د. فاضل حسن شريف
قال علي عليه السلام (وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت). واستعجل البعض في يوم الغدير سألوا نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم “سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ” (المعارج 1) يا محمد؟ أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وبالصلاة والصوم والحج والزكاة فقبلنا منك ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه. فهذا شئ منك أم من الله؟ فقال رسول الله: والذي لا إله إلا هو أن هذا من الله. فولوا مرددين قوله تعالى “وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ” (الأنفال 32).
يقول السيد محمد باقر الصدر: عملية الإعداد الفكري والتربوي في آخر ما نزل منه في آية التبليغ ثم في آية إكمال الدين بعد حديث الغدير المشهور، وعنده لم يعد هناك عذر لمعتذر. وقصة الغدير كما تناقلها الرواة مع بعض الاختلاف هي كما يأتي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع، نزل عليه الوحي مشددا “يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس” (المائدة 67) قحط الركب عند غدير خم، وجمع الناس في منتصف النهار، والحر شديد، وخطب فيهم قائلا، كاني قد دعيت فأجبت وإني تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله وعترتي وفي رواية مسلم وأهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. ثم قال: إن الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه فهذا مولاه اللهم وال محمد والاه وعاد من عاداه، واخذل من خذله، وانصر من نصره وأدر الحق معه حيثما دار وقد أعقب هذا الحدث الكبير نزول الوحي مرة اخرى بقوله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة 3). وقد ورد في بعض الروايات أن الرسول القائد صلى الله عليه وآله قال بعد نزول هذه الايد في ذلك اليوم المشهود وهو يوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم الغدير قال: (الله اكبر، الحمد لله على اكمال الدين واتمام النعمة ورضى الرب برسالتي وبالولاية لعلي بعدي). وفي رواية لاحمد (فلقيه عمر بن الخطاب أي لقى عليا بعد ذلك، فقال له هنيئا أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة). ومما يؤسف له حقا أن بعض الناس كان لا يرضيهم أن يعطى على مثل هذه الامتيازات والمقامات، وكان بعض الناس يكثر لغطه واعتراضه عندما يخص الرسول القائد عليا بذلك، فيضطر الرسول الاكرم صلوات الله عليه وآله أن يذكرهم بأنه رسول رب العالمين الذي يصدع بما يؤمر وأنه: “وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى” (النجم 3-4). ومن الشواهد على ذلك ما رواه الترمذي وحسنه، عن جابر ابن عبد الله قال: (دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم الطائف فانتجاه أي كلمة سرا فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال الرسول: ما انتجيته ولكن الله انتجاه). وعن ميمون عن زيد بن ارقم قال: (كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أبواب شارعة في المسجد قال: فقال رسول الله يوما سدوا هذه الابواب إلا باب علي قال: فتكلم في ذلك الناس، قال، فقام رسول الله فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني أمرت بسد هذه الابواب، إلا باب على، وقال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولافتحته، ولكني أمرت بشئ فاتبعته). وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله كلما يخص عليا دون سواه بأمر، يصرح لهم، وبيين للأمة أن ذلك إنما هو بأمر من الله تعالى. وقد حدث ذلك في إرسال علي عليه السلام لتبليغ سورة براءة بدلا من أبي بكر، وحدث ذلك يوم المناجاة في الطائف.
