رياض سعد
***مقدمة : وطنية التنازل الأحادي: حين تُختزل المواطنة في إنكار الذات
تعيش البنية الاجتماعية والسياسية في العراق مفارقة عميقة، تتجاوز الخلافات الظاهرة إلى أزمة وعي ومعايير. مفارقة قوامها أن جزءًا من شيعة العراق وجد نفسه، طوعًا أو تحت ضغط رمزي ومعنوي، في موقع الدفاع الدائم عن وطنيته، لا عبر الفعل أو التضحية، بل عبر التنازل المتكرر عن ذاته الثقافية والتاريخية.
نعم , تُظهر التجربة السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة اختلالًا بنيويًا عميقًا في تعريف الوطنية ومعاييرها، اختلالًا لم يعد عرضيًا أو ظرفيًا، بل تحوّل إلى نمط مستقر في الوعي العام والخطاب السياسي… ؛ ويتمثل هذا الخلل في تحميل مكوّن بعينه—وتحديدًا شيعة العراق—عبء إثبات الوطنية عبر مسار واحد لا يقبل التفاوض: مسار التنازل عن الذات.
في هذا السياق، لم تعد الوطنية مفهومًا جامعًا قائمًا على الاعتراف المتبادل، بل تحوّلت إلى اختبار غير متكافئ، يُطلب فيه من المواطن الشيعي أن يخلع رموزه، ويخفف من لغته، ويعتذر عن تاريخه، ويتبرأ من سردياته، بل أحيانًا من عاداته وتقاليده، فقط ليُمنح صكّ “الانتماء الوطني” في نظر الآخر والذي قد لا يمت بأية صلة للهوية العراقية العريقة ؛ نعم , في هذا السياق، لا يُطلب من الفرد الشيعي أن يكون وطنيًا بقدر ما يُطلب منه أن يكون منزوع الهوية؛ وأن يعيد صياغة تاريخه، وأن يُخفف من خطابه ، وأن يتبرأ من سردياته الجمعية، بل وأن يُخضع عاداته وتقاليده لمنطق الاعتذار الدائم، وكأن وجوده الثقافي ذاته موضع شبهة. الوطنية هنا لا تُفهم كعقد اجتماعي متكافئ، بل كآلية ضبط رمزي تُمارَس باتجاه واحد ؛ كما اسلفنا ….!!
نعم , المفارقة الأشد إيلامًا أن هذا التنازل لا يكون في مواجهة مشروع وطني جامع يجمع شتات مكونات رافدينية اصيلة ، بل غالبًا أمام فئات أو شخصيات سنّية، بعضها من المجنّسين أو من ذوي الجذور غير العراقية… ؛ ممن لم يخضعوا هم أنفسهم لأي مساءلة مماثلة بشأن انتمائهم أو سردياتهم أو ولاءاتهم العابرة للحدود… ؛ ومع ذلك، يُمنحون موقع الحكم والتعريف، بينما يُدفع الشيعي العراقي —وهو صاحب الامتداد الديمغرافي والتاريخي الأعمق—إلى موقع المتهم الدائم… ؛ ومع ذلك يُنظر إليهم بوصفهم “أوصياء” على تعريف الوطنية ومعاييرها…!!
فيتحول المواطن الشيعي، وهو ابن الأرض والتاريخ، إلى متهم دائم، مطالب بإثبات ما هو بديهي، بينما يُعفى الآخر من أي مراجعة مماثلة…!!
في المقابل، يُلاحظ تمسّك صلب و واضح من الطرف السني بأدواته الرمزية والإعلامية والسياسية وسردياته ورموزه الدينية والتاريخية – حتى وان كانت خارجية وغريبة عن الثقافة المحلية والهوية الوطنية – ، دون استعداد حقيقي لإخضاعها للنقد أو المراجعة، حتى عندما تكون هذه الأدوات مرتبطة بخطابات إقصائية أو بتاريخ من التبرير الضمني أو الصريح للعنف والتنظيمات المتطرفة والجرائم والمجازر البشعة … ؛ ومع ذلك، لا يُنظر إلى هذا التمسك بوصفه تهديدًا للوطن , ولا يطلب من هذا الطرف التنازل أو النقد الذاتي بالقدر نفسه ، بل يُعاد تأطيره كحق طبيعي أو تعبير عن “خصوصية” مشروعة ؛ وبوصفه“ثباتًا” و“أصالة وطنية ”…!!
