شيعة لبنان بين نار الحرب الصهيونية والاستهداف الطائفي وصمت العالم

رياض سعد

تمهيد: بين ثقل التاريخ ووهن اللحظة
منذ قرون طويلة وشيعة لبنان يسيرون في دربٍ مليء بالآلام والتحديات، دربٍ لم يكن مفروشاً بالاستقرار أو العدالة، بل بالتهميش والحرمان والصراعات المتلاحقة… ؛ اذ شكّل الشيعة في لبنان عبر التاريخ إحدى أكثر الجماعات التي عانت التهميش والاضطراب السياسي والاجتماعي… ؛ فمن العهد العثماني وما رافقه من مجازر و مظالم وإقصاء وتمييز طائفي ، مروراً بمرحلة الانتداب الأجنبي، وصولاً إلى الدولة اللبنانية الحديثة التي لم تنجح طويلاً في تحقيق التوازن بين مكوناتها الطائفية، ظلّ الشيعة في لبنان يعيشون على هامش السلطة والاهتمام، يعانون الفقر في الأطراف والجنوب، بينما تتركز السلطة و التنمية والفرص في أماكن أخرى من البلاد … ؛ وانتهاءً بالاعتداءات والمضايقات الفلسطينية… ؛ فرغم أنهم استقبلوا الفلسطينيين والحركات والفصائل المسلحة الفلسطينية في مناطقهم، إلا أنهم ذاقوا الأمرَّين منهم… ؛ ومع ذلك، لم يتخلّوا عن القضية الفلسطينية، فقد تكبّد الشيعة الكثير الكثير بسبب تلك القضية، ولا تزال الاعتداءات الإسرائيلية السافرة تطالهم بسبب مقاومتهم للاحتلال الصهيوني ونصرتهم للشعب الفلسطيني … .
وعلى الرغم من التحولات الكبرى التي شهدها لبنان خلال القرن العشرين، بقيت مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وهي مناطق ذات غالبية شيعية، تعاني ضعف التنمية والبنى التحتية وغياب الاهتمام الكافي من الدولة المركزية… ؛ وقد أسهمت هذه الظروف في تشكيل شعور تاريخي بالحرمان لدى أبناء هذه المناطق، وهو شعور تراكم عبر عقود طويلة من الإقصاء والتهميش … ؛ اذ كانت مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت لسنوات طويلة مناطق منسية، تفتقر إلى أبسط مقومات التنمية والبنية التحتية… ؛ اذ وجد الشيعة أنفسهم في مواجهة تحديات مركّبة تمسّ وجودهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي … ؛ ومع ذلك، ظلّ أهلها متمسكين بأرضهم، صابرين على قسوة الظروف، متشبثين بهويتهم الوطنية ووجودهم الاجتماعي … .
فطوال تلك العقود والأعوام، عانى شيعة لبنان – وما زالوا يعانون – من شتى الضغوط والتحديات المعيشية والأمنية والسياسية .
وعندما حلّت النكبة الفلسطينية عام 1948، واندفع اللاجئون الفلسطينيون إلى لبنان، لم تغلق هذه المناطق أبوابها في وجوههم، بل استقبلتهم واحتضنت قضيتهم… ؛ غير أن هذا الاحتضان جاء بثمن باهظ؛ إذ تحوّل الجنوب اللبناني إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فكانت القرى الشيعية في طليعة المناطق التي دفعت كلفة الصراع مع إسرائيل، حيث تعرضت للقصف والاعتداءات والدمار مراراً وتكراراً … ؛ نعم ,أن هذا الاحتضان لم يكن بلا كلفة؛ إذ تحوّلت مناطق الجنوب إلى ساحة صراع مفتوحة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، ما جعل القرى الشيعية في خط المواجهة الأول مع الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية، ودفع سكانها ثمن ذلك من أمنهم واستقرارهم ومعيشتهم … .
ليس غريباً أن يحمل شيعة لبنان همَّ فلسطين على أكتافهم، وليس جديداً أن يدفعوا الثمن مرتين: مرة لأنهم يدافعون عن أرضهم، ومرة لأنهم يدافعون عن قضية تخلى عنها أهلها… ؛ لكن المفارقة أن الفلسطينيين الذين استقبلوهم في جنوبهم وضاحيتهم، كانوا سبباً في مآس إضافية، إذ تحولت مخيماتهم إلى ساحات للصراع المسلح الذي طال المضيفين الشيعة انفسهم قبل الأعداء… ؛ ومع ذلك، ظل شيعة لبنان أوفياء للقضية التي تخلت عنها الأنظمة العربية والاسلامية ، فكانوا حراس الحدود في وجه المشروع الصهيوني، وهم يعرفون أن العدوان الإسرائيلي لا يحتاج إلى مبرر، بل يختلق الأعذار من وهم أو حقيقة … .
