الكردي الفارس الشهم الشجاع: لماذا يُسمّى بالخائن؟ وهل يليق هذا الاسم بتاريخ فارس؟
يحيى هركي – كاتب وصحفي – ألمانيا
المقدمة:
لم يولد الكردي خائنًا، بل وُلد فارسًا. وُلد وفي يده السلاح دفاعًا عن أرضه، وفي قلبه قضية، وعلى كتفيه تاريخ طويل من الصمود. ومع ذلك، وعلى امتداد عقود، لاحقه اتهام جاهز وقاسٍ: الخيانة. اتهام لم يأتِ من الأعداء وحدهم، بل تسرّب – بوعي أو دون وعي – إلى الداخل الكردي نفسه، حتى بات بعض الكرد يرددونه بحق بعضهم، وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.
الكردي قاتل في الصفوف الأولى حين تفرّق العالم، وواجه أخطر التنظيمات الإرهابية حين كانت دول كبرى تراقب من بعيد، وقدّم آلاف الشهداء دفاعًا عن الإنسانية قبل الجغرافيا. ومع ذلك، كلما اضطر إلى سياسة، أو مناورة، أو توازن قاسٍ فرضته الجغرافيا والتاريخ، سارع البعض إلى وصفه بالخيانة، وكأن السياسة حقٌّ على الجميع ومحظورة على الكرد وحدهم، وكأن البقاء جريمة، والنجاة عار.
في عالم السياسة الحديثة، لم تعد التسريبات عملًا بريئًا أو خطأ عابرًا. مكالمات الرؤساء، واللقاءات السرية، والقنوات الخلفية، حين تُسرَّب إلى الصحافة أو الإذاعات المرئية والمسموعة، لا تُسرَّب بهدف كشف الحقيقة، بل تُستخدم كسلاح ضغط وتدمير سياسي. الدول تفهم هذه اللعبة جيدًا، فتوظف التسريب أو تحتويه أو تحوّله إلى أداة قوة. أما الكرد، فكثيرًا ما يتحول التسريب عندهم إلى فتنة داخلية، وإلى وقود للتخوين والانقسام، وهنا تبدأ الهزيمة الصامتة.
المشكلة ليست في وجود التسريبات، بل في طريقة التعامل معها. خبر ناقص، أو تسجيل مجتزأ، أو معلومة بلا سياق، تتحول سريعًا إلى حكم قاطع، ثم إلى اتهام بالخيانة، ثم إلى صراع داخلي. وهكذا تصبح التسريبات واحدة من أخطر نقاط الضعف في الجسد الكردي، لا لأنها قوية بذاتها، بل لأننا نتلقفها بعاطفة مشتعلة بدل عقل بارد.
في إقليم كردستان، وبين الحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تحوّلت كثير من الأزمات السياسية أو الإدارية أو الاقتصادية إلى سيل من الاتهامات المتبادلة والتسريبات الإعلامية، وكأن كل مشكلة لا تفسير لها إلا الخيانة. وبدل البحث في القرار والإدارة والسياسة، يُدفع الشارع إلى لغة التخوين، فيضعف الإقليم، ويُنهك المجتمع، ويجد الخصوم فرصتهم الذهبية.
وما جرى في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مثال واضح وخطير. حادثة معقّدة في ساحة حرب مفتوحة، مليئة بالتداخلات العسكرية والسياسية، جرى اختزالها بسرعة في اتهام مباشر بالخيانة لقوات سوريا الديمقراطية، دون تحقيق كافٍ، ودون قراءة للسياق، ودون إدراك أن مثل هذه الأحكام السريعة لا تخدم إلا أعداء القضية الكردية.
الخلاصة:
الفارس لا يُهزم بالسلاح، بل يُهزم حين يبدأ بالشك في نفسه. والكردي لم يُهزم في الميدان، لكنه أُنهك بخطاب التخوين المتبادل، وبالتسريبات المسمومة، وبإعادة إنتاج رواية العدو بلسانه هو. الخيانة ليست رأيًا ولا اختلافًا سياسيًا، بل فعل واضح، أما التخوين السهل فهو خيانة للعقل، وللقضية، ولدماء الشهداء.
الكردي ليس خائنًا، الكردي فارس، لكن الفارس يحتاج وعيًا لا صراخًا، ووحدة لا تسريبات، وعقلًا متماسكًا وقلبًا شجاعًا. كفى لعبًا في ملعب الأعداء، وكفى تحويل كل خلاف إلى تهمة، وكل أزمة إلى خيانة. السؤال الصحيح ليس: من الخائن؟ بل: من سرّب؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد؟
هذه ليست دعوة للصمت، بل دعوة للوعي. وليست تبريرًا للأخطاء، بل رفضًا لتحويل كل خطأ إلى طعنة في الظهر. الكردي فارس، والفارس لا يُحاكم بالشائعات، بل بالتاريخ.
الكردي الفارس الشهم الشجاع: لماذا يُسمّى بالخائن؟ وهل يليق هذا الاسم بتاريخ فارس؟