رياض سعد
في البدء كان الكائن نقياً، لم تلوثه المعرفة بعد … ؛ لم يكن في قلب إسماعيل غير بياضٍ يشبه قميص المدرسة في صباحه الأول …
فقد نشأ اسماعيل في بيتٍ تحرسه السيرة قبل الجدران، وتظلّله وصايا الآباء كما تظلّل النخلةُ تمورها في تموز …
كان يؤمن أن العالم مستقيمٌ ما دامت القيم مستقيمة، وأن الشرف شجرةٌ إن سُقيت بماء الحياء أثمرت يقيناً لا يسقط …
لكن المدينة لم تكن كما تخيّلها في دفاتره …
كانت بغداد، بليلها المثقل ورطوبة أنهارها، تشبه مرآةً مشروخة؛ كلُّ من ينظر فيها يرى نفسه مقطّعةً إلى شظايا …
هكذا فكر إسماعيل فيما مضى، قبل أن يكتشف أن النقاء نفسه هو أصل اللعنة… ؛ كان طفلاً حين ورث عن آبائه الهاشميين شريعة غير مكتوبة: الرجال كرامات تمشي على الأرض، والنساء أسرار يجب أن تدفن في البيوت، والعرض مرآة لا يبصق عليها أحد… ؛ نشأ في عالم مقفل على نفسه، كجوزة صلبة لا تعرف أن هناك عوالم أخرى تتفتح خارج قشرتها …
على الرغم من أنه نشأ منذ طفولته نشأة سليمة، خالية من المشاكل والعقد النفسية والاجتماعية، إلا أنه صُدم بالمجتمع فيما بعد … ؛ فقد رأى فيه مجتمعاً مريضاً مأزوماً، لا ينسجم مع قيمه ومبادئه التي اكتسبها من تربيته ومن جذوره الهاشمية الأصيلة …
كان السيد إسماعيل شريفاً نزيهاً شجاعاً، رغم صغر سنه. وما إن دخل مرحلة المراهقة حتى بدت تلك السمات واضحة في شخصيته المتقدة …؛ نعم , دخل اسماعيل المراهقة، تلك المنطقة الحدودية حيث يلتقي الداخل بالخارج، حيث تبدأ الأسئلة بالتسلل كالنمل إلى العقل النائم …
وفي أحد أحياء بغداد القديمة، في بيتٍ تلاصقت فيه الغرف كما تتلاصق الأسرار، بدأت الحكاية …؛ حيٍّ يتنفّس صخباً لا يشبه سكون بيتهم … ؛ شاءت الأقدار أن يتزوج الأخ الأكبر للسيد إسماعيل، وهو السيد فاضل، شابة من حي الفضل كانت زميلته في الكلية… ؛ وقد أنجب منها ثلاثة أطفال فيما بعد ؛ إلا أن نادية كانت تختلف اختلافاً جذرياً عن عائلة السيد عبد العظيم؛ فهي من وادٍ وهم من وادٍ آخر
كانت تمشي كما لو أنّ الهواء يعرفها، وتضحك كما لو أنّ الجدران صديقاتها …
ترى في الوقوف عند باب الدار فعلاً عادياً، ويراه إسماعيل شقّاً في جدار السمعة …
لم تكن المشكلة في الباب … ؛كان الباب مجرد خشب … ؛لكن إسماعيل كان يرى في الباب ثغرةً يدخل منها العالم كلّه … ؛كبر داخله شعورٌ غامض بأن شيئاً ينفلت من بين أصابعه … .
