العقول أول ميادين الحرب

رياض الفرطوسي

الحرب لا تبدأ عندما ترتفع أصوات الطائرات ولا حين تنطلق الصواريخ فوق المدن . تبدأ في مكان أبعد وأخطر، في تلك اللحظة التي يصبح فيها الخصم فكرة مجردة لا وجهاً بشرياً، وفي اللحظة التي يتحول فيها الغضب إلى يقين أخلاقي. عندها تكون الحرب قد قطعت نصف الطريق قبل أن يسمع أحد دوي الانفجار.

ما يجري اليوم ليس استعدادا للحرب بقدر ما هو تمرين نفسي عليها. الكلمات تسبق الصواريخ ، واللغة تمهد للمجازر أكثر مما تمهد لها الخطط العسكرية. حين يتكرر الحديث عن الضربة الحاسمة والضرورة التاريخية والخيار الوحيد، يصبح القتل نتيجة منطقية لسلسلة طويلة من العبارات التي صنعت أرضه الصلبة.

الحرب في حقيقتها ليست مواجهة بين جيوش فقط، بل انكشاف مفاجئ لما يختبئ في الإنسان من قابلية للعنف. الحضارة طبقة رقيقة، وما إن تتشقق حتى تظهر تحتها طبائع أقدم من التاريخ المكتوب. في أوقات السلم يتحدث الناس عن القيم، أما في أوقات التوتر فيبحثون عن الأعذار. وبين القيم والأعذار تقف اللغة بوصفها أخطر الأسلحة، لأنها تمنح القسوة مظهراً عقلانياً.

الروائي الروسي فيودور دوستويفسكي تأمل بعمق طبيعة العداء البشري، ولفت النظر إلى أن الإنسان غالباً ما يرى في خصمه انعكاساً لصراعاته الداخلية. ما يبدو كعداء خارجي ما هو إلا محاولة للهروب من مواجهة الانقسامات والمخاوف التي تكمن في النفس. لذلك، في كثير من الأحيان، تتحول الكراهية إلى وسيلة لترتيب الفوضى الداخلية، عبر اختلاق عدو واضح يمكن استهدافه، بينما تبقى الأزمة الحقيقية كامنة في أعماق الذات.

هذه القدرة على اختراع التبريرات ليست مجرد ظاهرة أخلاقية، بل لها جذور عميقة في تكوين الإنسان نفسه. العقل لا يعمل دائماً بحثاً عن الحقيقة، بل كثيراً ما يعمل بحثاً عن الطمأنينة. حين يتعرض الإنسان لتناقض بين ما يؤمن به وما يرغب فيه، يبدأ في بناء تفسير يحفظ له توازنه. وهكذا يمكن للفكرة نفسها أن تبدو حكيمة في ظرف، ومتهورة في ظرف آخر، من دون أن يشعر صاحبها بأي اضطراب حقيقي.

لهذا السبب تبدو مواقف كثيرة في النقاشات السياسية وكأنها تتغير دون مقدمات. ما كان يسمى مغامرة في مكان يصبح ضرورة في مكان آخر، وما كان يسمى تهورا يصبح سياسة واقعية حين يتبدل الطرف المقابل. المعايير لا تختفي صدفة، بل تختفي حين تصبح عائقا أمام الرغبة.
الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز لاحظ أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الفعل نفسه، بل في القدرة على تبريره أمام العقل والضمير. ما يُرتكب من عنف قد يكون محدوداً زمنياً، لكن التبرير له يبقى قابلاً لإعادة الإنتاج مراراً. حين ينجح الإنسان في اختلاق سبب يبرر العنف لمرة واحدة، يصبح ذلك النموذج جاهزاً للاستخدام في كل مناسبة لاحقة، ويصبح الخط الأحمر الذي يفترض أن يمنع تكرار الدم مسألة قابلة للتفاوض، لا حقيقة ثابتة.

أخطر ما في الدعوات إلى الحرب ليس الخطط العسكرية، بل النظرة التي تسبقها. حين يتحول شعب كامل إلى صورة مبسطة، يصبح الحديث عن تدميره شأناً تقنياً لا مأساة إنسانية. الأنظمة السياسية تتغير، أما البشر فيبقون هم الضحايا الدائمين، ومع ذلك نادراً ما يظهرون في الحسابات الأولى.

المفارقة أن أكثر المتحمسين للحروب يعيشون بعيداً عنها. بالنسبة إليهم تبدو الحرب مسألة تحليل وتوقعات ونسب نجاح، لا تجربة شخصية. هم يتحدثون عن الضربات كما لو كانت عمليات جراحية دقيقة، بينما يعرف الذين عاشوا الحروب أن الفوضى هي القانون الوحيد فيها. كل حرب تبدأ بخطة وتنتهي بواقع لم يتوقعه أحد.

كثير من الحسابات السياسية تقوم على افتراض أن القوة وحدها كافية لإخضاع الخصوم، لكن التجارب المتراكمة تقول غير ذلك. المجتمعات لا تتحرك فقط بدافع المصالح الظاهرة، بل أيضاً بدافع الرموز والعقائد والذاكرة. ما يبدو ضعيفاً في الظاهر قد يتحول إلى مصدر مقاومة غير متوقعة، وما يبدو انتصاراً واضحاً قد يصبح بداية أزمة أطول.

التاريخ يقدم أمثلة لا تحصى على فشل الحسابات الدقيقة أمام عوامل لم تدخل في التقدير. أحياناً تكفي كلمة أو رمز أو فتوى أو إشاعة لتقلب موازين بدت محسومة. ما يسميه البعض واقعية قد يكون في الحقيقة قراءة ناقصة لعالم أعقد مما تسمح به النظريات.

في النهاية تبقى الحقيقة الأوضح أن الحروب تكشف البشر أكثر مما تغير الحدود. قبل أن يسقط أول قتيل تكون النفوس قد تعرضت لاختبار قاس. بعض الناس يكتشفون في أنفسهم خوفاً لم يعرفوه من قبل، وبعضهم يكتشفون شراسة لم يكونوا يظنون أنها ممكنة.

لهذا تبدو الدعوة إلى الحرب دائماً أسهل من خوضها. من يتخيلها من بعيد يراها سريعة وحاسمة، أما من يعيشها فيعرف أنها زمن طويل من الانهيار البطيء. الحرب لا تبدأ في الميدان، بل تبدأ عندما يقتنع الناس بأن الميدان هو الحل الوحيد.

وعندما تصل الجيوش أخيراً، تكون المعركة الحقيقية قد بدأت منذ زمن، في مكان لا يظهر على الخرائط. هناك، في العقول، يتحدد كل شيء تقريباً قبل أن تنطلق الرصاصة الأولى.