عن منتدى الكفيل: وفي آخر أيام الحج نزل جبرائيل على النبي صلى الله عليه وآله أن الله تعالى يأمرك أن تدل أمتك على وليهم، فاعهد عهدك واعمد إلى ما عندك من العلم وميراث الأنبياء، فورِّثه إياه وأقمه للناس عَلَماً، فإني لم أقبض نبياً من أنبيائي إلا بعد إكمال ديني، ولم أترك أرضي بغير حجة على خلقي.وقد كان من المتوقع للنبي صلى الله عليه وآله في سفره الوحيد للحج أن يبقى مدة في مكة; ولكنه بعد الانتهاء من مناسك الحج مباشرة أمر بلالا أن ينادي بالناس: “لا يبقى غداً أحد الا عليل الا خرج “. وهكذا فقد أخبرهم صلى الله عليه وآله عن مراسـم خاصة اقتضـت الحكمة أن يكـون إجراؤها في غدير خم، وانضـم إلى القافلة الراجعـة من الحج كثير ممن لم تكن بلدانهم على ذلك المسير.الوحى يوقف القافلة النبوية عند الغدير12تحرَّكت القافلة العظيمة يوم الخميس الخامس عشر من ذي الحجة، فبعد الخروج من مكة وصلوا إلى “سَيْرَف” ومن هناك إلى “مرّ الظهران” ثم إلى “عسفان” ومنها إلى “قُدَيْد” حيث وصلوا “كراع الغميم” على مقربة من الجحفة الذي يقع “غدير خم” في أحد جوانبها.رحل النبي صلى الله عليه وآله من مكة وهو ناو أن يكون أول عمل يقوم به إعلان ولاية عترته، كما أمره ربه تعالى في وقت يأمن فيه الخلاف منهم عليه، وعلم الله عز وجل أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم وأماكنهم وبواديهم.وقبيل الظهر من يوم الإثنين في الثامن عشر من ذي الحجة ولدى وصولهم إلى منطقة “غدير خم” جاءه جبرئيل لخمس ساعات مضت من النهار وقال له: يا محمد، إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾13.فتسمَّر النبي صلى الله عليه وآله في مكانه وأصدر أمره إلى المسلمين بالتوقف وغيَّر مسيره إلى جهة اليمين وتوجَّه نحو الغدير وقال: “أيها الناس، أجيبوا داعى الله، أنا رسول الله”.ثم قال: “أنيخوا ناقتى، فوالله ما أبرح من هذا المكان حتى أبلغ رسالة ربى”; وأمرهم أن يردُّوا من تقدَّم من المسلمين ويوقفوا من تأخَّر منهم حين يصلون إليه.وبعد أن صدر الأمر النبوي المذكور توقَّفت القافلة كلها، ورجع منهم من تقدم ونزل الناس في منطقة الغدير، وأخذ كل فرد يتدبَّر أمر إقامته هناك حيث نصبوا خيامهم وسكن الضجيج تدريجياً.وشهدت الصحراء لأول مرة ذلك الاجتماع العظيم من الناس، وقد زاد من عظمته حضور الأنوار الخمسة المقدسة: النبى الأكرم وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام; وقد اشترك في ذلك التجمع الجماهيري الرجال والنساء من مختلف الأقوام والقبائل والمناطق، وبدرجات متفاوتة من الإيمان، انتظاراً لخطبة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.ونزل الرسول صلى الله عليه وآله عن ناقته وحطَّ رحال النبوة عند غدير خُمٍّ، وكان جبرائيل إلى جانبه ينظر إليه نظرة الرضا، وهو يراه يرتجف من خشية ربه وعيناه تدمعان خشوعاً وهو يقول: “تهديدٌ ووعدٌ ووعيدٌ لأمضين فى أمر الله. فان يتَّهمونى ويكذِّبونى فهو أهون علىَّ من أن يعاقبنى العقوبة الموجعة فى الدنيا والآخرة”!وكانت حرارة الصحراء ووهج الشمس من القوة والشدة بحيث أن الناس ـ ومنهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ـ وضعوا قسماً من ردائهم على رؤوسهم والقسم الآخر تحت أقدامهم، وقد بلغ الأمر لدى البعض أن لفُّوا عباءتهم حول أقدامهم من شدة حرارة أرض الصحراء!الموقع الجغرافى لغدير خم14تقع منطقة “غدير خم” في صحراء فسيحة على مسير السيول في وادي “الجحفة”، حيث يجري هذا المسيل من الشرق إلى الغرب في الشتاء، ويمرُّ بمنطقة الغدير، ثم ينتهي منه إلى الجحفة ثم منه إلى البحر الأحمر فيصب فيه.وفي مسير هذه السيول تتولد بعض الواحات والغدران الطبيعية من تجمع المياه المتبقِّية في مخازن طبيعية للمياه طيلة العام، ويطلق على كل واحدة منها اسم “الغدير”.وهناك العديد من الغدران في الحجاز، ويتميز “غدير خم” بأن ماءه كثير، ويوجد نبع صغير قربه من جبل صغير، وتوجد حوله خمسة أو ستة أشجار صحراوية خضراء كبيرة من نوع “السَمُر” صارت بأغصانها الكثيفة وقامتها الباسقة مكاناً ظليلا في تلك الصحراء، فاتخذوها مكاناً لنزول النبي صلى الله عليه وآله ونصبوا له المنبر فيه.قاعة الغدير ومنبر الغدير15دعا رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة من خواص أصحابه وهم المقداد وسلمان وأبا ذر وعمار، وأمرهم أن يهيِّؤوا المنبر تحت الأشجار القائمة على امتداد واحد. فقاموا بكسح الأشواك تحت تلك الأشجار ورفع الأحجار وقطع الأغصان المتدلِّية إلى الأرض، ونظَّفوا المكان ورشُّوه بالماء، ومدُّوا ثياباً بين شجرتين لتكميل الظلال، فصار المكان مناسباً.ثم بنوا المنبر في وسط الظلال، فجعلوا قاعدته من الأحجار ووضعوا عليها بعض أقتاب الإبل، حتى صار بارتفاع قامة ليكون مشرفاً على الجميع يرون النبي صلى الله عليه وآله ويسمعون صوته، وفرشوا عليه بعض الثياب.ونظراً لكثرة الناس فقد اختاروا “ربيعة” الذي كان جهوري الصوت لايصـال كلام النبـي صلى الله عليه وآله جملة جملة إلى من لا يصل إليه من جمهور المسلمين.
