دفترٌ لم يعد صاحبه

رياض سعد

كان المطر الخفيف يطرق نوافذ البيت الشرقي العتيق حين فتحت أمُّ سلمان الصندوق الخشبي الذي ظلّ مغلقاً سنوات طويلة.

ترددت أصابعها فوق الأشياء القديمة: صورة باهتة، ساعة يد متوقفة، شارة عسكرية صدئة، ودفتر صغير أكلت الرطوبة أطراف صفحاته.

دخل حفيدها علي، وجلس إلى جوارها.

سألها:

جدتي، لماذا تحتفظين بهذه الأشياء كلها؟

ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت:

لأن أصحابها رحلوا… وهذه الأشياء هي التي بقيت تدافع عن وجودهم.

فتحت الدفتر بحذر، وكأنها تخشى أن يتناثر العمر من بين الصفحات.

كان الخط واضحاً رغم السنين، وقرأت بصوت مرتجف:

((يوم الأثنين ٢٧ /٢ /١٩٨٤ وفي الخط الأمامي في جبهات القتال حيث دوي المدافع وبارود القنابل، وفي احدى زوايا الملجأ انتابني شوق الى الاهل ولأصدقاء ،، فأتمنى من الله عز وجل ان تهدأ الأمور ليتسنى لي ملاقاتهم والارتماء في أحضانهم، ))

ساد الصمت.

نظر الحفيد إلى جدته وسأل:

وهل عاد ليرتمي في أحضانكم؟

أغمضت عينيها طويلاً.

كانت تعرف أن بعض الأسئلة لا يجيب عنها الكلام.

قالت بصوت خافت:

عاد… لكن ليس بالطريقة التي كان يحلم بها.

ثم أشارت إلى صورة شاب يبتسم بوجه مضيء وقالت:

في عام ١٩٨٦ استشهد في منطقة الفكة.

ظل الحفيد يتأمل الصورة.

كان يتوقع أن يرى بطلاً أسطورياً، لكنه وجد شاباً يشبه آلاف الشباب؛ عينان فيهما حلم صغير، وابتسامة لا توحي بأنها تعرف موعد نهايتها.

قال:

غريب… كنت أظن أن الجنود يفكرون بالانتصار والبطولات.

هزّت الجدة رأسها.

حين تقترب المدافع من الإنسان، لا يفكر بالأوسمة… ؛  يفكر بأمه، بسريره، برائحة الخبز، بأصدقائه، بالأشياء التي كان يظنها عادية… ؛  الحرب تجعل أبسط الأشياء أعظم النعم.

أعاد الحفيد قراءة الكلمات.

لم يجد فيها حديثاً عن الموت، ولا عن الأعداء، ولا عن المعارك.

وجد شوقاً فقط.

شوقاً نقياً إلى الحياة.

عندها أدرك شيئاً لم يكن يعرفه من قبل:

أن الإنسان لا يُهزم حين يموت، بل حين يفقد قدرته على الحنين.

وأن الذين يكتبون رسائلهم في الملاجئ لا يطلبون من الحياة الكثير؛ كل ما يريدونه أن يعودوا بشراً عاديين مرة أخرى.

أغلقت الجدة الدفتر.

لكن الكلمات بقيت مفتوحة في الهواء.

بعد أكثر من أربعين عاماً، لم يعد سلمان موجوداً، ولم يبق من صوته سوى بضعة أسطر.

ومع ذلك، كانت تلك الأسطر تهزم الزمن كله.

فالموت أخذ الجسد إلى التراب، لكنه عجز عن أن يأخذ ذلك الشوق الصغير الذي كتبه جندي مجهَد في زاوية ملجأ معتم.

وفي تلك اللحظة فهم الحفيد أن الإنسان لا يعيش بطول عمره، بل بعمق الأثر الذي يتركه خلفه.

أما الدفتر، فظل ساكناً فوق الطاولة.

دفترٌ صغير لم يعد صاحبه …

لكنه ظل يروي للأحياء أن أكثر ما كان يتمناه شهيدٌ وسط هدير المدافع، ليس المجد ولا البطولة، بل حضن أم، ووجه صديق، وبيت ينتظره عند آخر الطريق.