هذه المقالة محاولة لتحليل واقع شيعة لبنان اليوم، في ظل المواجهات الدامية مع إسرائيل، واستشراف التداعيات السياسية والاجتماعية التي تنتظرهم، بعد أن وجدوا أنفسهم وحدهم في مواجهة العاصفة الهوجاء … .
أولاً: السياق التاريخي – من “حركة المحرومين” إلى حاضنة المقاومة
يخطئ من يقرأ المشهد الشيعي اللبناني بمعزل عن تحولاته الكبرى… ؛ فمنذ ستينيات القرن الماضي، قاد السيد موسى الصدر مشروعاً نهضوياً هدف إلى انتشال الشيعة من التهميش عبر “حركة المحرومين” التي أسست لوعي جديد بالذات والموقع … ؛ فقد أسس السيد موسى الصدر “حركة المحرومين” في لبنان عام 1974، كحركة سياسية اجتماعية تهدف إلى رفع التهميش عن الطائفة الشيعية والمناطق المحرومة (خاصة الجنوب والبقاع) والمطالبة بالعدالة الاجتماعية والوطنية، والتي انبثق عنها جناحها العسكري “أفواج المقاومة اللبنانية” (أمل) عام 1975 لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية … ؛ لم يكن الصدر مجرد رجل دين، بل كان مهندساً اجتماعياً جمع الفقراء في البقاع والجنوب مع أثرياء الاغتراب، وصاغ خطاباً جمع بين العدالة الاجتماعية والمقاومة، بين العروبة والإسلام، بين الانفتاح على المسيحيين والتحالف مع الفلسطينيين … .
لكن الثورة الإيرانية عام 1979 شكلت نقطة تحول كبرى… ؛ فمع انتصار السيد الخميني، تحول “الانتظار” من حالة سلبية إلى مشروع تمكين، وأصبحت “ولاية الفقيه” إطاراً مرجعياً لحركة إسلامية شيعية جديدة هي “حزب الله” الذي تبلور في مطلع الثمانينيات … ؛ وهكذا انتقل شيعة لبنان من موقع المهمشين المطالبين بالعدالة، إلى موقع الحاضنة لمشروع إقليمي طموح، يحمل السلاح بوجه إسرائيل، لكنه يحمل أيضاً أثقال صراعات إقليمية كبرى … ؛ وشعر شيعة لبنان بالقوة والاقتدار في ظل حزب الله ولسنوات طويلة .
ولكن الشيعة دفعوا ثمناً باهظاً لهذا التحول : قصف إسرائيلي متكرر (1978، 1982، 1993، 1996، 2006، 2023-2024)، احتلال دام 22 عاماً في الجنوب، اغتيالات لقادة الصف الأول، ودمار هائل للبنية التحتية والمنازل… ؛ ومع ذلك، ظل الخطاب الرسمي للحزب يقدّم هذه التضحيات باعتبارها “ثمن التحرير” و”سنوات العمر” التي لا تضيع هباءً … .
ثانيا : الاحتلال الاسرائيلي وتداعياته
ثم جاءت مرحلة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982 لتفتح فصلاً جديداً من المعاناة… ؛ فسنوات الاحتلال وما رافقها من عمليات عسكرية واعتقالات ونزوح خلّفت آثاراً عميقة في المجتمع الجنوبي، وأسهمت في ظهور حركات مقاومة كان أبرزها حزب الله، الذي نشأ في سياق تلك المواجهة وأصبح لاحقاً أحد أهم الفاعلين في المشهد السياسي والعسكري اللبناني … .
ومنذ ذلك الحين، ارتبط مصير البيئة الشيعية في لبنان إلى حد كبير بمسار الصراع مع إسرائيل… ؛ فالمواجهات المتكررة بين الطرفين، سواء في حرب عام 2006 أو في جولات التصعيد المختلفة، جعلت مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية في مرمى القصف والدمار… ؛ وفي كل مرة تتجدد فيها المواجهة، تتفاقم الأعباء الإنسانية والاقتصادية على السكان المدنيين الذين يجدون أنفسهم بين متطلبات الحرب وضغوط الحياة اليومية … ؛ ففي كل جولة مواجهة بين الحزب وإسرائيل، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. فالضربات العسكرية لا تقع على الخرائط العسكرية فقط، بل تمتد إلى القرى والمنازل والبنية التحتية. وفي كل مرة يتصاعد فيها التوتر، تتكرر مشاهد النزوح الجماعي من القرى الحدودية، وتتحول حياة آلاف العائلات إلى رحلة جديدة من المعاناة والانتظار .