كانت تخرج إلى باب الدار بين الحين والآخر، وتنظر إلى المارة من الرجال والشباب، بحجة فتح الباب عندما يطرق، أو بذريعة مناداة الأطفال لتكليفهم بعمل ما… ؛ بينما كان السادة معروفين بعدم خروج امرأة منهم قط … ؛ وكذلك أغلب بيوت المنطقة لا تسمح للبنات والنساء بالوقوف أمام باب الدار، ولا بإخراج رؤوسهن من الباب الخارجي للنظر إلى الناس من دون حياء أو إطراق الرأس …
كان السادة، بما فيهم السيد إسماعيل، يرون أن خروج المرأة من باب الدار ونظرها إلى الرجال عار يمس بسمعة المرأة وأهلها… ؛ بينما كانت نادية ترى في ذلك سلوكاً طبيعياً لا علاقة له بالشرف والمكانة الاجتماعية… ؛ فنساء وبنات حي الفضل في بغداد كنّ يخرجن إلى الشوارع العامة، فصلاً عن الجلوس أمام بيوتهن، بل في بعض الأحيان كن يتلفظن بألفاظ خادشة للحياء وكلمات فاحشة عندما ينشب شجار بينهن بسبب الأطفال أو لأسباب أخرى… ؛ وأغلبهن كنّ سافرات، لا يرتدين الحجاب ولا النقاب الإسلامي ولا الشيلة الجنوبية ولا الفراتية … .
تشاجر إسماعيل مع نادية، فاشتكت لزوجها …
قالت:يا فاضل، إن أخاك الأصغر يتجاوز عليَّ، وهذا تجاوز عليك… ؛ فإن لم تردعه، سأترك البيت وأذهب إلى أهلي …
رد فاضل:سوف أؤدبه وأجعله لا يعود لمثلها أبدا
وجاء فاضل كثور هائج إلى أخيه إسماعيل، ولطمه على وجهه قائلاً:ألا تستحي من نفسك حين تتشاجر مع امرأة أخيك؟!
فرد إسماعيل بغضب وانفعال: الأولى أن تستحي هي من الخروج والوقوف بباب الدار… ؛ فقد أصبحنا حكاية تلوكها الألسن بسبب جمال زوجتك التي أضحت هدفاً للمارة… ؛ فبعض الشباب صار يتقصد المرور من بيتنا، لعله يشاهد زوجتك الفاتنة…!!
ولى فاضل غاضباً ورجع إلى نادية …
قال لها: احتشمي قليلا …
ردت: ما بك يا فاضل؟ لا تكن متخلفاً… ؛ لا يملأ عيني سواك، فلا تغار علي كما يفعل الهمج مع نساءهم …
سكت فاضل واقتنع بكلامها…
في حي الفضل، حيث ولدت نادية، كانت النساء يمشين في الشوارع بحرية، ويتحدثن مع الرجال بلا خوف، ويتبادلن النكات الجريئة، ويتشاجرن بألفاظ لا تليق بـ “بنات الناس” حسب تعبيرالعلوية أم إسماعيل… ؛ كانت نادية ابنة ذلك الحي، ابنة الشارع المفتوح، ابنة الأرصفة التي تعرف أقدام النساء كما تعرف أقدام الرجال …
وذات يوم، رأى نادية … ؛ لم يرها كامرأة أخيه، بل رآها كثقب في جدار بيته، نافذة غريبة تطل على عالم آخر لا يعرفه… ؛ كانت تقف على باب الدار، تنظر إلى المارة، والناس ينظرون إليها، والعالم يدور من حولها وهي واقفة كتمثال لا يخص أحداً… ؛ في تلك اللحظة، شعر إسماعيل بشيء غريب: بيته لم يعد حصناً منيعاً، بل صفيحاً مثقوباً تدخل منه الريح العاتية … ؛لم يكن يعرف بعد أن الريح ستصبح إعصارا مدمرا… .
المرأة التي لا تحتجب هي فكرة مكشوفة … ؛هكذا تعلم إسماعيل من آبائه، لكنه الآن يرى نادية مكشوفة أمام عينيه، أمام جيرانهم، أمام الشباب الذين صاروا يتقصدون المرور ببيتهم كأنه محطة قطار… ؛ كانت تبتسم لهم أحياناً، وتحدثهم أحياناً بحجة السلام على الجيران ، وتمنحهم من وقتها ما لا تمنحه لبيتها بذريعة المجاملة العامة … ؛ وفي المساء، كان فاضل يعود من عمله فيجد امرأته سعيدة، ويجد أخاه الصغير يحدق به كمن يرى شيئاً لا يراه هو … ؛ كان فاضل أعمى بطيبته … ؛ كان فاضل -كمعظم الرجال السذج – يصدق أن الحب يكفي،و أن امرأته لا ترى غيره، وأن الإيمان بالشريك يحصن العلاقة من كل شر… ؛ كان مسكيناً ككل من يظن أن النوايا الطيبة تحمي من الوحل … ؛أما إسماعيل، فكان يرى ؛ والرؤية لعنة …!!
