د. فاضل حسن شريف
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (النور 35) ولشرح هذا المثال يجب الإلمام بعدة أُمور: (المشكاة) في الأصل تعني الكُوّة التي تخصص في الجدار لوضع المصابيح الزيتية فيها لحفظها من الرياح، وأحياناً تبنى في الجدار فتحة صغيرة، يغطى جانبها المشرف على ساحة الدار بالزجاج، لإضاءة داخل وخارج الغرفة كما تحفظ المصباح من الرياح. كما تطلق هذه الكلمة على وعاء (الفانوس القديم) يصنع من زجاج على شكل متوازي المستطيلات له باب وفتحة في أعلاه لخروج الهواء الساخن. وكانوا يضعون المصباح فيه. وباختصار نقول: إنّ المشكاة محفظة للمصباح من الرياح الشديدة، وغالباً ما يثبت في الجدار لتركيزِ الضوء وسهولة انعكاسِه. (الزجاجة) تطلق في الأساس على الأحجار الشفّافة، وسَمّيت الصفائح الشفافة بالزجاج لأنّها تصنع من مواد معدنية، والزجاجة هنا تعني الزجاجة التي توضع فوق المصباح لتحفظ شعلته، وتنظّم جريانَ الهواء، لتزيد من نور الشعلة. (المصباح) يتألف من وعاء للزيت وفتيل. عبارة “يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية” (النور 35) تشير إلى الطاقة التي تُجَهِّز هذا المصباحَ بوقود لا ينضب معينه. وزيت الزيتون من أجود الوقود المستعمل للمصابيح، ثمّ أن هذا الزيت يُحْصَلُ عليه من زيتون شجر يتعرّض للشمسِ من جميعِ جوانبه بشكل متساو، لا أن تكون الشجره في الجانب الشرقي مِنَ البستان وبجانب حائط يمنع وصول أشعة الشمس إليها، كما لا تكون في جهة الغرب ليتعرض جانب واحد منها على أشعة الشمس، فلا تنضج ثمرتها بصورة جيدة ولا يكون زيتها نقياً وصافياً. وبعد هذا الإيضاح يتبيّن أنّنا للإِستفادة من نور المصباح بإشعاع قويّ نحتاج إلى توفر أربعة أشياء.
ويستطرد الشيخ مكارم الشيرازي قائلا: (محفظة للمصباح) لا تقلل من نوره، بل تركز هذا النور وتعكسه و (زجاجة) تنظم جريان الهواء حول الشعلة، ويجب أن تكون شفّافة بدرجة لا تمنع تشعشع النور، و (مصباح) هو مصدر النور، وهو عبارة عن إناء فيه زيت وفي أعلاه الفتيل. وأخيراً (مادة الإحتراق) صافية خالصة شفّافة مستعدة للإِشتعال بدرجة يتصوَّر فيها الإِنسان إنّها سوف تشعل لوحدها دون أن يمسّها قبس من النار. كلّ هذه العبارات تكشف في الحقيقة عن ظاهر القضية. ومن جهةُ أُخرى أورد كبار المفسّرين تفاسير عديدة بشأن هذا التشبيه وأنّه ما هو (المشبّه) ومن أيّ نور إلهي يكون: قال البعض: المقصود هنا نور الهداية التي يجعله الله في قلوب المؤمنين، وبعبارة أُخرى: المقصود الإِيمان الذي استقرّ في قلوب المؤمنين. وقال آخرون: إنّ المشبّه يعني هنا القرآن الذي ينير قلوب الناس. وآخرون: إنّه اشارة إلى شخص النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم. وآخرون: إنَّه إشارة إلى أدلة التوحيد والعدل الإِلهي. وآخرون: إنّه روح الطاعةِ والتقوى التي هي أساسُ كلِّ خير وسعادة. وفي الحقيقة فإنّ هذهِ التفاسير قد أوردت كلّ ما جاء في القرآن والأحاديث الإسلامية بعنوان مصاديق للنور، وجوهرها واحد، وهو نور الهداية بذاته، ومصدره القرآن والوحي ووجود الأنبياء، وينهل من أدلة التوحيد، ونتيجته التسليم بحكم الله والتمسك بالتقوى. وتوضيح ذلك: إنّ نور الإيمان الموجود في قلوب