فلسفة الصيام( حينما يربط الإمام الصادق (ع) العبادة بالاستقامة السلوكية)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
​وعَنْ الإمام الصَّادِق جَعْفَر صَلَوَاتُ اَللّٰه عَلَيْه أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا صِـيَـامَ لِـمَـنْ عَـصَــى الإِمَــامَ، وَلَا صِيَامَ لِعَبْدٍ آبِقٍ حَتَّى يَرْجِعَ، وَلَا صِيَامَ لِامْرَأَةٍ نَاشِزٍ حَتَّى تَتُوبَ، وَلَا صِيَامَ لِوَلَدٍ عَاقٍّ حَتَّى يَبَرَّ.﴾
​يخطُّ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في هذا النص الشريف خارطة طريق تتجاوز المفهوم التقليدي للعبادة، ليضعنا أمام الحقيقة الجوهرية للصيام؛ وهي أنه ليس مجرد عملية ميكانيكية للإمساك عن الطعام والشراب، بل هو مؤسسة تربوية كبرى تهدف إلى إعادة صياغة الشخصية الإنسانية. إن الربط الوثيق الذي يقيمه الإمام بين (قبول الصيام) وبين (الاستقامة السلوكية) يكشف عن فلسفة عميقة مفادها أن العبادات في الإسلام ليست غايات في حد ذاتها، بل هي وسائل لبلوغ كمالات أخلاقية واجتماعية، فإذا انفصلت العبادة عن أثرها السلوكي، تحولت إلى هيكلٍ بلا روح.
​تتجلى في الحديث الشريف رؤية تكاملية تربط بين حق الله وحق العباد؛ فبدأ الإمام (ع) بأصل القبول وهو (طاعة الإمام) ، وهي إشارة إلى ضرورة الارتباط بالقيادة الربانية والنهج الحق، فبدون بوصلة الولاية يغدو العمل هباءً منثوراً. ثم انتقل الحديث بذكاء اجتماعي فائق ليعالج التصدعات في البناء المجتمعي والأسري، فاعتبر (العبد الآبق) -وهو الرمز لكل من يتنصل من مسؤولياته والتزاماته- محروماً من ثمرة صيامه حتى يعود لمنظومة الحقوق والواجبات.
​ولم يغفل النص الشريف عن قدسية الروابط الأسرية، فجعل (نشوز الزوجة) و(عقوق الولد) عوائق حقيقية تحول دون صعود الأعمال. هنا نلمس لمسة المربي العظيم الذي يريد للصائم أن يدخل شهر رمضان ليخرج منه إنساناً باراً بوالديه، متصالحاً مع شريك حياته، ومؤدياً للامانة. إنها رسالة واضحة لكل صائم بأن الله تعالى لا يحتاج إلى جوعنا وعطشنا، بل يريد منا تطهير النفس من رذائل القطيعة والتمرد الأخلاقي.
​إن وحدة الموضوع في هذا الحديث الشريف تكمن في “الانسجام”، فالمؤمن لا يمكن أن يكون عابداً في محرابه وظالماً في بيته، أو صائماً في نهاره وعاقاً في حياته. إن الصيام الحقيقي هو الذي يصنع توازناً بين الروح والمادة، وبين الفرد والمجتمع.
وبذلك، يضعنا الإمام الصادق (ع) أمام مسؤولية كبرى: أن نفتش في سلوكنا قبل أن نبدأ في صيامنا، فالتوبة من الذنب، وبر الوالدين، وأداء الحقوق، هي الصيام الباطني الذي يمنح الصيام الظاهري شرعية القبول والارتقاء.
​ختاماً، يظل حديث الإمام الصادق (ع) منارةً تهدي التائهين في دروب العبادة الشكلية، لتعيدهم إلى رحاب العبادة الواعية التي تبني الإنسان والمجتمع، وتجعل من شهر الصيام محطةً سنوية لغسل القلوب وتصحيح المسارات السلوكية، ليكون الصائم بحق هو من صامت جوارحه عن الأذى كما صام بطنه عن الطعام.