صباح البغدادي
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، يعود اسم جمهورية مهاباد إلى التداول السياسي ليس بوصفه ذكرى تاريخية عابرة، بل كاحتمال نظري يعكس سؤالًا أعمق حول شكل الدولة الإيرانية ومستقبل بنيتها المركزية. فالتجربة التي وُلدت عام 1946 بدعم خارجي وسقطت سريعًا بعد تغير موازين القوى، ما تزال حاضرة في الوعي الكردي والإيراني على حد سواء، لكنها اليوم تُستحضر بصيغة مختلفة؛ ليس كمشروع انفصال كامل، بل كنموذج محتمل لحكم ذاتي واسع يشبه ما هو قائم في إقليم كردستان داخل العراق.
الحديث عن “مهاباد جديدة” لا يعني بالضرورة إعادة إنتاج كيان مستقل يرفع علمًا منفصلًا ويطالب باعتراف دولي، بل قد يشير إلى تصور أكثر براغماتية يتمثل في كيان إداري–سياسي يتمتع ببرلمان محلي وقوى أمن داخلية وصلاحيات اقتصادية، مع بقاء السيادة الخارجية والدفاع بيد الدولة المركزية في إيران. هذا الطرح يكتسب جاذبيته من كونه أقل استفزازًا إقليميًا من مشروع دولة مستقلة، لكنه في الوقت ذاته يصطدم بطبيعة النظام الإيراني الذي قام تاريخيًا على مركزية قوية وحساسية مفرطة تجاه أي نزعة قومية قد تُفهم بوصفها مدخلًا لتفكيك الدولة.
إعادة طرح فكرة الحكم الذاتي الكردي داخل إيران ترتبط بسياق أوسع من الضغوط الداخلية والتحديات الخارجية التي تواجهها طهران. فكلما تعاظمت الأزمات الاقتصادية والسياسية، برزت الهويات القومية بوصفها أدوات ضغط أو أوراق تفاوض. غير أن تحويل هذه الورقة إلى واقع مؤسساتي يتطلب تحوّلًا بنيويًا في طريقة إدارة الدولة الإيرانية لتنوعها القومي، وهو تحول لا يبدو وشيكًا في ظل المعادلات الراهنة. فقبول صيغة فدرالية أو شبه فدرالية قد يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من قوميات أخرى، ما يضع النخبة الحاكمة أمام معادلة شديدة التعقيد بين الحفاظ على الوحدة الصلبة أو إدارة تنوع مرن قد يُفهم كتنازل استراتيجي.
البعد الإقليمي يزيد الصورة تعقيدًا، إذ لا يمكن فصل أي مشروع كردي داخل إيران عن موقف تركيا التي تنظر بحساسية شديدة إلى أي كيان كردي يتمتع بصلاحيات واسعة على حدودها. صحيح أن أنقرة أظهرت براغماتية في التعامل مع تجربة الحكم الذاتي في العراق حين ضمنت مصالحها الأمنية والاقتصادية، لكنها تبقى حذرة من أي نموذج قد يمنح زخماً عابرًا للحدود. ومن ثم فإن أي “مهاباد جديدة” لن تكون ممكنة دون تفاهمات إقليمية دقيقة تضمن ألا يتحول الحكم الذاتي إلى منصة صراع أوسع.
السيناريو الأكثر واقعية، إذا ما تغيرت الظروف الداخلية في إيران، لا يتمثل في إعلان مفاجئ لكيان سياسي جديد، بل في تدرج بطيء نحو لامركزية أوسع تبدأ بإدارة محلية موسعة وتنتهي بترتيبات دستورية تعترف بخصوصية إقليمية ضمن إطار الدولة الواحدة. بهذا المعنى، قد تتشكل “مهاباد الحديثة” كأمر واقع إداري قبل أن تصبح توصيفًا سياسيًا رسميًا. أما في ظل توازنات القوة الحالية، فإن الفكرة تبقى أقرب إلى ورقة ضغط أو احتمال مستقبلي منه إلى مشروع قابل للتنفيذ الفوري.
في النهاية، السؤال لا يتعلق بإمكانية قيام “دولة داخل الدولة” بقدر ما يتعلق بقدرة الإقليم على تحمّل ارتداداتها. فالجغرافيا السياسية للشرق الأوسط لا تتغير بخطاب سياسي أو اتصال هاتفي، بل تتبدل عندما تتقاطع الإرادات الداخلية مع لحظة دولية نادرة تسمح بإعادة تعريف شكل الدولة نفسها. وحتى تتوافر تلك اللحظة، ستبقى “مهاباد الجديدة” احتمالًا معلقًا بين الحلم القومي وحدود الواقع الاستراتيجي.