وهنا تتجلى المفارقة الجوهرية:
الوطنية لا تُقاس بمعيار واحد، بل تُدار بميزان مختل، يطالب طرفًا بالتجرد الكامل من خصوصيته وهويته الجمعية، مقابل إعفاء الطرف الآخر من أي التزام مماثل بالمراجعة أو النقد الذاتي… ؛ بل إن بعض السرديات التي ساهمت موضوعيًا في إنتاج العنف أو شرعنته جرى تحييدها سياسيًا، فيما يُشيطَن أي تعبير شيعي عن هويته بوصفه خطرًا طائفيًا…!!
هذه الصيغة من “الوطنية” ليست سوى أداة أيديولوجية لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية، حيث يُكافأ التنازل غير المتكافئ، ويُدان التمسك بالذات، ويُعاد تعريف المواطنة بوصفها حالة من الذوبان القسري لا الشراكة المتوازنة… ؛ إنها وطنية تقوم على إنكار التعدد، وتفريغ الهوية من محتواها، وتحويل الاعتراف المتبادل إلى امتياز ممنوح لا حق أصيل.
إن الوطنية، بوصفها مفهومًا سياسيًا حديثًا، لا يمكن أن تُبنى على الإذعان، ولا على الامتحانات الانتقائية للولاء، ولا على مطالبة مكوّن كامل بالتنازل الدائم مقابل صمت الآخر… ؛ فالوطنية الحقة تفترض مساواة في النقد، وتوازنًا في التضحيات، واعترافًا صريحًا بأن التعدد ليس عيبًا ينبغي إخفاؤه، بل حقيقة ينبغي إدارتها بعدالة.
هذه ليست وطنية بالمعنى الحقيقي، بل صيغة مشوّهة منها، تُنتج وعيًا زائفًا، وتكافئ التنازل غير المتكافئ، وتعيد إنتاج الإقصاء بلغة ناعمة… ؛ وطنية لا تطلب الشراكة، بل تطلب الذوبان، ولا تبحث عن العدالة، بل عن خضوع رمزي دائم...؛ كما اسلفنا .
إن الوطنية الحقة لا تُبنى على إنكار الذات، ولا على إذلال الهوية، ولا على امتحانات الولاء الانتقائية… ؛ بل تُبنى على الاعتراف المتبادل، وعلى مساواة الجميع في النقد والمساءلة، وعلى فهم أن التعدد ليس تهديدًا، بل شرطًا أساسيًا لأي وطن قابل للحياة... .
*** ما بعد 2003: انقلاب الموازين ومأزق الوطنية الجديدة
مع سقوط النظام في عام 2003، انقلبت المعادلة السياسية بصورة جلية رأساً على عقب ؛ اذ انتقل الشيعة من موقع المهمَّش المُقصى إلى موقع القوة السياسية المهيمنة بحكم الوزن الديمغرافي والاغلبية السكانية … ؛ لكن هذه القوة الجديدة ولَّدت مأزقاً معقداً في تعريف الوطنية:
• من جهة: هناك رغبة شعبية ونخبوية شيعية لتصحيح الظلم التاريخي، وبناء دولة تعترف بهويتهم وتوازناتها الجديدة… ؛ وهذا يتطلب بالضرورة مراجعة الهوية الرسمية للدولة وثقافتها التي ظلت لقرون حكراً على الهوية السنية التي طالما اقترنت بالأجانب والغرباء والقوى الخارجية والاحتلالات باسم الخلافة العثمانية وغيرها .
• من جهة أخرى: واجه هذا المطلب رفضاً سنياً قاطعاً، اعتبر أي تغيير في هوية الدولة “اختطافاً للوطن” وتهميشاً للأقلية السنية، متجاهلاً حقيقة التهميش الطويل للأغلبية الشيعية… ؛ كما قاد هذا الرفض إلى حملة إرهابية طائفية مروعة ضد الشيعة، بدعم إقليمي ودولي .
في هذا المناخ، وُضِعَ الشيعي في ورطة إثبات الولاء… ؛ فلكي يُقنع شركائه في الوطن، وخاصة من النخب السنية التي اعتادت على موقع الهيمنة، بصدق وطنيته، أصبح يُطالَب بطمس معالم هويته العراقية الاصيلة والخاصة… ؛ اذ تحولت الوطنية لدى البعض إلى مساومة غير متكافئة: تنازل الشيعي عن رموزه مقابل اعتراف السني به كمواطن… ؛ وهنا بالضبط تكمن المفارقة الخبيثة، فالمطلوب من طرف التنازل عن ذاكرته وكينونته، بينما يمسك الطرف الآخر بكل أدوات خطابه وقوته؛ كما اسلفنا …!!
