عينان من الغياب

رياض سعد

جلست لمياءُ على الكرسيِّ الخشبيِّ الهزَّاز، تحتسي فنجانَ قهوتها في حديقةِ البيتِ الخلفيَّة، وسرحَ ذهنُها بعيدًا كأنَّها في سكرٍ يُدنِيها من الثَّمالة , وقد تاهت روحها في متاهات الحنين

وبينما هي على تلك الحال، أقبل طائرٌ ذكر أبيضُ ، فحامَ حولها ثلاثَ مرَّات، كأنه يؤدي طقساً مقدّساً , ثم هبطَ على أرضِ الحديقةِ , قرب الحوض يشربُ الماءَ ويرمقها بنظرات تخترق حجب الزمن .

حدَّقتْ هي في عينَيْه طويلًا، وكأنَّه أيقظَها من غفوةِ الأبد، فإذا بعينَيِ الطائرِ تذكرانِها بعينَيْ حبيبها حسَّام، الذي وعدَها بالزَّواج، إلَّا أنَّ الموتَ اختطفَه في حادثِ سيرٍ مُفزع.

لم تكن تنظر إلى طائر، بل إلى روح تجسدت فيه كي تمنحها إشارة أخيرة.

ما إن استذكرتْ عيونَ حسَّام، حتى سال دمعها على خدها واجهشت بالبكاء ,  فطار الطائر محلقاً نحو الغمام، تاركاً خلفه سؤالاً عالقاً في فضاء الروح: أكان رسول محبة أم طيف خيال نسجته لهفة القلب؟

حسَّام حيٌّ – وهو ميتٌ – لا يريدُها أن تتأذَّى أو تبكي بسببه... ؛ كان يحاول أن يهمس لها: لا تمزقي روحك عليّ، فالحب الذي جمعنا لا يموت كما ان المادة لا تفنى … .

ثم ابتسمت ابتسامة مرة  وسط دموعها وهمست: “حتى في الغياب… كان يخاف عليّ.”