المؤمنين يحتوي على العناصر الأربعة المتوفرة في المصباح المضيء، هي: (المصباح) وهو شعلة الإيمان في قلب المؤمن يضيء طريق الهداية. و(الزجاجة) هي قلب المؤمن ينظم الإيمان في ذاته ويحفظه من كل سوء. و(المشكاة) صدر المؤمن، أو بعبارة أُخرى: شخصيته بما فيها وعيه وعلمه وفكرهُ الذي يصون إيمانه من الأعاصير والأخطار. “شجرة مباركة زيتونة” (النور 35) هي الوحي الإِلهي الذي يكون بمنتهى الصفاء والطهارة وتوقد شعلة إيمان المؤمنين ـ في الحقيقة ـ من نورُ الله الذي ينير السموات والأرض وقد أشرق من قلوب المؤمنين، فأضاءَ وُجودَهم ونور وجوههم. فتراهم يمزجون الأدلَّة العقلائية بنور الوحي، فيكون مصداق (نور على نور). ولهذا ترى القلوب المستعدة لاستقبالِ النورِ الإِلهي تهتدي، وهي المقصودة بعبارة “يهدي الله لنوره من يشاء” (النور 35) وعلى هذا فإنَّ المحافظة على النور الإِلهي (نور الهداية والإِيمان) يستوجب توفر مجموعة من المعارف والعلوم والوعي والأخلاق وبناء الذات، من أجل أن تكون كالمشكاة تحفظ هذا المصباح.
كما تحتاج إلى قلب مستعد لينظَّمُ هذا النور الإِلهي كما تنظم الزجاجة شعلة المصباح. وتحتاج إلى مدد من الوحي، ليمنحها طاقة مثلما تمنحها الشجرة التي سمّاها القرآن بعبارة “شجرة مباركة زيتونة” (النور 35). وتجب المحافظة على نورِ الوحي من التلوث والميول المادية والإنحراف إلى الشرق أو الغرب الذي يؤدّي إلى التفسخ والإندثار. ولتعبيء قوى الإنسان بشكل سليم بعيداً عن كلّ فكر مستورد وانحراف، لتكون مصداقاً لـ “يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار”. وكلّ تفسير يتضمّن حكماً مسبقاً ويتضمّن ذوق المفسّر وعقيدته الخاصّة به، أو رغبةً يساريةً أو يمنيةً، أو خرافة يؤدي إلى تلويث سمعة هذه الشجرة المباركة، ويُقلل من تشعشع مصباحها. وأحياناً يُطفئه. هذا هو المثال الذي ذكره اللهُ لنورِهِ في هذه الآية، وهو الذي أحاط بكلّ شيء علماً. وممّا سلف يتّضح لنا أن ما ذكرته الرّوايات عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام بخصوص تفسير هذه الآية أنّ المشكاة هي قلب نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله وسلّم والمصباح نور العلم، والزجاجة وصية علي عليه السلام، والشجرة المباركة إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يرجع نسب بيت النبوّة إليه، وعبارة “لا شرقية ولا غربية” (النور 35) تعني نفي أيّ ميل إلى اليهودية والنصرانية فهو وجه آخر لنور الهداية والإيمان، ومصداق واضح لها، ولا يعني أنّ هذه الآية مختصة بهذا المصداق. كما أنّ ما ذهب إليه بعض المفسّرين من أنّ النور الإِلهي هو القرآن، أو الأدلة العقلائية، أو النّبي صلى الله عليه وآله وسلّم بذاته، له جذور مشتركة بالتّفسير أعلاه. وقد شاهدنا حتى الآن خصائص هذا النور الإِلهي، نور الهداية والإِيمان من خلال تشبيهه بمصباح قويّ الإضاءة. ويجب أن نعرف الآن أين موضع هذا المصباح، وشكل موضعه؟ ليتّضح لنا ما كان ضرورياً إيضاحه في هذا المجال. لهذا تقول الآية التالية: إنّ هذه المشكاة تقع “في بيوت أذن الله أن ترفع” لكي تكون في مأمن من الشياطين والاعداء والانتهازيين “ويذكر فيها اسمه” ويتلى فيها القرآن والحقائق الإلهية.