القبلية ومنطق القطيع

سعدون محسن ضمد

منذ أول اشتغالي على كتاب “#دائرة_الوعي_المغلقة“، أخذ إيماني يترسّخ بأننا أخطأنا فهم الطبيعة البشرية. لذلك دعوت إلى الاستعاضة عن “المرجعية الفلسفية” بـ “المرجعية الأنثروبولوجية”؛ فهي وحدها الكفيلة بتقييم الإنسان بمعزل عن نرجسيته، وبإنقاذه من فخ العقل الذي اسقطته الفلسفة فيه.

فقد ابتكرت الفلسفة مفهوم “العقل” وجعلته بديلاً عن “الوعي”، فمهدت الطريق لفصل الإنسان قسرياً عن جذوره الحيوانية.

لقد أوهمتنا الفلسفة بأننا غادرنا غرائزنا الحيوانية بلا عودة، وصرنا قادرين على التعايش بسلام وفق قوانين كونية عابرة لحدود “القبلية”.

لكن ما نراه اليوم — وتحديداً مجازر وحرب الإبادة التي تلت طوفان الأقصى والتي ارتكبتها حضارة البدلات وأربطة العنق — ليس إلا تذكيراً محزنا بمجموعة حقائق منها:

– البشر لم يغادروا منطق القطيع مهما كانت ملابسهم أنيقة وأحذيتهم لامعة.

– الثقافات والمجتمعات، ليست سوى قبائل متنازعة.

– ما القوانين والمعايير إلا مبررات تضمن حق الأقوياء في استيلائهم على موارد الأقل منهم قوّة.

– العقل أكذوبة كبرى

هذا الطرح ليس ارجالاً ولا هو مجرد انطباعات، بل هو ملخص دراسة أعمل على نشرها قريبا. الحجج التي اعتمدتها قائمة على أن “العقل” كمفهوم مستقل غير موجود؛ فهو ينهار أمام أي مراجعة تبحث عن مصداقه الواقعي. نحن في الحقيقة “كائنات واعية”، والوعي هنا هو المزيج المعقد من: المشاعر والغرائز والميول والآليات الإدراكية التي تنتج ما نتوهم خطأً أنه “مخرجات عقلية”.

للأسف لم نزل نخوض صراع البقاء لكن تحت عباءة القانون، ذلك إن تنافسنا على الموارد لتعزيز فرص البقاء ظل ثابتاً منذ “الإنسان المنتصب والنياندرتال”. كل ما تغير هو منظومة الأخلاق والأنظمة الدولية التي توهمنا أننا شرّعناها لتهذيب هذا التنافس، بينما الحقيقة أنها صُممت منذ البداية لضمان تقاسم الموارد بما يخدم “الأقوى” فقط.

اليوم، وعندما تعجز “الشرعة الدولية” عن تقديم أي ضمانة للعدالة، نكتشف أننا ما زلنا محكومين بذات النزعة القبلية البدائية.