ضياء ابو معارج الدراجي
تأجيل الجلسة ليس دفاعًا عن الدستور، بل كشفٌ لعجز الكرد عن حسم استحقاقهم، بعد أن حسم الشيعة استحقاقهم بلا ضجيج.
والحقيقة التي لا يريد البعض قولها:
تعطيلٌ مقصود لا خلافٌ عابر: لماذا أُجِّلت جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بعد حسم رئاسة الوزراء للمالكي؟
لم يكن تأجيل جلسة مجلس النواب لاختيار رئيس الجمهورية حدثًا عابرًا ولا خللًا إجرائيًا، بل خطوة محسوبة بدقة جاءت مباشرة بعد الحسم الشيعي النهائي على تكليف نوري المالكي برئاسة الوزراء. فمنذ لحظة إغلاق البيت الشيعي على قرار واحد، انتقل الانسداد السياسي فورًا إلى الساحة الكردية، حيث انفجرت التناقضات المؤجلة، وظهرت حقيقة الخلاف بعيدًا عن المجاملات الإعلامية.
الحديث المتجدد عن ما يُسمّى بـ «اتفاق جلال طالباني» هو لإحياء عرف سياسي وُلد عام 2005 في ظروف استثنائية، ولم يُدوَّن في الدستور، لكنه حكم توزيع المناصب العليا بين القطبين الكرديين:
رئاسة الجمهورية في بغداد للاتحاد الوطني الكردستاني، مقابل رئاسة إقليم كردستان للحزب الديمقراطي.
هذا الاتفاق، الذي سُمّي «استراتيجيًا»، كان قائمًا على شخص جلال طالباني وثقله السياسي والتوافقي، لا على قاعدة دستورية أو انتخابية. ومع وفاة طالباني وتغيّر موازين القوى، تصر اربيل على نهاية صلاحية هذا العرف.
لماذا اشتعل الخلاف الآن تحديدًا؟
أولًا: سقوط الغطاء الشيعي عن الخلاف الكردي
طوال السنوات الماضية، كان الانقسام الشيعي يؤجّل الانفجار الكردي. اليوم، وبعد توحّد القرار الشيعي خلف المالكي، لم يعد هناك مجال للهروب أو التدوير. فإما اتفاق كردي واضح، أو شلل دستوري كامل.
ثانيًا: تآكل ما يُسمّى بالاتفاق الاستراتيجي
الحزب الديمقراطي الكردستاني يرى – وبصراحة غير مسبوقة – أن اتفاق 2005 انتهى بانتهاء ظروفه، ويستند إلى الشرعية الانتخابية بوصفه الكتلة الكردية الأكبر في البرلمان، معتبرًا أن من غير المنطقي أن يُقصى عن منصب سيادي بحجة عرفٍ تجاوزه الزمن.
ثالثًا: تمسّك الاتحاد الوطني بـ«الحق التاريخي»
في المقابل، يصرّ الاتحاد الوطني، بقيادة بافل طالباني، على أن رئاسة الجمهورية ليست منصبًا عاديًا، بل صمّام أمان داخل الإقليم وخارجه، وأن التخلي عنه يعني كسر توازن القوة مع أربيل، وفتح الباب أمام هيمنة الحزب الديمقراطي على القرار الكردي بالكامل.
رابعًا: عقدة المرشح الواحد… والرسائل السياسية
فشل الطرفان في تقديم مرشح توافقي يكشف عمق الأزمة.
الديمقراطي يطرح فؤاد حسين، مدعومًا بثقله الانتخابي وعلاقاته الخارجية،بينما يتمسك الاتحاد بمرشحه نزار آميدي، ليس لقوته البرلمانية، بل لكونه رسالة تحدٍّ سياسي مفادها: المنصب لنا مهما تغيّرت الأرقام.
خامسًا: المقايضات التي تُنكر علنًا وتُدار سرًا
رغم النفي الرسمي، فإن ملف رئاسة الجمهورية بات ورقة تفاوض على مناصب سيادية داخل الإقليم: رئاسة الحكومة، وزارة الداخلية، والأمن. تأجيل الجلسة هو جزء من هذا الابتزاز السياسي، لا أكثر.
لماذا أُجِّلت الجلسة فعلًا؟
لأن الذهاب إلى جلسة انتخاب رئيس الجمهورية من دون اتفاق كردي يعني أحد أمرين كلاهما خطير:
إما تمرير رئيس جمهورية بأصوات غير كردية، ما يُعدّ كسرًا سياسيًا للأكراد.
أو تكرار سيناريو 2018 و2022 بمرشحين اثنين، وفوضى دستورية مفتوحة.
الإطار التنسيقي، وبعد أن حسم ملف رئاسة الوزراء، رفض أن يكون شاهد زور على انفجار كردي داخل قبة البرلمان، فكان التأجيل خيارًا اضطراريًا لا مفرّ منه.
ما يُسمّى اليوم بـ «اتفاق جلال طالباني» لم يعد جسر عبور، بل تحوّل إلى ساحة صراع بين:
شرعية انتخابية يرفعها الحزب الديمقراطي،
وشرعية توافقية تاريخية يتشبث بها الاتحاد الوطني.
رئاسة الجمهورية لم تؤجَّل بسبب خلاف شكلي، بل لأن الاتفاق الشيعي أغلق كل منافذ المناورة، فارتدّ الضغط إلى خاصرة البيت الكردي المنقسمة.
ضياء ابو معارج الدراجي