عندما نزل الملاك على سطح البيت

رياض سعد

في إحدى ليالي الشتاء القارسة، حين كان انقطاع التيار الكهربائي قدرًا يوميًّا لا مهرب منه، تحالف الظلام والبرد كما تتحالف الرياح العاتية على اقتلاع شجرة وحيدة في صحراء مترامية… ؛ كانت السماء واطئةً كأنها سقف من رصاص، وكانت الأزقة في بغداد تشبه شرايين متجمدة في جسد مدينة أنهكها النزف.
لم تكن العتمة تلك الليلة عتمة مصابيح فحسب، بل كانت عتمة أعوامٍ ثقيلة؛ عتمة حربٍ أكلت أبناءها، وحصارٍ طحن الأرواح كما تطحن الرحى سنابل القمح اليابسة… ؛ فمنذ عام 1991، والعراق يمشي على جمر الهزائم، يجرّ خلفه ذيول الدخان وخرائط الرماد… ؛ طريق العودة من الكويت سُمِّي يومًا «طريق الموت»، وكأن الأرض نفسها لفظت أبناءها ثم أطبقت عليهم بصمتٍ كئيب.
ثم جاءت الانتفاضة؛ صرخة شعبٍ جريح أراد أن يختبر صوته بعد طول صمت… ؛ لكن الصرخة حين ترتطم بجدارٍ من حديد، ترتدّ دمًا… ؛ فقد امتلأت البلاد بالمقابر الجماعية كما تمتلئ الصحارى بالسراب، وصارت الأمهات يحصين أبناءهنّ كما يُحصي التاجر خساراته في موسمٍ كاسد… ؛ و لم يكتفِ الطغيان بالحرب والحصار، بل فتح أبواب السجون على مصاريعها، وأوقد أفران الرعب، وجعل من الخوف طقسا دينًيا يوميًّا يُتلى في البيوت همسًا.
كان خالد واحدًا من أولئك الذين نجاهم الحذر ولم تنجهم الطمأنينة السذاجة … ؛ في تلك الليلة قرر خالد السفر الى محافظة واسط … ؛ ثم جلس في احدى الليالي فوق سطح بيت صديقه حميد في بدرة وجصّان، بعيدًا عن أعين الرقباء في بغداد… ؛ افترش بساطًا عتيقًا كأن خيوطه تحفظ أسرار من ناموا عليه قبله، وأشعل نارًا صغيرة بالحطب الذي جمعه نهارًا… ؛ كانت النار تتراقص كطفلةٍ شقية، تقاوم الريح، وتبعث في العتمة وهجًا خجولًا يشبه الأمل حين يولد في قلبٍ منكسر.
أصدقاؤه—سعد وحيدر وكريم—تفرّقوا بين سجنٍ ومصيرمجهول، وقيل إنهم ذاقوا في الرضوانية من ألوان العذاب ما تعجز اللغة عن حمله… ؛ أمّا صديقه محمد، فقد عبر الأهوار هاربًا نحو إيران، تاركًا خالد بين سؤالين: النجاة بأي ثمن؟ أم البقاء ولو كان الثمن الروح؟
كان الليل يزداد كثافة، والنجوم تبدو بعيدة كأنها لا تعترف بما يجري تحتها… ؛ أطرق خالد يفكر في الذين قُتلوا، وفي الذين هربوا، وفي الذين ينتظرون مصيرهم خلف أبوابٍ لا تُفتح إلا على وجع… ؛ شعر أن قلبه صار كمدينةٍ مهجورة، تعوي في شوارعها الريح الصرصر العاتية والذئاب …
وفجأةً، حدث ما لا يُقاس بمقاييس الواقع…
هبط من السماء كائنٌ نوراني، كأن قطعةً من الفجر انفصلت عن الأفق وسقطت على سطح البيت… ؛ لم يكن الهبوط صاخبًا، بل كان أشبه بانسكاب ضوءٍ صافٍ على صفحة ماء زلال … ؛ وقف هناك، فوق «البيتونة»، طويل القامة، ناصع البياض، كأن الثلج استعان بالشمس ليصير بشرًا… ؛ شعره الأشقر يتدلّى في جدائل حريرية على كتفيه ، وعيناه تشعّان ببريق أصيلٍ لا ينتمي إلى هذا العالم المثخن بالقبح والتشوه البصري …
