ضياء المهندس
(صورةتحوّل القائد المدني إلى “فريق أول ركن” بين ليلة وضحاها)..
في الدول الحديثة، هناك قاعدة بسيطة:
المدني يقود الجيش… لكنه لا يتحوّل فجأة إلى جنرال مزخرف بالنجوم والنياشين وكأنه خرج تواً من معركة ستالينغراد.
لكن يبدو أن لدينا نظرية جديدة في الإدارة العامة:
إذا أصبحتَ رئيساً للوزراء، يمكنك أن “تُحدِّث” سيرتك الذاتية بضغطة زر، فتتحول من سياسي مدني إلى فريق أول ركن قوات خاصة مع كامل الإكسسوارات العسكرية.
القائد العام… أم القائد “بالزي الكامل”؟
نعم، رئيس الوزراء في العراق هو القائد العام للقوات المسلحة بحكم الدستور.
لكن في الديمقراطيات الراسخة، هذا المنصب مدني بطبيعته، والفكرة الجوهرية فيه هي ضمان خضوع الجيش للسلطة السياسية المنتخبة، لا أن يذوب السياسي داخل البزة العسكرية.
في الولايات المتحدة، مثلاً، لم يظهر أي رئيس حديث – من جو بايدن إلى دونالد ترامب – مرتدياً زيّاً عسكرياً رسمياً برتبة جنرال فقط لأنه القائد العام.
رغم أن أكثر من 45 رئيساً أميركياً تعاقبوا على المنصب، لم نشهد استعراض نجوم عسكرية على أكتافهم إلا إذا كانوا يحملون رتبة فعلية سابقة (كما كان الحال مع بعض الرؤساء القدامى الذين خدموا فعلاً في الجيش).
السبب بسيط:
في أمريكا، يوجد أكثر من 1.3 مليون عسكري في الخدمة الفعلية، وكل رتبة تُمنح بعد مسار طويل من الخدمة، الدورات، الاختبارات، وسنوات الميدان.
النجمة هناك لا تُمنح بالمنصب السياسي، بل بالتدرج العسكري،
لان البزة ليست ديكوراً سياسياً
في أوروبا الغربية، الصورة أكثر وضوحاً.
في ألمانيا مثلاً، المستشار لا يرتدي بزّة عسكرية، لأن الفكرة الأساسية بعد الحرب العالمية الثانية كانت منع عسكرة السياسة.
وفي بريطانيا، حتى مع الرمزية الملكية، فإن ارتداء الزي يخضع لقواعد وتقاليد صارمة، وليس قراراً شخصياً لمناسبة إعلامية.
في فرنسا، رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومع ذلك لم نشاهد ( مأمورون ) يظهر برتبة “فريق أول ركن قوات خاصة” لالتقاط صورة تذكارية.
ماذا تعني رتبة “فريق أول ركن” فعلياً؟
رتبة فريق أول ليست مجرد قماش ونجوم.
في الجيوش النظامية، هذه الرتبة تمثل قمة الهرم العسكري، وغالباً ما يكون عدد حامليها محدوداً جداً.
في بعض الجيوش لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة.
هي حصيلة عقود من الخدمة:
- دراسة أركان
- قيادة فرق وألوية
- اشتراك في عمليات
- تقييمات مهنية صارمة
فإذا ارتداها سياسي لم يخدم أصلاً، أو كان خارج الخدمة في سنها، فالمسألة لم تعد مجرد صورة… بل سؤال عن معنى الرتبة نفسها.
والمفارقة أن الجندي الذي يخدم 20 أو 30 سنة ليرتقي رتبة رتبة، قد يحتاج إلى ملف إنجازات أطول من خطاب الموازنة العامة.
أما السياسي، فيكفيه مرسوم وتوقيع، ليقفز مباشرة إلى قمة الهرم.
كأننا أمام نسخة سياسية من ألعاب الفيديو:
“اختر الشخصية… ثم فعّل وضع الجنرال الأعلى!”
بين الهيبة والرمزية
البعض يقول إن الزي يمنح هيبة.
لكن الهيبة في الأنظمة الديمقراطية لا تأتي من عدد النجوم على الكتف، بل من قوة المؤسسات.
في الدول التي تحترم الفصل بين المدني والعسكري، القائد المدني لا يحتاج إلى بزّة ليُثبت سلطته؛
سلطته تأتي من الدستور، ومن صناديق الاقتراع، ومن القانون.
أما عندما تصبح البزة أداة عرض سياسي، فالسؤال لا يكون:
“هل يحق له ارتداؤها؟”
بل:
“لماذا يحتاجها أصلاً؟”
الخلاصة الساخرة الجادة
في الديمقراطيات، القائد العام يقود الجيش من المكتب الدستوري، لا من غرفة تبديل الملابس العسكرية.
وإذا كان المنصب المدني يحتاج إلى نجوم عسكرية ليبدو قوياً، فربما المشكلة ليست في الزي… بل في الثقة بالمنصب نفسه.