عن واقعة غدير خم جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله سبحانه “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” ﴿المائدة 3﴾ ومع ذلك فإننا نرى بعضا من العلماء المتعصبين من أهل السنة كالآلوسي في تفسير “روح المعاني” الذي تجاهل الأخبار الواردة في هذا المجال لمجرد ضعف سند واحد منها، وقد وصم هؤلاء هذه الرواية بأنها موضوعة أو غير صحيحة، لأنها لم تكن لتلائم أذواقهم الشخصية، وقد مر بعضهم في تفسيره لهذه الآية مرور الكرام ولم يلمح إليها بشئ، كما في تفسير المنار، ولعل صاحب المنار وجد نفسه في مأزق حيال هذه الروايات فهو إن وصمها بالضعف خالف بذلك منطق العدل والإنصاف، وإن قبلها عمل شيئا خلافا لميله وذوقه. وقد وردت في الآية (55) من سورة النور نقطة مهمة جديرة بالانتباه فالآية تقول: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا. والله سبحانه وتعالى يقطع في هذه الآية وعدا على نفسه بأن يرسخ دعائم الدين، الذي ارتضاه للمؤمنين في الأرض. ولما كان نزول سورة النور قبل نزول سورة المائدة، ونظرا إلى جملة رضيت لكم الإسلام دينا الواردة في الآية الأخيرة موضوع البحث والتي نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام، لذلك كله نستنتج أن حكم الإسلام يتعزز ويترسخ في الأرض إذا اقترن بالولاية، لأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله ووعد بترسيخ دعائمه وتعزيزه، وبعبارة أوضح أن الإسلام إذا أريد له أن يعم العالم كله يجب عدم فصله عن ولاية أهل البيت عليهم السلام. أما الأمر الثاني الذي نستنتجه من ضمن الآية الواردة في سورة النور إلى الآية التي هي موضوع بحثنا الآن، فهو أن الآية الأولى قد أعطت للمؤمنين وعودا ثلاثة: أولها: الخلافة على الأرض. والثاني: تحقق الأمن والاستقرار لكي تكون العبادة لله وحده. والثالث: استقرار الدين الذي يرضاه الله في الأرض. ولقد تحققت هذه الوعود الثلاثة في “يوم غدير خم” بنزول آية: اليوم أكملت لكم دينكم. فمثال الإنسان المؤمن الصالح هو علي عليه السلام الذي نصب وصيا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودلت عبارة اليوم يئس الذين كفروا من دينكم. على أن الأمن قد تحقق بصورة نسبية لدى المؤمنين، كما بينت عبارة: ورضيت لكم الإسلام دينا إن الله قد اختار الدين الذي يرتضيه، وأقره بين عباده المسلمين. وهذا التفسير لا ينافي الرواية التي تصرح بأن آية سورة النور قد نزلت في شأن المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وذلك لأن عبارة آمنوا منكم لها معنى واسع تحقق واحد من مصاديقه في ” يوم غدير خم ” وسيتحقق على مدى أوسع وأعم في زمن ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف (وعلى أساس هذا التفسير فإن كلمة الأرض في الآية الأخيرة ليست بمعنى كل الكرة الأرضية، بل لها مفهوم واسع يمكن أن يشمل مساحة من الأرض أو الكرة الأرضية بكاملها). ويدل على هذا الأمر المواضع التي وردت فيها كلمة “الأرض” في القرآن الكريم، حيث وردت أحيانا لتعني جزءا من الأرض، وأخرى لتعني الأرض كلها، (فامعنوا النظر ودققوا في هذا الأمر).