عندما تزوجت فاضل، ظنت أنها انتقلت إلى عالم آخر، عالم مغلق كالقبر. كان بيت السادة هادئاً كالمقبرة، لا صوت فيه لامرأة، لا حركة في أبوابه، لا حياة … ؛ربما لهذا كانت تخرج إلى باب الدار … ؛ربما كانت تحاول التنفس .
وفي إحدى المرات، وبينما كان السيد إسماعيل عائداً من الثانوية، إذ به يرى جاره الشاب محمد وهو يؤشر بيديه إلى زوجة أخيه نادية، التي كانت كعادتها واقفة بباب الدار بحجة مناداة الأطفال، وكانت تنظر إلى جهة محمد وتبتسم له ابتسامة خفية لا يعرفها إلا من خبر هذه القصص… ؛ وعندما رأى محمد إسماعيل، أدار وجهه عنها مكرهاً وكأن شيئاً لم يكن… ؛ ودخلت نادية إلى الدار فوراً .
ربما كانت تحاول أن تتذكر أنها لا تزال امرأة، لا تزال حية، لا تزال موجودة … وهكذا، حين رأت محمد يشير إليها من بعيد، رأت فيه الحياة التي تركتها خلفها، رأت فيه حي الفضل الذي هجرته , وتذكرت عشيق الصبا جارها نذير الوسيم ، رأت فيه نفسها قبل أن تصبح زوجة سيد محترم … ؛كان محمد نافذتها الأخيرة على عالم كانت تظن أنها فقدته إلى الأبد…
نصفٌ يريد أن ينسى،ونصفٌ يريد أن يعاقب. : ومن تلك اللحظة، انقسم قلبه نصفين
في الليل، حين نامت البيوت، كان إسماعيل يسهر مع ظلاله … ؛وأضمر إسماعيل ما رأى في نفسه، وجعل من محمد هدفاً وثأراً يجب الأخذ به… ؛ ومن هنا بدأت سلسلة العداوات للسيد إسماعيل …
كان يتخيّل الشرف طائراً أبيض يحوم فوق السطح، وكلّ ابتسامةٍ سهمٌ أسود يصيبه
وذات ليلةٍ باردة، قرّر أن ينتقم من الطائر لا من السهم … ؛وبعد التخطيط، قرر إسماعيل القفز إلى بيت جارهم محمد وتسميم طيوره …؛ إذ كان محمد مطيرجياً ويمتلك طيوراً غالية الثمن… ؛ وقف إسماعيل تحت سماء شتوية ملبدة بالغيوم، ينثر حبات القمح المسمومة كمن يزرع الموت… ؛ كان الحمام نائماً في برجه، غافلاً عن أن الطعام الذي سيأكله عند الفجر سيكون آخر وجبة في حياته… ؛لم يكن إسماعيل يكره الحمام … ؛ بل كان يكرمه بطريقة غريبة: الحمام طيور نادية أيضاً، طيور ترفرف في السماء ولا تحتجب، طيور تنظر إلى كل الجهات ولا تخاف الفضيحة… ؛ كان يقتل الحمام لأنه لا يستطيع قتل من يملكها …!!
وبعد أن نثر إسماعيل الحنطة المسمومة في برج الطيور عند منتصف الليل، رجع إلى بيته… ؛ وما إن أصبح الصباح حتى ارتفع صراخ محمد في الأرجاء، يهدد ويتوعد من قام بهذا العمل، ويتلفظ بأفحش الألفاظ، فقد نفقت جميع طيوره البالغة ستة وخمسين طيراً…؛ نعم ,ستةٌ وخمسون طائراً سقطت دفعةً واحدة ؛أما إسماعيل، فسقط أول مرةٍ من داخله ,لكنه لم يعترف .