***تشظي الهوية: بين العالمية الشيعية والضغوط الوطنية
يواجه الفرد الشيعي العراقي إشكالية الهوية المركَّبة… ؛ فهو عراقي الجنسية، وعربي القومية، وشيعي المذهب… ؛ و في المفهوم الشيعي، لا يوجد تعارض بين هذه الانتماءات، فهي تتكامل لتشكل هوية غنية متعددة الطبقات… ؛ غير أن الخطاب الطائفي السائد، داخلياً وإقليمياً، يحاول تفجير هذه الهوية من داخلها، بطرحها وكأنها ولاءات متصارعة... .
اذ تُضخَّم مسألة الانتماء الديني العابر للحدود (كالولاء للمرجعية الدينية في النجف) لتُصوَّر على أنها تناقض مع الولاء للدولة العراقية… ؛ في حين أن هذا الانتماء هو روحي وثقافي في جوهره، شأنه شأن انتماء أي مسلم إلى الأمة الإسلامية… ؛ الا انه يُستخدم الان كذريعة لاتهام الشيعي بـ”التبعية” لإيران أو غيرها، بينما تُغضُّ الطرف عن الروابط القومية والدينية المماثلة لأبناء الطوائف الأخرى مع دول الجوار وغيرها .
في المقابل، يُفترض بالهوية السنية أن تكون معيار الوطنية الأصيل، دون مساءلة أو مراجعة لارتباطاتها الخارجية أو لرواية تاريخية تحتكر تمثيل “العروبة” و”الإسلام”… ؛ ان هذه المعاملة الاختزالية تدفع بعض النخب والشخصيات الشيعية إلى تبني خطاب تملُّقي، يتنصل من أي خصوصية ثقافية أو دينية، سعياً للحصول على “شهادة وطنية” من الطرف الآخر… ؛ إنه استلاب ثقافي مُرَضِي، يكرس دونية مزعومة ؛ كما اسلفنا .
***استشراف المستقبل: من وطنية المغفلين إلى دولة المواطنة
الخروج من هذا المأزق لا يكون باستمرار لعبة اللوم والاتهام أو باستسلام أحد الأطراف لشروط الطرف الآخر… ؛ فالحلول الجذرية تتطلب شجاعة تاريخية في مراجعة الأسس… ؛ وهنا تطرح الأدبيات السياسية خيارات عدة:
1. دولة المواطنة الكاملة: وهي الخيار الأمثل، حيث تكون المواطنة هي الهوية الجامعة، وتُحترم فيها التعدديات تحت سقف قانوني واحد… ؛ وهذا يتطلب نضجاً سياسياً وثقافة مدنية عالية، وتفكيكاً جذرياً لبنية الدولة الطائفية العميقة.
2. اللامركزية الإدارية الموسعة: وهي نموذج وسطي يمنح المناطق والمكونات صلاحيات ذاتية واسعة في إدارة شؤونها الثقافية والتعليمية، مع الاحتفاظ بدولة مركزية.
3. نظام الكانتونات أو الفيدرالية الصلبة: وهو خيار مرّ لكنه قد يكون واقعياً إذا فشلت الخيارات الأخرى، حيث يتجمع الشيعة والسنة في كيانات إدارية منفصلة إلى حد كبير، على غرار النموذج السويسري… ؛ و هذا الخيار محفوف بمخاطر التقسيم والضعف الدائم.
***الخلاصة
أن الاستمرار في منطق “الوطنية المزدوجة” – حيث على الشيعي أن يثبت ما لا يُثبته الآخر – هو وصفة لاستمرار التفكك الاجتماعي وعدم الاستقرار… ؛ و بناء وطن حقيقي يبدأ من الاعتراف المتبادل، ليس فقط بالوجود، بل بالحقوق المتساوية في التعبير عن الهوية وصنع سردية وطنية جامعة تتسع للجميع… ؛ اذ يجب أن تتوقف معادلة “التنازل مقابل القبول”، ويبدأ حوار جاد حول العقد الاجتماعي الجديد… ؛ فالوطنية ليست امتيازاً لفئة دون أخرى، ولا تثبت بتنكر المرء لجذوره، بل تثبت بالعمل المشترك من أجل عدالة تشاركية تحفظ كرامة وتاريخ جميع أبناء الوطن.