كتابات عن يوم غدير خم وتنصيب الامام علي عليه السلام (ح 28)

د. فاضل حسن شريف

السيد محمد حسين الطباطبائي قائلا عن روايات غدير خم: وعن المناقب، لابن المغازلي يرفعه إلى أبي هريرة قال: من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيامه ستين شهرا، وهو يوم غدير خم، بها أخذ النبي بيعة علي بن أبي طالب، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، فقال له عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأنزل الله تعالى: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ” (المائدة 3). وعن المناقب، لابن مردويه وكتاب سرقات الشعر، للمرزباني عن أبي سعيد الخدري مثل ما تقدم عن الخطيب. أقول: وروى الحديثين في الدر المنثور، عن أبي سعيد وأبي هريرة ووصف سنديهما بالضعف. وقد روي بطرق كثيرة تنتهي من الصحابة (لو دقق فيها) إلى عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومعاوية وسمرة: أن الآية نزلت يوم عرفة من حجة الوداع وكان يوم الجمعة، والمعتمد منها ما روي عن عمر فقد رواه عن الحميدي وعبد بن حميد وأحمد البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في سننه عن طارق بن شهاب عن عمر، وعن ابن راهويه في مسنده وعبد بن حميد عن أبي العالية عن عمر، وعن ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب عن عمر، وعن البزاز عن ابن عباس، والظاهر أنه يروي عن عمر. ثم أقول: أما ما ذكره من ضعف سندي الحديثين فلا يجديه في ضعف المتن شيئا فقد أوضحنا في البيان المتقدم إن مفاد الآية الكريمة لا يلائم غير ذلك من جميع الاحتمالات والمعاني المذكورة فيها، فهاتان الروايتان وما في معناهما هي الموافقة للكتاب من بين جميع الروايات فهي المتعينة للأخذ. على أن هذه الأحاديث الدالة على نزول الآية في مسألة الولاية وهي تزيد على عشرين حديثا من طرق أهل السنة والشيعة مرتبطة بما ورد في سبب نزول قوله تعالى: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ” (المائدة 67) وهي تربو على خمسة عشر حديثا رواها الفريقان، والجميع مرتبط بحديث الغدير: (من كنت مولاه فعلي مولاه) وهو حديث متواتر مروي عن جم غفير من الصحابة، اعترف بتواتره جمع كثير من علماء الفريقين. ومن المتفق عليه أن ذلك كان في منصرف رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله من مكة إلى المدينة. وهذه الولاية (لو لم تحمل على الهزل والتهكم) فريضة من الفرائض كالتولي والتبري اللذين نص عليهما القرآن في آيات كثيرة، وإذا كان كذلك لم يجز أن يتأخر جعلها نزول الآية أعني قوله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ” (المائدة 3)، فالآية إنما نزلت بعد فرضها من الله سبحانه، ولا اعتماد على ما ينافي ذلك من الروايات لو كانت منافية. وأما ما رواه من الرواية فقد عرفت ما ينبغي أن يقال فيها غير أن هاهنا أمرا يجب التنبه له، وهو أن التدبر في الآيتين الكريمتين: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ” (المائدة 67) (الآية) على ما سيجيء من بيان معناه، وقوله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) (الآية) والأحاديث الواردة من طرق الفريقين فيهما وروايات الغدير المتواترة، وكذا دراسة أوضاع المجتمع الإسلامي الداخلية في أواخر عهد رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله والبحث العميق فيها يفيد القطع بأن أمر الولاية كان نازلا قبل يوم الغدير بأيام، وكان النبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله يتقي الناس في إظهاره، ويخاف أن لا يتلقوه بالقبول أو يسيئوا القصد إليه فيختل أمر الدعوة، فكان لا يزال يؤخر تبليغه الناس من يوم إلى غد حتى نزل قوله: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ” (المائدة 67) (الآية) فلم يمهل في ذلك.

