بين الدولة القمعية الشمولية واقتصاد الخوف: قراءة في الواقع المادي لأبناء الاقلية السنية  بين عهد صدام وما بعده

رياض سعد

في البدء، لا بدّ من الإقرار بأنّ الدولة العراقية، منذ نشأتها الحديثة، لم تُبنَ على أسس المواطنة المتساوية، بل تأسست ضمن منظومة سياسية ضيّقة كرّست الامتيازات لفئات معيّنة على حساب بقية مكوّنات المجتمع. وقد انعكس ذلك في توزيع السلطة والثروة، حيث تركزت المناصب العليا ومفاصل القرار في أيدي نخبة محدودة، بينما بقيت شرائح واسعة من الشعب تعاني التهميش والإقصاء.

غير أنّ قراءة المشهد من زاوية واحدة تُفضي إلى نتائج مضلِّلة. فليس من الإنصاف اختزال مرحلة كاملة أو تحميل مسؤولية عقود من الفشل والفساد لمكوّن اجتماعي بعينه. فكما وُجدت طبقة سياسية مستفيدة ومتحكّمة، وُجد في المقابل ملايين المواطنين من مختلف الانتماءات، عاشوا الفقر والحرمان، ودفعوا أثمان الصراعات وسياسات الإقصاء.

نعم، مما لا شكّ في أنّ أبناء الأقلية السنية – البعض –  قد حلبوا الدولة العراقية منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة، واستفادوا استفادةً كبيرة من السلطات ذات الطابع الطائفي، إذ تبوّؤوا المناصب العليا، واستحوذوا على الأراضي الواسعة، واستغلّوا موارد الدولة.

إلا أننا هنا، وفي هذه المقالة، سنسلّط الأضواء على الجانب الآخر من الصورة؛ فليس كل أبناء الأقلية السنية قد أثروا، إذ إنّ الكثير منهم كان من متوسطي الحال ومحدودي الدخل… ؛  فضلًا عن ذلك، فإنّ الهدف من هذه المقالة هو إجراء مقارنة بين العهدين، إذ لا وجه للقياس أو المقارنة، فشتّان بين العهدين.

** إقطاع الدولة الحديثة: المجرم صدام وزبانيته وآلية احتكار السلطة والثروة ونظام الامتيازات الطبقية

في أيام حكم  المجرم صدام ، تحوّل العراق إلى نموذج صارخ لدولة الإقطاع الحديثة، حيث تتداخل فيها السلطة السياسية المطلقة مع هيمنة اقتصادية محكمة، تقوم على مبدأ مركزي: منع أي قوة أو فرد أو جماعة من منافسة العائلة الحاكمة وحاشيتها الضيقة في المال والجاه والنفوذ… ؛ اذ  لم يكن النظام مجرد دكتاتورية عسكرية تقليدية، بل كان آلة معقدة لإعادة توزيع الثروات الوطنية (النفطية تحديداً) لخدمة هدفين: تمويل آلة القمع والحروب، وشراء الولاءات ضمن هرم سلّم طبقية محسوبة بدقة، بينما يظل عموم الشعب، بما فيه القاعدة الاجتماعية السنية للنظام، محروماً من أي ثراء حقيقي، بل خاضعاً لرقابة “تحسب الأنفاس” وتحدد السقف المسموح به من العيش... ؛ نعم , قد يغض النظام الطرف احيانا عن الجرائم الاقتصادية او ذات الطابع المادي لأبناء الاقلية السنية والواقع مليء بالشواهد الدامغة .

**الاقتصاد.. نهب منظم وتركيع مقصود

• نهب الثروة الوطنية: تحولت أموال العراق النفطية إلى ملكية خاصة شبه كاملة للعائلة الحاكمة والحاشية المقربة … ؛ اذ تشير تقديرات محللين إلى أن صدام كان يسيطر على ثروة شخصية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات ؛ سُرقت من أموال الشعب عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية والعمولات على صفقات النفط… ؛  بل إنه، في ساعة سقوط النظام، استطاع سحب مليار دولار من البنك المركزي ببساطة بتوقيع على ورقة… ؛ اذ لم يكن هذا الفساد عشوائياً، بل كان أداة حكم لضمان الولاء المطلق.

• اقتصاد الحرب والإهدار: أُهدرت ثروة العراق في حروب عبثية وتدعيم للنفوذ الإقليمي… ؛ فقد كلفت الحرب مع إيران وحدها الاقتصاد العراقي ما يصل إلى أكثر من 500 مليار دولار، بينما حولت عقوبات غزو الكويت البلاد إلى فقر مدقع… ؛ و كانت المليارات تُصرَف على بناء عشرات المجمعات والقصور الرئاسية الفاخرة ؛ بينما عاش المواطنون تحت وطأة الحصار ونظام “البطاقة التموينية” المهين.

