تفسيره كلما تبدلت المصالح. هو الذي نصب نفسه عراب النظام السياسي، وأصبح وحده من يملك سلطة تحديد الخطأ من الصواب بمزاجه الشخصي.
بين علاقته العضوية بقادة الميليشيات وايران، ودوره في قلب نتائج الانتخابات، وتقلباته في تفسير الدستور، يظل فائق زيدان الوجه الأبرز لانهيار العدالة في العراق، والدليل الأوضح على أن القضاء لم يعد ملاذاً للمظلومين، بل سيفاً مسلطاً عليهم.
(5)
العبث الإيراني بالدستور العراقي.. كيف أصبحت الوثيقة المؤسسة أداة بيد طهران؟
منذ إقرار الدستور العراقي الدائم في استفتاء 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005، وهو يعاني من إشكاليات بنيوية جعلته وثيقة قابلة للتأويل وإعادة التفسير حسب المصالح . لكن الأخطر من عيوب النص هو العبث السياسي الذي مارسته القوى الموالية لإيران، والتي حوّلت الدستور من إطار جامع إلى أداة طيعة بيد طهران لتنفيذ أجنداتها في العراق.
1. الدستور الذي ولد مشوهاً
وُلد الدستور العراقي في ظل احتلال، وكانت القوى السياسية حينها منهمكة في صفقات المحاصصة أكثر من انشغالها ببناء دولة قانون. بيعت الفيدرالية في سوق المزايدات أكثر من مرة وبلغت أعلى الأسعار في بورصة مؤتمر لندن للمعارضة في كانون الأول 2002 .
لكن التدخل الإيراني لم يتوقف عند حدود النفوذ السياسي، بل امتد ليشمل إعادة تفسير الدستور بما يخدم مصالح طهران. وقد كشفت وثائق المخابرات الإيرانية التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز وموقع إنترسبت في أكتوبر 2019 عن حجم هذا التدخل، حيث كان قاسم سليماني يزور العراق ويطلب من متحالفيه في البرلمان العراقي توجيه القرارات بما يخدم إيران .
2. مدة رئاسة الوزراء المفتوحة.. استباحة النص
المادة 76 من الدستور حددت آلية تشكيل الحكومة، لكنها تركت ثغرة كبرى تم استغلالها مراراً: مدة تكليف رئيس الوزراء المكلف غير محددة زمنياً، وهذا ما أدى إلى أشهر من الفراغ السياسي في كل دورة انتخابية. الأكثر خطورة هو أن القوى الموالية لإيران استغلت هذه الثغرة لفرض مرشحيها بقوة الواقع، وليس بقوة القانون. تمسك المالكي بالدورة الثالثة هو سبب اساسي لسقوط الموصل عام 2014!
3. قانون النفط والغاز.. ثروة العراق في مهب التأويل
منذ عام 2007، وقانون النفط والغاز العراقي لا يزال حبراً على ورق . المادة (112) من الدستور نصت على أن الحكومة الاتحادية تدير النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية بالتعاون مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، لكن غياب قانون تنظيمي يحدد آليات هذا التعاون فتح الباب أمام إيران للعب على وتر النزاعات بين بغداد وأربيل، واستغلال الثروة النفطية لتعزيز نفوذها الاقتصادي.
4. مزدوجو الجنسية..ولاء مزدوج في مناصب سيادية
المادة (18/رابعاً) من الدستور نصت على حظر ازدواج الجنسية في المناصب السيادية العليا، لكنها اشترطت تنظيماً بقانون. ولغاية اليوم، لم يُشرع هذا القانون . النتيجة: وصول شخصيات تحمل جنسيات أخرى إلى مناصب قيادية، ما يثير تساؤلات جدية حول الولاء الوطني، خصوصاً عندما تكون الجنسية الثانية لدولة إقليمية كإيران.
5. الفيدرالية.. من مشروع وحدوي إلى أداة تقسيم
الدستور نص في ديباجته على أن العراق دولة اتحادية واحدة . لكن الفيدرالية، التي كان يفترض أن تكون حلاً عادلاً لتنوع العراق، تحولت إلى كابوس بفعل التفسيرات المشوهة. البعض رأى فيها مقدمة للتقسيم، وآخرون استخدموها كذريعة لتمركز السلطة. وقد أدى غياب رؤية وطنية واضحة للفيدرالية إلى تعميق الانقسامات، وإتاحة المجال أمام إيران للعب على التناقضات.
6. الحشد الشعبي.. الميليشيا التي أصبحت فوق الدستور
في 26 تشرين 2 2016، أقر مجلس النواب قانون هيئة الحشد الشعبي، الذي جعل هذه القوات جزءاً من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة . لكن القانون نص أيضاً على أن يتم فك ارتباط منتسبي هيئة الحشد الشعبي عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية ولا يسمح بالعمل السياسي في صفوفه .