جن جنون محمد، إلا أنه لم يشك في السيد إسماعيل، فقد كان متديناً مسالماً وبعيداً كل البعد عن عالم الطيور… ؛ فقد ساوره الشك بمجموعة من المطيرجية من أبناء المنطقة … ؛ وقف إسماعيل بين المتفرجين يتفرس في وجه الجاني المحتمل، وهو يعرف أنه الجاني، ويعرف أن لا أحد سيعرف … ؛ كانت أول مرة يذوق فيها طعم القتل بالوكالة ؛ لذة لا توصف .
وفي أحد الأيام، وبينما كان محمد على السطح كعادته أمام برج الحمام، رأى نادية على السطح تنشر الغسيل، فسلم عليها، فردت السلام مع تبادل الابتسامات، ثم نزلت مسرعة … ؛ وهكذا استمر الحال… ؛ وفي أحد الأيام، وبينما كان الاثنان على السطح، قدم محمد هدية إلى نادية، وهي محبس من ذهب غالي الثمن، فقبلت الهدية… ؛ وتوطدت العلاقة بينهما… ؛ و كانت نادية تنتظر خروج زوجها فاضل إلى العمل، وخروج بقية أخوته بما فيهم السيد إسماعيل إلى المدارس، وذهاب عمتها إلى السوق… ؛ عندها، وعندما يخلو البيت، تصعد إلى السطح الساعة العاشرة صباحاً بحجة نشر الغسيل… ؛ وفي أحد الأيام حدث ما لا يمكن إصلاحه، اذ قفز محمد إلى سطح السادة وراود نادية عن نفسها، ثم قبلها قبلاً حارة… ؛ بعدها، أحضرت نادية فراشاً إلى السطح، ومارسا الجنس معاً في وضح النهار… ؛ ولم يكتف محمد بمرة ولا مرتين، فقد نكحها أربع مرات متتالية… ؛ وبعد الانتهاء، هرولت نادية إلى داخل البيت ودخلت الحمام لتخفي آثار الجريمة …؛ ثم اعتاد محمد القفز كالقطط بين السطوح بين الحين والاخر ، ونادية تنتظره بفراش مطوي تحت ذراعها كالعادة … ؛وبعد كل مرة، كانت نادية تنزل مسرعة إلى الحمام، تغسل جسدها من آثار الخطيئة، ثم ترتدي ثياب الطهارة وتستقبل زوجها عند المساء كأن شيئاً لم يكن … ؛كانت تمارس الانفصام كفن … .
ما حدث هناك لم يكن جنساً فقط، بل كان احتفالاً بالتحرر من كل شيء: من البيت، من العائلة، من الشريعة، من إسماعيل نفسه الذي كان في المدرسة يتعلم قواعد اللغة العربية ولا يدري أن امرأة أخيه تتعلم لغة أخرى على سطح بيته …
الشك نار تأكل العقل من الداخل …
بدأ إسماعيل يشم رائحة غريبة في البيت، رائحة لا تشبه رائحة العائلة… ؛ ثم لاحظ تغير حركات الأطفال، وطريقة أكلهم، و ضحكاتهم المفاجئة… ؛ ثم لاحظ غضب نادية السريع، وهدوئها الغريب، وابتساماتها التي لم تكن موجهة لأحد في البيت …
كان يراقبها كمن يقرأ رواية بوليسية، كل صفحة تكشف جريمة جديدة، وكل جريمة تؤكد أن البطل الذي يبحث عن الحقيقة هو نفسه الضحية … ؛ولم يكن يعرف بعد أن الرواية ستنتهي به قاتلاً …!!
