د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله تعالى “تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ” ﴿المعارج 4﴾ تعرج فعل، الْمَلَائِكَةُ: الْ اداة تعريف، مَلَائِكَةُ اسم، وَالرُّوحُ: وَ حرف عطف، ال اداة تعريف، رُّوحُ اسم. تعرُج الملائكة: تصْعَـدُ في تلك المعارج. تَعْرُجُ المَلائِكَةُ وَالرُّوحُ: تصعد الملائكة وجبريل. دعا داع من المشركين على نفسه وقومه بنزول العذاب عليهم، وهو واقع بهم يوم القيامة لا محالة، ليس له مانع يمنعه من الله ذي العلو والجلال، تصعد الملائكة وجبريل إليه تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سني الدنيا، وهو على المؤمن مثل صلاة مكتوبة. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ” (المعارج 4) “تعرج” بالتاء والياء “الملائكة والروح” جبريل “إليه” إلى مهبط أمره من السماء “في يوم” متعلق بمحذوف، أي يقع العذاب بهم في يوم القيامة “كان مقداره خمسين ألف سنة” بالنسبة إلى الكافر لما يلقى فيه من الشدائد، وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا كما جاء في الحديث.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ” ﴿المعارج 4﴾ المراد بالروح جبريل. وخصه سبحانه بالذكر مع انه من جملة الملائكة لعلو شأنه. وضمير إليه يعود إلى ما هو معلوم عند اللَّه والملائكة. والخمسون ألف سنة كناية عن طول المدة. وذكر الأستاذ أحمد أمين العراقي هذه الآية في كتابه “التكامل في الإسلام” واستخرج منها ان الملائكة يسيرون بسرعة تفوق سرعة الصوت. ذلك بأن سعة الكون لا حد لها ولا نهاية. ويكفي دليلا على هذه الحقيقة ان بعض النجوم قد أرسلت ضوءها إلى الأرض منذ ملايين السنين. ولم يصل بعد إليها مع العلم بأن الضوء يقطع 300000 ك م في الثانية. وعليه يستحيل ان يقطع الملائكة المسافات الشاسعة الواسعة إلا إذا كان سيرهم أسرع من سير الضوء أضعافا مضاعفة. وقلنا عند تفسير قوله تعالى: “ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ” – 17 الحاقة: ان هذا الموضوع وما إليه لا يثبت إلا بالنص الصريح الذي يفيد القطع والجزم. ولا يقبل التأويل بحال. وانه لوكان من باب الحلال والحرام لكان لظن الفقيه وجه إذا استند إلى ظاهر الكتاب أو السنة. وقال بعض الصوفية: ليس المراد بخمسين ألف سنة السنوات التي نعرفها. بل المراد الأطوار والأدوار. وقال صوفي آخر: ان أيام اللَّه هي كما يشاء. فإن شاء جعلها ألفا. وان شاء جعلها آلافا وملايين. وهذا غيب في غيب. ونحن غير مسؤولين عن علمه أمام اللَّه. وما كلفنا بالبحث عن كنهه إلا الشيطان.. قال الإمام علي عليه السلام: (وما كلفك الشيطان علمه مما ليس في الكتاب عليك فرضه ولا في سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة أثره فكل علمه إلى اللَّه سبحانه. فإن ذلك منتهى حق اللَّه عليك. واعلم ان الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب – الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب. فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما. وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفوا البحث عن كنهه رسوخا. فاقتصر على ذلك. ولا تقدّر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين).