• احتكار الفرص: لم يُسمح بظهور أي طبقة رجال أعمال أو تجار مستقلين يمكن أن يشكلوا قوة منافسة… ؛ اذ كانت الدولة، عبر أذرعها الأمنية والتجارية، هي المالكة والمحتكرة والمُوزّعة الوحيدة للثروة… ؛  حتى من كانوا يُعتبرون “مقربين” من النظام لم يكونوا شركاء حقيقيين، بل كانوا وكلاء وموزعين على هامش الثروة الحقيقية، والتي ظلت حكراً على العوجة (مسقط رأس صدام) وأهل تكريت والعائلة المباشرة... ؛ وقد أعدمت السلطة التكريتية اكثر من عشرة الاف تاجر من ابناء الاغلبية العراقية منذ استلامهم السلطة وحتى سقوطهم كما جاء في احدى الشهادات …!!

**الاجتماع.. هرم طائفي طبقي محسوب بالوراثة

كان التقسيم الاجتماعي في ظل النظام أشبه بهرم إقطاعي مغلق:

• القمة: العائلة وابناء قرية العوجة … ؛ هم وحدهم من يملكون القصور والمزارع والبساتين  ، ويستنزفون المليارات في مشاريع شخصية، ويسيطرون على مفاصل الاقتصاد السوداء والعلنية.

• الطبقة الوسطى المُسيطَر عليها: المقربون جغرافياً (أهل تكريت والمناطق السنية المجاورة) وهم الذين يسيطرون على المؤسسة الأمنية والعسكرية… ؛ بينما كان يعيشون شظف العيش قبل مجيء البكر وصدام , فقد كان “خيرهم” – كما جاء في شهادة المجرمة رغد صدام – يطمح للحصول  على وظيفة حكومية  ( معلم ) … ؛ حتى ان رأس النظام العفن صدام نفسه كان فقيرا معدما يسرق الدجاج هو وامه ؛ وقد أدلى بهذه الشهادة التاريخية صديقه وابن منطقته الاعلامي ابراهيم الزبيدي … ؛ والكثير من ابناء الاقلية السنية كان غاية طموحهم  ارتداء “البدلة الزيتوني واقتناء المسدس ” وامتلاك سيارة “سوبر” أو “برازيلي” والسفر إلى الأردن براً… ؛ حتى شاع بينهم : ( لو ملازم لو ملازم ) و هذه الامتيازات كانت مقابل الولاء الكامل، وأي تهديد محتمل منها كان يُسحق فوراً.

نعم ,  البنية الاجتماعية التي اعتمد عليها النظام، فقد كانت هرمية واضحة: في القمة تأتي الدائرة العائلية الضيقة من أهل العوجة، الذين اعترفت رغد صدام نفسها بأنهم “لم يكونوا شيئاً” قبل وصول والدها إلى الحكم، وأن أفضلهم حالاً كان من يعمل معلماً كما اسلفنا .. ؛ يليهم أهل تكريت، الذين ظلّت مدينتهم حتى أواخر الحكم تضم مدارس طينية، في مشهد يعكس حجم الإهمال التنموي… ؛  ثم تتدرج السلسلة باتجاه الأبعد عن مركز القرار، حيث يتضاءل النفوذ وتختفي الامتيازات.

بكلمات أخرى: لم يكن سنّة العراق كتلة واحدة مرفّهة كما يُصوَّر اليوم… ؛  كانوا أصنافاً متعددة، يُقاس وضع كل فرد فيها بدرجة قربه من السلطة، لا بانتمائه المذهبي… ؛  وغالبية الناس كانت تعيش حياة عادية أو بائسة، لا سيما في سنوات الحصار… .

حتى مظاهر “الترف” داخل العائلة الحاكمة نفسها كانت محكومة ببخل السلطة وخوفها المزمن… ؛ اذ تُنقل شهادات طبية وإعلامية عن سلوكيات أبناء النظام، تكشف أن العلاقات كانت تُدار بعقلية الاستغلال الرخيص، وأن ما يُمنح في المقابل لا يتجاوز أشياء زهيدة القيمة، في تعبير فجّ عن انحطاط أخلاقي موازٍ للفقر العام… ؛ فقد قال الدكتور علاء البشير : (( كان عدي بخيلا وحارسا امينا لماله , فقد كان يعطي للفتاة علبة مكياج صينية لا يتجاوز سعرها 5 دولارات فقط ؛ مقابل اغتصابها او ممارسة الجنس معها …!!))

• القاعدة العريضة: عموم السنة والشيعة والأكراد… ؛  عانى الجميع من القمع والفقر، لكن آلية التوزيع اختلفت… ؛  بينما مورس القمع المباشر والتصفية ضد المعارضين السياسيين والشيعة في أحداث مثل مجزرة الدجيل، تم استيعاب قطاعات من السنة ضمن الهرم الطبقي السابق ذكره، ليس من منطلق الإنصاف، بل كأداة لضمان الاستقرار النسبي لقاعدة النظام، مع ضمان ألا يتجاوز نفوذهم أو ثراؤهم حدوداً معينة تهدد التفرد في القمة.