وصار محمد يعطي النقود لأطفال نادية… ؛ وفي إحدى المرات، رأى السيد إسماعيل محمداً وهو يعطي النقود للأطفال، فذهب إليه غاضباً: “من قال لك أن تعطي أطفالنا نقوداً؟ فلسنا محتاجين لأحد! وماذا تقصد من وراء ذلك؟”
رد محمد:سيدنا، حق الجار على الجار، وأطفالكم أعاملهم معاملة أطفالنا، فنحن أهل وجيران …
رد إسماعيل: “لا تكرر هذا الأمر مرة أخرى، وإلا سوف تندم، وقد أعذر من أنذر…
تشاجرت نادية مع زوجها فاضل وذهبت زعلانة إلى بيت أهلها في منطقة الفضل… ؛ وهناك كان بانتظارها عشيق الصبا نذير، راودها عن نفسها فأطاعته،ذهبت معه إلى شقة باب المعظم، تلك الشقة التي كانت مختبراً للخطيئة: فيها يشرب الرجال الخمر، ويلعبون القمار، ويمارسون الدعارة كأنها مهنة كباقي المهن… ؛ وفي تلك الغرفة، على سرير يعرف مئات الأجساد، عادت نادية إلى نذير، إلى الماضي، إلى نفسها القديمة … ؛ حيث مارس نذير الجنس معها مرتين … ؛ وقد عرف بعض شباب المنطقة بالأمر وشاعت القصة بين اصدقاء نذير … ؛كان نذير ذاكرة الجسد، أول من فتح لها باب الملذات، أول من جعلها تعرف أن الجنس ليس واجباً زوجياً بل لذة يمكن أن تطلب وتنتظر وتتذكر مرابع الصبا … ؛ عندما هربت إلى بيت أهلها بعد مشاجرة مع فاضل، كان نذير في انتظارها كالقدر المحتوم ؛وصدق من انشد قائلا : ما الحب إلا للحبيب الأول … .
وكان للسيد إسماعيل صديق وفي في حي الكفاح بالقرب من الفضل، فطلب منه أن يسأل عن امرأة اسمها نادية بنت فضولي، ولم يخبره بأنها زوجة أخيه… ؛ وبعد ثلاثة أيام، التقى السيد إسماعيل بصديقه فراس الكردي … .
قال فراس:هذه المرأة لها علاقة بالشاب نذير بن منيرة الحفافة، وهو يمارس الجنس معها منذ كانت صبية، وقبل أن تتزوج رجلاً سيداً من منطقة العبيدي…
هنا صُعق إسماعيل وكأنه رُمي من علٍ في واد سحيق …
وقال لفراس:أنت متأكد مما تقول؟
فرد فراس:هل تريد أن أثبت لك ذلك؟ تعالَ وسأخبرك متى يأخذها نذير إلى شقته الكائنة في باب المعظم …
فرد إسماعيل:لا داعي لذلك
فرد فراس:لماذا تسأل عن نادية؟ ما علاقتك بها ؟
رد إسماعيل:مجرد إعجاب بها .
قهقه فراس:نعم، إنها جميلة تستحق التعب .
صار السيد إسماعيل يذهب إلى حي الفضل ويراقب من بعيد وهو متنكر، يرتدي قبعة ونظارات لئلا يتعرف عليه أحد… ؛ وقد شاهد نذير ونادية في أحد الأيام، وتابعهما فإذا بهما يذهبان إلى شقة في باب المعظم، في إحدى العمارات التي توجد فيها شقق لشرب الخمر ولعب القمار وممارسة الدعارة …
وبعد أن تأكد ورأى بعينيه خيانة نادية، قرر أن يكون نذير الهدف الثاني في سلسلة الأعداء الذين يجب أخذ الثأر منهم… ؛ فراقب نذيراً مراقبة شديدة، وكذلك راقب العمارة والشقة… ؛ وفي إحدى الليالي المظلمة، وبينما كان الشارع يخلو من المارة عند منتصف الليل، خرج نذير وهو سكران حد الثمالة، يترنح في مشيته لا يميز شيئاً… ؛ و في هذه الأثناء، انقض عليه إسماعيل انقضاض الذئب على الفريسة، فضربه بالسكين ثلاث ضربات في خاصرته، فسقط نذير أرضاً وهو ينزف، وولى إسماعيل هارباً …
عندما علم إسماعيل بخيانة نادية مع نذير، لم يعد يغضب كإنسان، بل كفكرة… ؛الفكرة المجردة التي تكتشف أن الواقع يخونها … ؛ كان قد بنى حياته كلها على مبدأ: المرأة إما طاهرة أو عاهرة. لم يكن في قاموسه مساحات رمادية، لا تدرجات، لا حالات وسطى… ؛ وعندما اكتشف أن نادية ليست طاهرة، انتقلت في عقله مباشرة إلى خانة العاهرات، ومن هناك إلى خانة (يجب أن تموت) لكن الموت لم يكن حلا سهلاً …
كانت نادية تأكل مع الجميع، لا تنفرد بطعام، لا تشرب وحدها. حاول تسميمها ففشل… ؛ حاول دفعها إلى الانتحار معنوياً فلم تبالِ. حاول أن يجعل أخاه يطلقها فلم يستطع … ؛ كانت نادية أقوى منه بطريقتها … ؛كانت تفلت منه كل مرة، كالماء بين الأصابع …!!