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ” ﴿المعارج 4﴾ فله سبحانه معارج الملكوت ومقاماتها المترتبة علوا وشرفا التي تعرج فيها الملائكة والروح بحسب قربهم من الله وليست بمقامات وهمية اعتبارية. وقيل: المراد بالمعارج الدرجات التي يصعد فيها الاعتقاد الحق والعمل الصالح قال تعالى: ” إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ” (فاطر: 10). وقال: ” وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ” (الحج 37). وقيل: المراد به مقامات القرب التي يعرج إليها المؤمنون بالإيمان والعمل الصالح قال تعالى: “هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ” (آل عمران 163) وقال: “لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ” (الأنفال 4) وقال: “رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ” (غافر 15). والحق أن مآل الوجهين إلى الوجه الأول، والدرجات المذكورة حقيقية ليست بالوهمية الاعتبارية. قوله تعالى: “تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة” المراد بهذا اليوم يوم القيامة على ما يفيده سياق الآيات التالية. والمراد بكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة على ما ذكروا أنه بحيث لو وقع في الدنيا وانطبق على الزمان الجاري فيها كان مقداره من الزمان خمسين ألف سنة من سني الدنيا والمراد بعروج الملائكة والروح إليه يومئذ رجوعهم إليه تعالى عند رجوع الكل إليه فإن يوم القيامة يوم بروز سقوط الوسائط وتقطع الأسباب وارتفاع الروابط بينها وبين مسبباتها والملائكة وسائط موكلة على أمور العالم وحوادث الكون فإذا تقطعت الأسباب عن مسبباتها وزيل الله بينهم ورجع الكل إلى الله عز اسمه رجعوا إليه وعرجوا معارجهم فحفوا من حول عرش ربهم وصفوا قال تعالى: “وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ” (الزمر 75). وقال: “يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا” (النبأ 38). والظاهر أن المراد بالروح الروح الذي هومن أمره تعالى كما قال: ” قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي” (الإسراء 85) وهو غير الملائكة كما هو ظاهر قوله تعالى: “يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ” (النحل 2). فلا يعبأ بما قيل: إن المراد بالروح جبرئيل وإن أطلق عليه الروح الأمين وروح القدس في قوله: “نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ” (الشعراء 193-194) وقوله: “قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ” (النحل 102) فإن المقيد غير المطلق.
وردت كلمة الملائكة ومشتقاتها في القرآن الكريم: مَالِكِ لِلْمَلَائِكَةِ الْمَلَائِكَةِ وَمَلَائِكَتِهِ مُلْكِ الْمَلَكَيْنِ وَالْمَلَائِكَةِ مَلِكًا الْمُلْكُ بِالْمُلْكِ مُلْكَهُ مَلَكَتْ يَمْلِكُ مُلُوكًا أَمْلِكُ تَمْلِكَ مَلَكُوتَ مَلَكَيْنِ يَمْلِكُونَ بِالْمَلَائِكَةِ مَمْلُوكًا مَلَائِكَةٌ تَمْلِكُونَ بِمَلْكِنَا وَمُلْكٍ مَلَكْتُم تَمْلِكُهُمْ الْمُلُوكَ مَالِكُونَ يَا مَالِكُ مَلِيكٍ وَالْمَلَكُ وَمُلْكًا. جاء في معاني القرآن الكريم: ملك الملك: هو المتصرف بالأمر والنهي في الجمهور، وذلك يختص بسياسة الناطقين، ولهذا يقال: ملك الناس، ولا يقال: ملك الأشياء، وقوله: “ملك يوم الدين” (الفاتحة 3) فتقديره: الملك في يوم الدين، وذلك لقوله: “لمن الملك اليوم لله الواحد القهار” (غافر 16). والملك ضربان: ملك هو التملك والتولي، وملك هو القوة على ذلك، تولى أن لم يتول. فمن الأول قوله: “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها” (النمل 34)، ومن الثاني قوله: “إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا” (المائدة 20) فجعل النبوة مخصوصة والملك عاما، فإن معنى الملك ههنا هو القوة التي بها يترشح للسياسة، لا أنه جعلهم كلهم متولين للأمر، فذلك مناف للحكمة كما قيل: لا خير في كثرة الرؤساء. قال بعضهم: الملك اسم لكل من يملك السياسة؛ إما في نفسه وذلك بالتمكين من زمام قواه وصرفها عن هواها؛ وإما في غيره سواء تولى ذلك أو لم يتول على ما تقدم، وقوله: “فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما” (النساء 54).