• نظام الامتيازات الرمزي: في عز الحصار، كان توزيع “صندوق تفاح” أو “بضعة سكائر جرود ” على أعضاء مجلس القيادة يُعتبر امتيازاً كبيراً… ؛  وهذا يوضح كيف كان النظام يرسخ التبعية حتى بأبخس الأثمان، ويجعل النخب نفسها متسولة لإرادته، فاقدة لأي استقلال مادي أو معنوي... ؛ تصور ان توزيع دجاجة ضمن فقرات البطاقة التموينية ولمرة واحدة طوال سنوات الحصار العجاف يعتبر مكرمة من مكرمات المشنوق النافق صدام …!!

**السياسة.. دولة القبيلة المسلّحة

• تذويب الدولة في شخص الحاكم: تحولت مؤسسات الدولة إلى أجهزة لخدمة بقاء النظام… ؛  فالجيش كانت وظيفته حماية النظام وقمع الداخل قبل الدفاع عن الحدود، والاقتصاد لتمويل هذا البقاء، والتعليم والإعلام لتمجيد مجهول الاصل صدام …!!

• أمننة الثروة: كان الفساد الاقتصادي مُداراً بأدوات أمنية… ؛ اذ لم يكن بالإمكان اكتساب ثروة خارج القنوات التي يرعاها ويراقبها الجهاز الأمني التابع لقصي وعدي وغيرهما من زبانية النظام المقربين … ؛  أي محاولة للتراكم المستقل خارج هذه الدائرة كانت تعتبر تحدياً أمنياً يعاقب عليه ليس بالضرورة قانونياً، بل جسدياً.

• خلق التبعية المطلقة: من خلال السيطرة على المال والوظيفة والأمن… ؛  نجح النظام في خلق مواطن تابع، لا يطمح إلا إلى البقاء ضمن حدود “المنطقة المسموح بها”… ؛ و كانت “البحبوحة” المزعومة التي يتحدث عنها بعضهم اليوم ليست إلا العيش دون تهديد بالسجن أو الإعدام أو المصادرة، مع حصة هامشية من كعكة كانوا يشاهدون عائلة واحدة تلتهمها أمام أعينهم ؛ وقد قال حميد الهايس في احدى لقاءاته : (( لا يظل البعض يدعي كذبا انه كان ابن خير , كلنه مبهذلين وبطرك لبس الزيتوني وخيرنا كان راكب برازيلي مسكربه وكاتله الفقر )) …!!

خلافاً لما يُروَّج اليوم، فإن عموم محافظات العراق، بما فيها ذات الغالبية السنية، كانت تعيش أوضاعاً خدمية متواضعة إلى حد كبير… ؛ اذ لم تكن أجهزة التكييف متوفرة حتى في كثير من المساجد، ولم تكن القصور والبساتين والأراضي الشاسعة من نصيب عامة الناس… ؛  بل إن النظام نفسه، ومعه الدائرة الضيقة المحيطة به، لم يكن يسمح لأي فرد أو عائلة بمنافسته في المال أو الجاه أو النفوذ كما اسلفنا .

وبعد عام 2003، تغيّر المشهد جذرياً… ؛ اذ انهارت الدولة الأمنية، وحلّت محلها منظومة سياسية ديمقراطية هشة، فتحت أبواب الثروة والنفوذ على مصراعيها أمام قوى وشخصيات سنية لم يكن يخطر لها سابقاً امتلاك جزء يسير مما تملكه اليوم… ؛  كثيرون من أبناء المحافظات السنية يعترفون صراحة بأنهم حصلوا في مرحلة ما بعد صدام — وخصوصاً خلال حكومات معينة — على أموال وفرص لم يكونوا يحلمون بخُمسها في العهد السابق.

ظهرت القصور، وتكاثرت السيارات الفارهة، وتضخمت الأرصدة المصرفية، سواء من المال العام أو من دعم خارجي… ؛ و تحوّل بعض من كانوا يعيشون على الهامش إلى شيوخ ووجهاء ورجال أعمال بين ليلة وضحاها… ؛  ومع ذلك، لا يزال الخطاب السياسي لدى بعضهم أسير فكرة “الإقصاء”، وكأن معيار المشاركة في الحكم ليس حجم المكاسب الفعلية، بل هوية رئيس الوزراء فقط...!!

في المقابل، تعاني الساحة الوطنية من خلل واضح في إدارة الخطاب العام؛ إذ ينشغل بعض الفاعلين السياسيين والإعلاميين بصراعات هامشية أو منصات التواصل، فيما تُترك الملفات الكبرى بلا دفاع حقيقي، ويُسلَّم المشهد لأصوات متكسبة لا تمتلك سوى عبارات مستهلكة.

الخلاصة أن المقارنة بين الأمس واليوم تكشف حقيقة أساسية: الكثير من سنّة العراق لم يكونوا طبقة مترفة في عهد صدام، بل كانوا — كغيرهم — أسرى دولة بوليسية تخنق المجتمع وتمنع تراكم الثروة خارج يد الحاكم… ؛  أما اليوم، فرغم كل الإخفاقات، فإن واقع الفرص والانفتاح الاقتصادي والسياسي مختلف جذرياً… .

إن الانتقال من خطاب الشكوى إلى مشروع الدولة هو التحدي الأكبر أمام الجميع.