إذ لم تكتفِ إسرائيل بتعذيب الفلسطينيين ومطاردتهم وإبادتهم وسحقهم، حتى ألحقت بهم شيعة لبنان… ؛ فها هي تقصفهم قصفًا بربريًا همجيًا إجراميًا لا نظير له بين الحين والآخر، وفي كل عقد من الزمن، وفي كل مرحلة سياسية تخترع فيها ألف عذر ومبرر للعدوان… ؛ فما من شخص واعٍ في العالم إلا وهو يدرك تمام الإدراك أن وجود إسرائيل في المنطقة يهدف إلى زعزعة استقرارها وتدمير شعوبها… ؛ لذا نلاحظ أن كل دول المنطقة لم تسلم من شرور الصهاينة؛ فالدول المطبِّعة وغير المطبِّعة، والدول التي تربطها بإسرائيل علاقات تجارية واقتصادية بل ومعاهدات واتفاقات، كلها سواء… ؛ وسجل الجرائم الصهيونية حافل، فما من بلد عربي أو إسلامي إلا ولإسرائيل فيه جريمة .
ثالثاً: المشهد الراهن – بين فكَّي المقاومة والدمار
مع اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023، قرر حزب الله فتح “جبهة إسناد” جنوبية، انطلاقاً من قناعته بأن الصمت عن المجازر في غزة ليس خياراً أخلاقياً ولا سياسياً … ؛ لكن ما بدأ كـ”مشاغلة” محدودة ؛ يرى البعض ان الحزب دفع اليها قسرا ، تحول تدريجياً إلى حرب شاملة في سبتمبر 2024، بعد اغتيال الأمين العام السيد حسن نصر الله وقيادات الصف الأول في غارات إسرائيلية مركزة … ؛ سبقتها عملية البيجر الارهابية .
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: البيئة الشيعية التي شكلت العمق الاستراتيجي للمقاومة، وجدت نفسها فجأة في مرمى النيران المباشرة كما اسلفنا … ؛ فقصف إسرائيل لم يعد يقتصر على المواقع العسكرية، بل طال القرى والمدن والضاحية الجنوبية، وأسفر عن نزوح نحو مليون مواطن، معظمهم افترشوا الطرقات والأبنية غير المكتملة في برد الشتاء القارس خلال هذه الحرب الراهنة .
واللافت أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 49.2% من الشيعة عارضوا التدخل الشامل في الحرب خلال المرحلة الأولى … ؛ ومع تطور الأحداث، ارتفعت نسبة من ينظرون إلى إيران نظرة سلبية إلى 50.7%، في اعتقاد أن طهران “باعت” السيد نصر الله للحفاظ على موقعها الإقليمي … ؛ و هذا لا يعني تراجع الولاء لـ”إرث المقاومة”، لكنه يكشف عن تحول دقيق في المزاج الشعبي: تقدير التضحيات لا يمنع التساؤل عن جدواها … .
***شيعة لبنان… ثمن الشهادة ووحشة الطريق
فالغاية من وجود إسرائيل هي العدوان لا غير… ؛ فالعدوان والحرب هما القاعدة الرئيسية لإسرائيل، والسلم والسلام حالة طارئة وخلاف القاعدة… ؛ لذا ترى إسرائيل تسالم شهرًا بينما تحارب سنة، وهكذا … .
فقد ادّعت مرارًا أنها أنهت حزب الله إلى الأبد، وتشَفَّت باستشهاد قياداته لا سيما السيد حسن نصر الله، ودمرت البنى التحتية للحزب… إلخ… ؛ وبعد وقف إطلاق النار وركون حزب الله إلى السلم، لم تلتزم إسرائيل أيضًا، إذ لم تتوقف الاغتيالات ولم يتوقف القصف …!!
وها هي اليوم تعود إلى أسلوبها القديم المعروف بالعدوان والاجتياح لجنوب لبنان، بحجة دعم حزب الله لإيران في الحرب القائمة … .
وعلى فرض أن بعض عناصر حزب الله أطلقوا عدة مسيرات وصواريخ باتجاه إسرائيل التي لم تتوقف يومًا عن قصفهم ومهاجمتهم… ؛ فهل يعد هذا مبررًا لاجتياح الجنوب اللبناني واحتلاله وقصف القرى والمدن والضاحية في بيروت؟!
وهل هذه الصواريخ التي لم تقتل إسرائيليًا واحدًا – وعلى فرض قتلها لمرتزقة الجيش الصهيوني – ؛ تبرر تدمير آلاف المنازل وتشريد مئات الآلاف وقتل العشرات من شيعة لبنان الأبرياء؟!
فها هم مسؤولو الحكومة الإسرائيلية – بل مجرمو الكيان – يتوعدون الجنوب والضاحية بتحويلهما إلى خان يونس أو غزة ثانية، ويقصدون بذلك تدمير القرى والمدن والمنازل وتهجير وتشريد مئات الآلاف وقتل عشرات الآلاف من الأبرياء والأطفال والشباب والنساء والمرضى والشيوخ، كما فعلوا في غزة …!!