بعد ثلاثة اشهر ، رجعت نادية إلى بيت السادة… ؛ لم يذهب بعدها إسماعيل إلى تلك المنطقة، ولم يسأل عن مصير نذير كي لا يثير الشكوك حوله، فهو يعلم علم اليقين أن الناس تعرف المجرم بسهولة من خلال أسئلته ودورانه حول مكان الجريمة… ؛ لذا قرر الاختفاء وعدم تتبع الأمر، وكأنه اكتفى بهذه الطعنات الثلاث …
صار السيد إسماعيل ينظر إلى نادية شزراً وكأنه يريد شرب دمها… ؛ إلا أن مراعاته لمشاعر أخيه وحسابه لحال أبناء أخيه كانا يجعله يتراجع عن الإقدام على أي فعل طائش قد لا تحمد عواقبه… ؛ فهو يضع نصب عينيه سمعته وسمعة أهله…
وتذكر نصيحة أحد الشيوخ الذي نصح شاباً أراد قتل أخته التي رآها تمارس الجنس مع شخص غريب، ثم تردد فذهب إلى أحد شيوخ الدين يسأله عن ذلك… ؛ فرد الشيخ عليه قائلاً: “الكثير منا يمارس الزنا، نساءً ورجالاً، لكن المفضوحين منا بهذا العمل قليل جداً، والذين قتلوا بسبب هذه الفعلة أقل بكثير… ؛ إلا أن الذين قتلوا بسبب فعل الزنا صاروا عاراً تعير به الأجيال، وحكاية على كل لسان، وكأن الآخرين لم يمارسوا الزنا طوال حياتهم سوى هذه المسكينة المقتولة أو ذلك الشاب المقتول… ؛ وعليه، لا تفضح نفسك بيدك، فلو قتلتها ستصبح أسطورة للأولين والآخرين، وتعير بها أنت وابنك وحفيدك… ؛ بينما لو سترتها، قد لا يعلم بالأمر سواك وهي والغريب فقط… ؛ فلا تتهور فتصبح حكاية على الألسن، وعندها حتى الزاني والزانية بل والمشهورة بالزنا يعيّرونك بأختك؟!
كل هذه الأفكار كانت تجوب عقل إسماعيل وتعتلج في صدره، حتى قرر محاولة سترها، إلا أنه حاول مراراً وتكراراً أن يدبر أمراً سريا ، لكنه فشل في ذلك … .
دخل إسماعيل في إحدى المرات إلى بيتهم، فقد رجع من الدوام مبكراً على غير عادته… ؛ وبينما دخل، إذا به يرى زوج أخته قحطان عندهم، يجلس بالقرب من نادية بوضع مريب… ؛ فما إن رآه حتى ارتبك قحطان، وهي كذلك، انتابهما القلق والاضطراب …
فقال له إسماعيل: أين أختي خديجة؟ لماذا جئت وحدك ؟!