الواقع يقول عكس ذلك تماماً. كثير من فصائل الحشد لا تزال مرتبطة عضوياً بقرار إيراني، وتعمل تحت شعار الولاية الفقيه لا تحت شعار الدولة العراقية. وقد اعترف نوري المالكي صراحة بأن الدعم الإيراني للعراق في مواجهة داعش اشتمل على الأسلحة والخبرات العسكرية، وأن إيران هي الدولة الوحيدة التي وقفت مع العراق!!
وبينما يمنع القانون السياسة والسياسيين داخل القوات المسلحة فان هولاء هم جزء من الحرس الثوري الايراني الذي امسك بمفاصل الحشد وصنع مليشيات اخرى متناسلة! بعد ان سيطروا على وزارة الداخلية والامن الوطني ومستشارية الامن الوطني وزحفوا على الدفاع والمخابرات وجهاز مكافحة الارهاب!
7. دمج مليشيات إيران والأكراد في القوات المسلحة
قبل تشكيل الحشد، كانت هناك تجربة سابقة لدمج المليشيات في القوات المسلحة. ففي عام 2004، صدر الأمر رقم 91 من سلطة الائتلاف المؤقتة، الذي وضع سياسة تحويل وإعادة اندماج القوات المسلحة والمليشيات . وقتها، تعاملت السلطة مع تسعة أحزاب لديها قوات مسلحة، بينها منظمة بدر وحزب الله العراقي.
لكن التجربة فشلت في تحقيق اندماج حقيقي. المليشيات حافظت على هياكلها التنظيمية وولاءاتها الخارجية، ودمجت في الدولة دون أن تندمج مع الدولة. هذا الإرث المرض تطور ليصل إلى ما نشهده اليوم من كيانات مسلحة تعلن ولاءها لإيران وتتلقى أوامرها من طهران، بينما تتقاضى رواتبها من الخزانة العراقية.
واستمر الدمج حتى اليوم على قدم وساق وفق قانون سنة المحتل بريمر!!
8. الفساد وغياب فصل السلطات
أكثر ما مكّن العبث الإيراني بالدستور هو الفساد المستشري وغياب فصل حقيقي للسلطات. القضاء، الذي يفترض أن يكون سلطة مستقلة، تحول إلى أداة سياسية، كما رأينا في إعادة تفسير الكتلة الأكبر مرتين: مرة عام 2010 لصالح نوري المالكي الذي خسر الانتخابات، ومرة كمشروع عام 2026 يراد منه صالح محمد شياع السوداني الذي فاز بها .
9. خضوع السلطات لرئيس الوزراء
النظام البرلماني في العراق أفترض توازناً بين السلطات، لكن الممارسة السياسية جعلت رئيس الوزراء يتمتع بصلاحيات هائلة، خاصة بعد أن جمع منصب القائد العام للقوات المسلحة مع رئاسة السلطة التنفيذية. هذا التركيز الهائل للسلطة جعل أي طامع خارجي يستهدف شخص رئيس الوزراء وحده، بدلاً من استهداف مؤسسات الدولة.
على الرغم من الاطار قد قزم المنصب وجعله مدير عاما لكون شاغله ليست لديه كتلة سياسية في البرلمان!
10. لماذا لا يتم سن دستور جديد؟
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يتم تعديل الدستور أو سن دستور جديد؟ الجواب ببساطة هو أن القوى التي تستفيد من غموض الدستور وثغراته هي نفسها القوى التي تمسك بمقاليد السلطة. وكما يلاحظ ..هل يمكن تعديل الدستور من خلال نفس الآليات السياسية التي تدير البلاد اليوم، وهي في الأصل منقسمة على أمور غير دستورية منها التوافقات والمحاصصات والشخصيات؟ .
إيران تدرك جيداً أن بقاء نفوذها في العراق مرهون ببقاء الدستور الحالي بتفسيراته المطاطية ونصوصه القابلة للالتواء. لذلك، فهي تعمل بكل قوة على إفشال أي محاولة جادة لتعديل الدستور، وتدعم القوى السياسية العراقية الموالية لها للبقاء في موقع صناعة القرار والتفسير.
الدستور العراقي الذي كان يفترض أن يكون عقداً اجتماعياً جامعاً، تحول إلى وثيقة مسخ تُقرأ كل مرة بما يخدم مصالح إيران وأدواتها في العراق. وطالما بقي هذا العبث قائماً، سيبقى العراق أسير تناقضاته، رهينة في يد من لا يريدون له دولة ولا قانون.
وقد لعبت القوى الكردية دورا حاسما في اقرار هذا الدستور المسخ