عن كتاب رحاب العقيدة للسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: بعض القرائن المتممة لدلالة حديث الغدير على الإمامة: الأول: أن الحديث كما روي بلفظ: (من كنت مولاه، فعلي مولاه)، روي بلفظ (من كنت وليه فعلي وليه)، أو نحو ذلك. ومن الظاهر أن الخلاف المذكور لا يرجع عرفاً للتكاذب بين الروايتين، ولا للخطأ في إحداهم، بل للنقل بالمعنى من دون تقيد بألفاظ النص. وذلك شاهد بأن المولى بمعنى الولي، وهو المسلط الذي يتولى الأمر. الثاني: أن كثيراً من طرق الحديث تبلغ التواتر، أو تزيد عليه، كما تقدم هناك قد تضمنت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة للنص على أمير المؤمنين: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟)، أو نحو ذلك، ثم قوله صلى الله عليه وآله وسلم معقباً من دون فصل: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، حيث تكون المقدمة المذكورة مفسرة لما بعده، وملزمة بحمل المولى على الأولى، دون بقية المعاني المذكورة للمولى، لو أمكن الحمل على بعض تلك المعاني في نفسه. وهناك بعض القرائن الداخلية الأخر، والخارجية الكثيرة، قد أطال الكلام فيها علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم). ولعل من أوسع من كتب في ذلك المرحوم الشيخ الأميني قدس سره. ونقترح على من يحاول تأويل الحديث على خلاف ذلك أن يحدد المعنى الذي يحاول حمل الحديث عليه، ثم ينظر في متن الحديث من أوله إلى آخره، وفي القرائن المحيطة به، ويحكم وجدانه في قبول ذلك المعنى وعدمه. ثم له بعد ذلك أن يختار ما يراه مناسب.

ويقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل حول يوم الغدير: إشكالات المعاندين الواهية: كثيرا ما نرى في مورد الآيات أو الرّوايات التي تذكر فضائل أمير المؤمنين عليه السّلام إصرار البعض إلى حدّ ما في أن يغضّ النظر عنها، أو يقوم بتوجيهها توجيها محرّفا و يدقق في أمرها بوسوسة بالغة، في حين أنّ هذه الفضائل لو كانت واردة في الآخرين لقبلوها بسهولة و بساطة. النموذج الحي الكلام هو الإشكالات السباعية التي ذكرها ابن تيمية في‌ كتابه (منهاج السنّة) في أحاديث مروية في أسباب نزول الآيات المذكورة و هي: 1- حديث قصّة يوم الغدير بعد رجوع الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من حجّة الوداع أي في السنة العاشرة للهجرة، في حين أنّ السورة المعارج من السور المكّية و قد نزلت قبل الهجرة. الجواب: كما بيّنا من قبل فإنّ كثيرا من السور تسمّى مكّية في حين أنّ بعض آياتها مدنية كما يقول المفسّرون، و بالعكس فإنّ هناك سورا مدنية نزلت بعض آياتها في مكّة. 2- جاء في الحديث أنّ الحارث بن النعمان حضر عند النّبي في الأبطح، و المعروف أنّ الأبطح، واد في مكّة، و هذا لا يتفق مع نزول الآية بعد حادثة الغدير. الجواب: إنّ كلمة الأبطح وردت في بعض الرّوايات، لا كلّ الرّوايات، كما أنّ الأبطح و البطحاء تعني كل أرض صحراء رملية و تجري فيها السيول، و كذلك هناك مناطق في المدينة تسمّى بالأبطح و البطحاء، و قد أشار العرب إلى ذلك في كثير من أقوالهم و أشعارهم. المشهور أنّ آية: “وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ” (الانفال 32) الجواب: ليس منّا من يقول: إنّ حادثة الغدير هي سبب نزول تلك الآية، بل الحديث هو في آية: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ‌ و أمّا الآية (33) من سورة الأنفال فهي أنّ الحارث بن النعمان قد استخدمها في كلامه، و هذا لا يرتبط بأسباب النزول، و لكن العصبية المفرطة تجعل الإنسان غافلا عن هذا الموضوع الواضح.

و القرآن المجيد يشتمل على تعابير، و من ذلك ما ورد عن زكريا الذي توسل إلى اللّه بقوله: “فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ” (مريم 5) و المعروف أنّ المراد هنا من كلمة (ولي) المشرف الذي يتولى شؤون الإشراف بعد الموت كما يعيّن الكثير من الناس في حياتهم من يقوم مقامهم بعد الموت، و يسمّى الشخص المعين منذ لحظة تعيينه بالنائب أو الخليفة مع كون هذه الصفات بالقوة، و ليست بالفعل. و نقل في كتاب الغدير القيم عن كتاب سليم بن قيس الهلالي حديث مفصل مفاده أنّ عليّا عليه السّلام حين كان منشغلا بحرب صفين، تحدث في ميدان الحرب امام جمع من الناس مستدلا بدلائل عديدة في إثبات حقّه، و كان من جملة ما استدل به الإمام عليه السّلام هذه الآية الكريمة. قوله تعالى “وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً” (الكهف 47).”نغادر” من غدر بمعنى الترك. و لذلك يقال للذي يخلف الوعد و الميثاق و يتركه بأنّه غدر و يقال لمياه الأمطار المتجمعة في مكان واحد ب (الغدير) لأنّها قد تركت هناك.