فقال:جئت لأطمئن على عمتي أمك، فقد قيل لي إنها مريضة
صار إسماعيل يشك بالجميع بسبب نادية … ؛وشاءت الأقدار أن تموت أم السيد إسماعيل وتلتحق بالملا الأعلى، فهي امرأة كبيرة بالسن ومريضة… ؛ وبعد انتهاء مراسيم العزاء ومرور أربعين يوماً على وفاتها، قرر فاضل أن تقوم زوجته نادية بالتسوق من السوق بدلاً عن أمه المرحومة …
ثم جاء القصاب حسوني :
بدأت نادية بالذهاب إلى السوق، وصارت تتأخر هناك بحجة التسوق… ؛ وفي أحد الأيام، وبينما إسماعيل في السوق، جاءت زوجة أخيه وذهبت إلى القصاب الشاب المدعو حسوني، وتبادلا التحايا وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن طويل … ؛ فسأل إسماعيل أحدهم عن علاقة القصاب حسوني بتلك المرأة، فرد عليه وبلا اكتراث: إنه ينكحها مقابل أن يعطيها كيلو لحم مجاناً… !!
حسوني كان مختلفاً عن محمد ونذير… ؛ لم يكن عاشقاً، ولا حبيب صبا، ولا جاراً وسيماً… ؛ كان شابا قوياً رياضيا ، قصاباً في السوق، يبادل اللحم بالجنس كأي سلعة تجارية… ؛ معه، وصلت نادية إلى أخفض نقطة في هبوطها، أو ربما إلى أعلى نقطة في تحررها، حسب الزاوية التي تنظر منها … ؛كيلو لحم مجاناً مقابل جسدها …!!
انتظر إسماعيل، فرأى نادية تذهب لتتبضع من دكاكين السوق، ثم رجعت أخيراً إلى القصاب حسوني، فأشار إليها وتبعته اتباع الفصيل أثر أمه، ودخلت معه إلى إحدى المحلات… ؛ وبعد أن دخلا، أغلق حسوني باب المحل… ؛ وبعد عشرين دقيقة، خرجت نادية وقد احمرت وجنتاها … ؛ تطرق ببصرها إلى الأرض وتمشي بخطوات متثاقلة … ؛ بينما خرج وراءها حسوني وهو منتشٍ ويمشي بزهو كالطاووس، وذهب كل منهما إلى حاله …!!
هنا دخل حسوني إلى قائمة التصفيات والثأر… ؛ فقد جمع إسماعيل معلومات كاملة عنه… ؛ وفي إحدى الليالي، وبينما كان حارس السوق نائماً، قام إسماعيل بجلب قناتي بنزين وسكبها على محلات حسوني، وأشعل النار فيها حتى غدت كالعصف المأكول، وأضحت أثراً بعد عين …
أحرق محل حسوني في تلك الليلة، ورآه يحترق كجسد نادية الذي تخيله يحترق في نار جهنم …
وهكذا استمرت العملية، حتى أحصى السيد إسماعيل عدد الزناة بعشرين شخصاً… .
لم يكن يرى في الرجال الذين اقتربوا من نادية سوى ذئاب …
لم يسأل نفسه: من فتح الباب أولاً؟
الذئب… أم الرغبة؟
عندها تعب من المطاردة وأخذ الثأر؛ تعب من المتابعة ، من السكاكين، من رائحة البنزين، من العيون التي يشكّ فيها حتى وإن كانت بريئة، وعلم أن الخلل فيه لا في الزناة، وأن الغلط محصور بزوجة أخيه نادية، ولا علاقة للشباب بالأمر، إذ لم يغتصب أحدهم نادية ولم يجبرها على السفاح أبداً … ؛واكتشف متأخراً أن معركته لم تكن مع الرجال… بل مع صورةٍ صنعها في رأسه عن الشرف، ثم وضعها فوق أعناق الناس كحدّ السيف … ؛ وعندما نظر إلى صور ضحاياه، وجدهم أنبل من العاهرة نادية بكثير …!!
