حين تتوفر المعلومة بضغطة زر، فما الذي تبقى للجامعة لتفعله؟

عدنان طعمة

في زمن باتت فيه المعلومة متدفقة كالسيل ، ومتاحة لمن يطلبها بنقرة عابرة على شاشة، لم يعد ذلك التكديس المعرفي الذي اعتدنا تسميته (تعليما جامعيا) يحمل معنى يذكر. لقد ولى زمن احتكار المعرفة، وسقطت الهالة التي كانت تكتنف قاعات المحاضرات الصامتة، وملازم المحاضرات البائسة وعروض الباوربوينت المتكررة، التي تحمل العقول ما لا تطيق من سرديات تنظيرية بعيد عن الروح والواقع. فامتلاك المعلومة اليوم لم يعد إنجازا يباهى به، بل صار مجرد خطوة أولى في رحلة أطول وأعقد، إذ أصبح المعيار الحقيقي في عالم المعرفة لم يعد (ماذا تعرف؟) بل (كيف توظف ما تعرف؟).

ومن هنا، تبدو الشهادة الجامعية وكأنها وعد بالحصول على ورقة لا تغني ولاتسمن من جوع، أكثر منها إنجازا، فهي تشي بقدرة الطالب على التعلم، لكنها لا تضبط إيقاع اتقانه لاختصاصه. الجامعات اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تبقى حبيسة دورها القديم وأبنيتها المغلقة كحاوية للمعرفة، أو تتحول إلى فضاءات حية لصناعة العقول، تدرب على التفكير لا على الحفظ، وتعلي من شأن التطبيق قبل التنظير.

هنا يتداخل حديثنا مع رؤية الأمريكي إيلون ماسك، الذي يذكرنا باستمرار بأن المعرفة لم تعد حكرا على أحد، وأن ما يصنع الفارق ليس كمية المعلومات التي تمتلكها، بل ذكاء توظيفها في سياقات عملية مبتكرة. التعليم العالي الحقيقي، إذن ودون أدنى شك، هو ذاك الذي يدفع بالطلاب إلى ما وراء حدود الكتاب المنهجي ، ما وراء الملازم البائسة التي تختصر المواد، نحو ورش العمل التطبيقية، والمشاريع الحية التي تنفذ في سوح العمل، وتبني التجريب المستمر. إنه المنهج الضمني الذي يحول النظريات إلى أياد تعمل، والمعرفة إلى مهارة تبصر النور في ميادين العمل قبل أن تستقر في صفحات الكتب.

………….

المنهج الضمني (ويسمى أيضا المنهج الخفي أو Hidden Curriculum) هو مفهوم تربوي يشير إلى المعرفة والمهارات والقيم والاتجاهات التي يتعلمها الطلاب بشكل غير مباشر من خلال بيئة التعلم وخبراتها، وليس من خلال المحتوى الرسمي المقرر في الكتب الدراسية أو الخطط التعليمية المعلنة.

وببساطة أكثر هو ما يتعلم بين السطور، وما تكتسبه من خبرات دون أن يكون مكتوبا في جدول الحصص…