قراءة في علاقة الناس بـ”صاحب المنفعة”
رياض سعد
من أكثر الأوهام شيوعاً أن يعتقد الإنسان أن كل من يلتف حوله يفعل ذلك حباً لذاته، أو إعجاباً بشخصه، أو تقديراً خالصاً لروحه… ؛ والحقيقة أن جانباً كبيراً من العلاقات البشرية لا يقوم على المشاعر المجردة وحدها، بل يتغذى أيضاً على المصالح والمنافع والحاجات المتبادلة.
نعم , لا تظنَّ أنَّ الناس يُقدِّسونك كإلهٍ يُعبَد، أو يُبجِّلونك كحكيمٍ يُحتَرَم، أو يُحبُّونك كعاشقٍ يُهلَل له، دون سببٍ أو غايةٍ أو منفعة.
فالناس بطبيعتهم يميلون إلى من يحقق لهم منفعة، أو يفتح لهم باباً، أو يخفف عنهم عبئاً، أو يلبي حاجة من حاجاتهم المادية أو المعنوية … ؛ الحقيقةُ الأكثر إيلاماً في طبائع البشر: أنهم قد يغمرونك بالحبِّ والاهتمام والتقدير والاحترام، شريطةَ أن تكونَ مفيداً، تُلبِّي رغبةً من رغباتهم، أو تقضي حاجةً من حوائجهم.
لذلك قد تجد من يغدق عليك كلمات الإعجاب، ويحيطك بهالة من التقدير والاهتمام، ما دمت قادراً على العطاء وتقديم ما يرغبون فيه… ؛ لكن اختبار العلاقة الحقيقي يبدأ عندما تتوقف قدرتك على تقديم ذلك النفع.
عندها تتكشف الحقائق التي كانت مستترة خلف الأقنعة… ؛ فمن اقترب منك لثرائك قد يبتعد حين تفتقر، ومن انجذب إلى جمالك قد يفقد اهتمامه عندما تعبث السنون بملامحك، ومن احترمك لسلطتك قد يعاملك كإنسان عادي بمجرد أن تغادر كرسي النفوذ… ؛ ومن احترم منصبَك ووظيفتَك، لا يُبقِي لك ذرَّةً من الاعتبار بعد أن تُحال إلى التقاعد… ؛ ومن قدَّس التزامَك الدينيَّ، يكفيه أن تتعثَّر في ذنبٍ صغيرٍ ليقلب عليك ظهر المجنَّ، ويشنَّ عليك حرباً شعواء باسم الله أيضاً… ؛ بل إن بعض من كانوا يرفعونك إلى مصاف القداسة أو الاهمية والمكانة السامية قد ينقلبون عليك عند أول زلة أو خطأ، وكأن فضائلك السابقة لم تكن موجودة يوماً...!!
فلا تُخادع نفسك بالوهْمِ العذب، ولا تستسلم لذلك الشعور المُخدِّر الذي يُوهِمُك أنك في أعين الناس إلهٌ يُعبَد، أو قامةٌ موقَّرةٌ تُحاط بهالات التبجيل، أو روحٌ آسرةٌ تستقطب ينابيع الحب والعشق لذاتها فحسب… ؛ فالحقيقة، وقد تكون قاسية، أن القلوب من حولك لا تخفق لأجلك أنت، بل لما تُمثّله من مفتاحٍ سحري يفتح لهم أبواب حاجاتهم، ويُلبّي رغباتهم الدفينة، ويسدّ ثغرات عوزهم… ؛ أنت، في الميزان الخفي للعلاقات الإنسانية، لستَ سوى الوسيلة الناجعة، والقيمة المضافة، واليد التي تمتد بالعطاء. فماذا يتبقى منك حين تجفّ منابع النفع؟!
نعم , ما إن تعجِز عن تقديم الخدمات، أو تفقد ما اعتادوا أن يأخذوه منك، حتى ينقلب السحرُ على الساحر، وتنفضَّ حولك الأيادي التي كانت تصفق لك، وتجفَّ العيون التي كانت تترقبك… ؛ ليس لأنهم أشرار، بل لأنهم منذ البداية كانوا مع شيءٍ فيك، لا معك أنت.