كانوا شباباً عاديين، بعضهم وسيم، بعضهم قبيح، بعضهم غني، بعضهم فقير… ؛ كانوا بشراً يخطئون ويذنبون ويطلبون المتعة حيث يجدونها… ؛ كانوا أنذالاً بموازينه، لكنهم لم يكونوا مغتصبين …
الآن، بعضهم مات، وبعضهم شرد، وبعضهم فقد تجارته وبيته وسمعته , وبعضهم تأذى ماديا … ؛وكل ذلك لأن امرأة واحدة قررت أن تفتح ساقيها لمن تشاء … .
فجأة، سأل نفسه السؤال الذي لم يسأله من قبل … ؛لماذا هي المذنبة وحدها؟!
كانوا مجرد رجال استجابوا لنداء امرأة، امرأة واحدة، امرأة كانت تبحث عن نفسها في أجسادهم، امرأة كانت تحاول أن تثبت لنفسها أنها لا تزال حية، امرأة كانت ضحية مثلهم تماماً، ضحية جسدها، ضحية رغبتها، ضحية مجتمع علمها أن الجسد إما شرف أو عار، لا شيء بينهما…
كان إسماعيل وإياها وجهين لعملة واحدة: كلاهما ضحية شريعة لا تعترف بالرماديات، شريعة تقسم النساء إلى طاهرات وعاهرات، والرجال إلى شرفاء وخونة، ولا تترك مساحة للبشر لأن يكونوا مجرد بشر…
في تلك الليلة، رأى حلماً غريباً… ؛كان يحمل مرآةً كبيرة ويكسر بها وجوه المدينة… ؛ لكن كلّ شظيةٍ كانت تعكس وجهه هو …
استيقظ مذعورا … ؛فهم أخيراً أن الشرف لا يُحمى بالدم،ولا تُغسل السمعة بالنار،ولا يُرمّم البيت بهدم بيوت الآخرين …
عند الفجر، وقف إسماعيل على سطح البيت … ؛ نفس السطح الذي رأى عليه نادية تنشر الغسيل، نفس السطح الذي كان محمد يقفز عليه … ؛ السطح الذي شهد أول خطيئة في بيته … ؛الآن،السطح خالٍ :لا حمام، لا غسيل، لا نادية، لا محمد … ؛فقط هو، والشمس تشرق من وراء دجلة، والمدينة تستيقظ على صرخات الباعة ونداءات المؤذنين واصوات محركات السيارات والمولدات الكهربائية الاهلية …
نظر إلى الأفق البعيد، إلى حيث يلتقي النهر بالسماء، وتذكر كلمات الشيخ الأخيرة: لا تفضح نفسك بيدك … .
نزل من السطح بخطى ثقيلة … ؛ دخل غرفته، وجمع صور ضحاياه، وأحرقها كلها في منقل صغير كان يستعمله للتدفئة …
نظر إلى الرماد، وتذكر أن رماد نادية سيكون هكذا يوماً ما، رماداً لا يفرق بين طاهرة وعاهرة، رماداً لا يعترف بالشرف ولا بالعار، رماداً يساوي بين الجميع …
أخرج من الدرج مسدسا … ؛ وضع الفوهة في فمه , ثم ضغط على الزناد … ؛ وتناثر رأسه … نعى الاثير رحيل اسماعيل , ونهضت نادية من الفراش وهي تركض نحو غرفته … ؛ صرخت وبكت دما بدل الدموع … ؛ وكانها تنعى الطهر الذي تننشده في عالم اخر …
لم يكن ميتا ,كان شيئاً آخر… ؛كان قد عبر إلى الضفة الأخرى، حيث لا شرف ولا عار، حيث لا طاهرة ولا عاهرة، حيث لا قاتل ولا قتيل … ؛حيث الإنسان مجرد إنسان .
وكانت شمس بغداد تشرق كعادتها، لا تبالي بمن يموت فيها ولا بمن يولد، لا تبالي بالطاهرات ولا بالعاهرات، لا تبالي بالشرفاء ولا بالقتلة … ؛بغداد تشرق فقط…!!
تشرق كأن لا شيء حدث … ؛وكأن كل شيء يمكن أن يبدأ من جديد .