يقول أبو الخير شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الجزري الشافعي في حديث الغدير: (تواتر عن أمير المؤمنين علي عليه السَّلام، وهو أي حديث الغدير متواتر أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رواه الجمع الغفير، و لا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا إطلاع له في هذا العلم، فقد ورد مرفوعاً عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس بن عبد المطلب، وزيد بن أرقم، و براء بن عازب، و بريدة بن الحصيب، و أبي هريرة، و أبي سعيد الخدري، و جابر بن عبد الله، و عبد الله بن عباس، و حبشي بن جنادة، و سمرة بن جندب، و أنس بن مالك، و زيد بن ثابت). ويقول حجة الإسلام الغزالي: أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم غدير خم باتفاق الجميع وهو يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، (فقال عمر بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كل مولى، فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة). ولقد صرّح بتواتر حديث الغدير جماعة آخرين من علماء السنة منهم: شمس الدين الشافعي والقسطلاني و المنصور بالله. أكد حنبـل‎ الشـيبـانـي‎ امـام‎ مـذهـب‎”الحنابلة‎ فقد أكـد أن‎‎ مـا ورد عـن فضـائل‎ الامام‎‎ علي عليه السلام لم نشاهده‎ لاي‎ من‎ أصحاب‎ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. أما الزمخشري‎ العالم‎ والاديب‎‎ الشهير وصاحب تأليفي‎ الكشاف‎ وأساس‎ البلاغة،‎ فيقـول‎‎ حـول أمير المومنين‎ ما مضمونه: مـاذا أقـول‎ عن‎ رجل‎ أنكر الأعـداء وبـسبـب‎ بغـضهـم‎ وحسدهم‎ جميع‎ فضائله‎‎ فيما أخفاها مـوالـوه بسبب‎ الخوف‎ والخشية‎ التي‎ كانت‎ تلاحقهم‎. بدوره‎ يقول‎ الـفـخـر الـرازي‎ العـالـم‎ الشهير والكاتب‎‎ ومفسر مفاتيح‎ الـغـيـب: أفلح‎ من‎ اتخذ عليا عليه السلام إماما له‎‎ في‎ دينـه وذلك‎ لما قال‎ عنه‎ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان‎ عليا مع‎ الحق‎ والحق‎ مع‎ علي‎ يدور معه‎ أينما دار.

من خطبة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن زيد بن أرقم قال: حديث الغدير: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ونزل غدير خُمٍّ، أمر بدوحات فقُمِمْن، فقال: (كأني قد دُعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعِتْرتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض). عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما دعا الناس إلى علي عليه السلام في غدير خم و أمر بما تحت الشجرة من الشوك فقُمَّ، و ذلك يوم الخميس، فدعا علياً فأخذ بضبعيه فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة 3). فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضى الرب برسالتي و الولاية لعلي من بعدي).

عن أبي هريرة قال: من صام ثمانية عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً، و هو يوم غدير خم لما أخذ النبي صلى الله عليه وآله بيد علي فقال: (ألست ولي المؤمنين) قالوا: بلى يا رسول الله. قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه). فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مسلم، فأنزل الله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3). ان المصلي يقرأ سورة الفاتحة في اليوم خمس مرات ويذكر الصراط المستقيم وهو الطريق الوحيد الذي يؤدي الى الهداية مما اعطى لهذا الموضوع اهمية بالغة. فمن لم يتبع هذا الصراط فقد انحرف عنه. وقد عرفت الآية الشريفة الفاتحة 7 هذا الصراط وهو صراط الذين انعمت عليهم. من هؤلاء الذين انعم الله عليهم؟ فالسنة النبوية الشريفة هي التي تفسر القرآن التي قالت عنهم بحديث الثقلين في قول الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الغدير والمعتمد من كلا الفريقين (إنّي تاركٌ فيكم الثقلين ما إن تَمَسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتابَ اللَّه وعترتي أهلَ بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوضَ). مثلت الامامة مثل خيط المسبحة. وخرزات المسبحة تمثل الصلاة والصوم والعبادات المختلفة الاخرى، واذا انقطع الخيط وهو الامامة ضاعت العبادات. فالامامة قوام الدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). فاذا كان معاوية شارب الخمر وقاتل النفس المحترمة هو امام المسلمين والذي يموت ولم يعرف انه معاوية امام المسلمين فهل يموت ميتة جاهلية؟ ام علي عليه السلام كما جاء في الحديث الشريف (عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ،) والذي نزلت فيه الاية المباركة “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا” (الاحزاب 33). فعلينا اتباع شريعة الله تعالى ورسوله الكريم.