الأخلاق المذهبية بين أتباع الإمام الصادق وأتباع ابن تيمية

علي المؤمن

• في جلسة عامة في الجزائر خلال العام 1999، وخلال ذروة نشاط الجماعات التكفيرية الوهابية فيها؛ سألني بعض المثقفين الجزائريين العلمانيين عن قضية يتصورونها إشكالية معقدة: ((لماذا أنتم الإسلاميون الشيعة مختلفون عن الآخر المذهبي المتدين أو السلفي اختلافاً في الجوهر والشكل، ونراكم منفتحين ثقافياً وفكرياً وسلوكياً ومذهبياً على الجميع، ولا تكفِّرون أحداً، بل متعاونون مع أهل السنة وداعمون لقضاياهم، رغم أن أغلبهم لا يتقبلكم بالأساس!!)).

قلت لهم: نعم؛ نحن نختلف، والسبب، بكل بساطة؛ إننا أتباع جعفر بن محمد الصادق وهم أتباع أحمد ابن تيمية. إمامنا الصادق يأمرنا أن نتعامل مع أهل السنة كإخوة في مجتمع واحد وأجزاء في أمة واحدة؛ بقوله: ((صلّوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، وإن استطعتم أن تكونوا الأئمة والمؤذنين فافعلوا؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، رحم الله جعفراً، ما كان أحسن ما يؤدب أصحابه، وإذا تركتم ذلك قالوا: هؤلاء الجعفرية، فعل الله بجعفر، ما كان أسوأ ما يؤدب أصحابه)). أما أحمد بن تيمية فإنه يحكم على الشيعة بالكفر ويستبيح دماءهم ويستحل أعراضهم وأموالهم، بل يستبيح دم كل من يخالفه في الرأي.

ولا يزال هذا الواقع الأخلاقي العقيدي قائماً؛ فنحن دائماً شركاء لإخواننا السنة في قضاياهم وأفراحهم وأحزانهم، بل نعد قضاياهم المصيرية قضايانا؛ فقد وقفنا معهم في ثوراتهم التحررية ومقاومتهم للعدوان، في الجزائر وليبيا وأفغانستان وفلسطين ومصر وسوريا وتركيا والسودان وإندونيسيا والهند وبورما والفليبين وكل البلدان التي يتواجدون فيها. ثم حمل الشيعة همّ فلسطين وقضيتها منذ العام 1979، وبذلوا من أجلها الأرواح والأموال والجهد على كل الصعد، ولولاهم لقضى الحكام العرب على قضية فلسطين، ولأصبحت في مهب التاريخ، ولباتت (إسرائيل) شقيقةً حاضرةً علناً في كل عاصمة عربية.

وبالتالي؛ هناك تباين جوهري، أخلاقي عقيدي، بين أتباع آل البيت في تضامنهم وتعاطفهم وتعاضدهم مع قضايا إخوانهم السنة، وبين الطائفيين الذين يشمتون بالشيعة في مصائبهم.

وفي السنة الماضية؛ بمجرد الإعلان عن اغتيال هنية ثم السنوار، ضجّت وسائل الإعلام الشيعية وحسابات الشيعة وصفحاتهم في التواصل الاجتماعي، شخصيات وأفراداً وجماعات ومؤسسات وحكومات، وهي تنعى وتعبر عن الحزن والشراكة في المصاب، والدعوة للثأر والانتقام من المعتدي، حتى تعتقد أنهم أصحاب العزاء. ثم يصلي على جثمان هنية مرجع الشيعة، ويقيمون له تشييعاً مليونياً لم يحدث لأية شخصية سنية في التاريخ، حتى في البلدان السنية. وانتقم الشيعة لمقتله عاجلاً، رغم أن هذا الانتقام كلفهم كثيراً من الأنفس والأموال والجهود والتداعيات. وهذه ليست بدعة في المشهد الشيعي، بل هو أصل وقاعدة وجوهر، لأن هذا المشهد يعود بتعاليمه إلى محمد وعلي والحسين وجعفر الصادق.

وفي المقابل؛ نرى الطائفيين في وسائل الصحافة والإعلام والتواصل الاجتماعي، يضجّون بالشماتة والسخرية بعد موت أو مقتل كل شخصية شيعية، منذ إعدام السيد محمد باقر الصدر ووفاة الإمام الخميني، وحتى مقتل السيد إبراهيم رئيسي واغتيال السيد حسن نصر الله. ففي كل مصاب كنا نتمنى أن يبادر شيخ أو جماعة أو مؤسسة أو حكومة إلى التعزية باستشهاد أحد شهداء الشيعة في العراق وإيران ولبنان وأفغانستان والبحرين والسعودية وباكستان وسوريا واليمن ومصر وغيرها، ولكن لا نحصد من انتظارنا سوى خيبة الأمل والألم والاستفزاز.

وفوق كل هذا؛ يرمون الشيعة بدائهم الطائفي المزمن، ويعملون بكل جهد على جر بعض الشيعة المنفعلين والبسطاء إلى الصراعات الطائفية وتبادل الشتائم والمهاترات، لأن انتشار عدوى الطائفية هدف استراتيجي للطائفيين.

هذه دعوة لكل شيعي بأن يبقى على الخط الذي رسمه له إمامه جعفر الصادق، ولا يصاب بداء الطائفية المزمن، ولا يتعلم من الطائفيين لغة العصبية الجاهلية والحقد والضغينة.