بمجرد أن تُدركك لحظة العجز البشري، وتخور قواك عن تقديم الخدمات، أو يتغيّر سياق النفع، سترى بعينيك حقيقةً موجعة: الجميعُ يرحلون… ؛ يرحلون بصمتٍ لا يليق بضجيج الحب المزعوم، وينسلّون من حياتك كانسلال الظلال عند مغيب الشمس. وحينها فقط، ستدرك أنك منذ اللحظة الأولى التي ظننتَ فيها أنهم أحبّوك لذاتك، أو احترموك لجوهرك، أو قدّروك لإنسانيتك المجرّدة، كنتَ -ويا للخيبة- مخطئًا، واهمًا، ومخدوعًا… ؛ لقد أحبّوا صورتَك لا روحَك، ووظيفتَك لا كيانك، وما تمنحهم لا ما أنت عليه.
يسري هذا القانون الاجتماعي القاسي كالنار في الهشيم، لا يُخطئ هدفه ولا يترك استثناء…
إن المشكلة لا تكمن في وجود المصالح بحد ذاتها؛ فالمصالح جزء طبيعي من الحياة الاجتماعية، وإنما تكمن في أن نخلط بين العلاقة القائمة على المنفعة والعلاقة القائمة على الوفاء الخالص… ؛ فالأولى تزدهر بوجود أسبابها وتذبل بزوالها، أما الثانية فتصمد أمام تقلبات الظروف وتغير الأحوال.
ولهذا ينبغي للإنسان ألا يغتر بكثرة المصفقين له، ولا بعدد المتابعين أو المؤيدين أو المادحين أو الملتفين والمحتشدين حوله … ؛ فالكثرة ليست دليلاً على المحبة الصادقة، كما أن الضجيج ليس برهاناً على الإخلاص… ؛ فكم من شخص أحاط به الناس في أيام القوة، ثم وجد نفسه وحيداً عندما تبدلت الأحوال.
فلا تغترّ، إذن، بهذا الطابور المصفوف حولك من المُحبّين والمُعجبين، ولا ينتفخ صدرك تكبّرًا إذا زاد عدد أتباعك وكثُر مريدوك… ؛ هؤلاء ليسوا أكثر من ماءٍ ضحلٍ تجمّع على عجل، سرعان ما يتبخّر ويضمحل ويختفي أثره، ما إن تتعرّض ساحته لأشعة الشمس اللاهبة، أو لدرجات حرارة الواقع المرتفعة… ؛ إنهم كقطرات الندى، تلمع تحت ضوء مصلحتك، ثم تتلاشى مع بزوغ فجر حقيقتك.
إن الزمن وحده هو القاضي العادل في العلاقات الإنسانية؛ فهو الذي يفرز الصادق من المتسلق، والمخلص من المنتفع، والصديق من العابر… ؛ وما أكثر الذين يحيطون بالإنسان حين يكون شجرة مثمرة، وما أقل الذين يبقون إلى جواره عندما تجف الأغصان أو تتساقط الثمار.
لذلك لا تتكبر إذا كثر أتباعك، ولا تنكسر إذا قلّ عددهم… ؛ فبعض الناس يشبهون الماء الراكد؛ يتجمعون حيث تكون الظروف مواتية والمصالح والمنافع متحققة ، ثم يتبخرون سريعاً تحت شمس تبدل الاحوال الحارقة… ؛ أما القلة التي تبقى معك في أوقات العسر كما في أوقات اليسر، فهي الثروة الحقيقية التي لا تُقاس بعدد، ولا تُشترى بمنصب، ولا تُستمال بمال.
وفي النهاية، ليس المهم كم شخصاً أحبك عندما كنت قوياً، بل كم شخصاً بقي إلى جانبك عندما لم يعد فيك ما يُغري الطامعين أو يجذب المنتفعين… ؛ هناك فقط تعرف قيمة الناس، وهناك فقط تعرف قيمتك الحقيقية في عيونهم.