ارتجف خالد، لا خوفًا، بل رهبةً من جمالٍ لم يألفه… ؛ أحسّ أن شيئًا في داخله انكسر، أو ربما التأم… ؛ تسلّل إلى قلبه دفءٌ يفوق دفء النار، وسكينةٌ أعمق من صمت الليل… ؛ و تلاشت الأشباح البعثية والشيطانية التي كانت تلاحقه وتوقظه ، وانزاحت عن صدره صخرةٌ من قلقٍ ثقيل…
قال الكائن بصوتٍ لا يُسمع بالأذن، بل يُدرك بالقلب:
«اعلم أن كل الحكومات زائلة، إلا حكومة الواحد الأحد؛ فهي الباقية ما بقي الدهر… ؛ وكل سلطانٍ قام بسببٍ، زال بسببٍ، إلا سلطان مُسبِّب الأسباب ، فإنه قائمٌ بلا سبب… ؛ فلا تخف، ولا تحزن، ولا تخشَ دركًا… ؛ أنت في حفظٍ لا يُدرك، وفي سترٍ لا يُخترق… ؛ ارجع إلى بيتك، واكتم الأمر… ؛ هذا الطاغية سيهلك كما يهلك الذباب على القمامة، وسترى من الأيام ما يُدهشك… »
كانت الكلمات تنزل على روح خالد كما ينزل المطر على أرضٍ عطشى… ؛ شعر أن الزمن توقّف، وأن التاريخ بكل صخبه صار هامشًا صغيرًا في كتابٍ كوني أعظم…
ثم ارتفع الكائن كما جاء، عائدًا إلى علوّه، مخلفًا وراءه نسيمًا عجيبًا، عطرًا لا يشبه روائح الأرض، كأن الجنّة مرّت من هنا ونسيت طرف وشاحها السندسي ومسكها الأذفر …
عاد خالد بعد أيام إلى بيته… ؛ و مضت السنوات ثقيلةً ثم خفيفة، وسقط النظام كما تسقط شجرةٌ نخرتها الديدان من الداخل… ؛ و تبدّلت الوجوه، وتغيّرت الشعارات، وامتلأت الشوارع بأصواتٍ جديدة…
أما خالد، فلم يمسّه سوء، كأن يدًا خفيةً كانت تذود عنه الأذى… ؛ لكنه—كما يفعل البشر—نسي…
نسي الرؤيا والملاك … ؛ نسي العطر، نسي الوهج الذي لفّ قلبه ذات ليلةٍ باردة… ؛ فقد انشغل بلقمة العيش، وبهموم الأيام، وبجدل السياسة، وبضجيج الحياة الجديدة… ؛ و صار يتحدث عن الماضي كما يتحدث الناس عن حكايةٍ قديمة، دون أن يدرك أنه كان يومًا بطلًا لأسطورةٍ شخصية…
غير أن شيئًا في أعماقه ظلّ يلمع، كجمرٍ تحت الرماد… ؛ كلما ضاقت به الدنيا، شعر بنسمةٍ خفيةٍ تمرّ بقلبه، فيهدأ… ؛ وكلما رأى ظلمًا جديدًا، تذكّر—دون أن يعرف لماذا—أن كل سلطانٍ إلى زوال… ؛ ربما لم ينسَ تمامًا…؟!
ربما كانت الذاكرة أعمق من الوعي، وأصدق من السرد… ؛ وربما كان الملاك وعده بلقاءٍ آخر في عالمٍ لا تُثقل فيه الأرواح بخرائط الطغاة ولا بحدود الدول…
وهكذا ظلّ خالد يمشي في الحياة كأيّ إنسانٍ عادي، لكنه—في سرّه الذي لا يعلمه إلا الله—كان يحمل ليلةً نزل فيها النور على سطح بيتٍ صغير، ليقول لقلبٍ مرتجف:
إن الظلام، مهما طال، ليس إلا استراحةً قصيرةً قبل أن يتكلم الفجر.