ألا يستطيع الكيان الذي طالما تفاخر بسلاحه المتطور وجهاز مخابراته تتبع عناصر حزب الله واغتيالهم أو مواجهتهم رجلًا لرجل؟!
لماذا تلجأ إسرائيل إلى العقاب الجماعي وعمليات الإبادة والتدمير والتخريب العشوائي والقتل الاعتباطي؟!
فها هم شيعة لبنان، لا سيما أبناء الجنوب والضاحية، يتعرضون لأبشع عمليات القصف والقتل والتدمير، وقد قُدِّر عدد النازحين بمليون مواطن أعزل بريء، أغلبهم افترش الأرض وسط هذا البرد القارس… ؛ وهذه المرة، إسرائيل تنوي إبعادهم عن أرضهم وطردهم منها إلى الأبد، وحصرهم في مناطق ضيقة من لبنان، والعمل على احتكاكهم بالحركات التكفيرية والفصائل السنية في الشمال، ودفع عصابات الجولاني السورية الأجنبية للانقضاض عليهم كي يصبحوا بين فكي كماشة لقتل أكبر عدد منهم، ودفعهم قسرًا إلى الهجرة… ؛ بل إن بعض الصهاينة صرّحوا بضرورة ترحيلهم إلى العراق …!!
**سياسياً، يعيش الشيعة في لبنان حالة معقدة من الضغوط… ؛ فمن جهة، يشكّل حزب الله قوة سياسية وعسكرية كبيرة داخل النظام اللبناني، ويمتلك حضوراً مؤثراً في البرلمان والحكومة… ؛ لكن من جهة أخرى، يضع هذا الدور لبنان عموماً والبيئة الشيعية خصوصاً تحت ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، إذ يُنظر إلى الحزب باعتباره جزءاً من شبكة تحالفات إقليمية مرتبطة بـ إيران، ما يجعل أي تصعيد إقليمي ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني … .
**أما اجتماعياً، فإن الحروب المتكررة تركت آثاراً قاسية… ؛ فمناطق الجنوب والضاحية ليست فقط ساحات صراع، بل هي أيضاً مجتمعات بشرية كاملة تعاني من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات… ؛ ومع الأزمة الاقتصادية التي تضرب لبنان منذ سنوات، أصبح السكان يعيشون تحت ضغط مضاعف: ضغط الحرب من جهة، وضغط الانهيار الاقتصادي من جهة أخرى .
نعم , قد أفرزت الحروب المتكررة موجات نزوح واسعة من القرى الحدودية، حيث تضطر آلاف العائلات إلى مغادرة منازلها عند كل جولة قتال. ومع ضعف الاقتصاد اللبناني منذ أزمة عام 2019، أصبح تحمل هذه الأعباء أكثر صعوبة، إذ تراجعت فرص العمل، وارتفعت معدلات الفقر، وتآكلت قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية … .
وتبرز هنا معضلة مزدوجة: فبينما يرى جزء من المجتمع الشيعي أن خيار المقاومة شكّل وسيلة لحماية لبنان وردع الاعتداءات، يرى آخرون أن استمرار المواجهة المفتوحة يعرّض مناطقهم لدورات متكررة من الدمار والنزوح، ويضعهم تحت ضغط اقتصادي وأمني دائم .
إن أخطر ما في هذه المعادلة هو أن المجتمع المدني يجد نفسه عالقاً بين نارين: نار المواجهة العسكرية، ونار الحسابات السياسية الإقليمية والدولية… ؛ وفي كل مرة تتصاعد فيها الأزمة، يكون المدنيون أول من يدفع الثمن واخر من تُسمع أصواتهم… ؛وفي خضم هذه الظروف القاسية، يتجدد السؤال الكبير: إلى متى سيبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة للصراعات؟!
وإلى متى سيبقى سكانه رهائن دورات العنف المتكررة؟!
**عسكرياً، تعتمد إسرائيل في كثير من عملياتها على الضربات الجوية والاستهدافات الدقيقة لمواقع أو قيادات مرتبطة بالحزب… ؛ إلا أن هذه العمليات غالباً ما تمتد آثارها إلى البيئة المدنية المحيطة، سواء عبر تدمير البنى التحتية أو إلحاق الضرر بالمنازل والقرى… , بل ان الكيان يتعمد تدمير البنى التحتية للمنطقة ؛ وفي المقابل، يرى الإسرائيليون أن هذه العمليات تأتي في إطار مواجهة تهديدات أمنية على حدودهم الشمالية .
وفي خضم هذه المعادلة الصعبة، يبقى المدنيون في الجنوب اللبناني الحلقة الأضعف… ؛ فالحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو العمليات العسكرية، بل أيضاً بحجم الخسائر الاجتماعية والإنسانية التي تتركها في حياة الناس اليومية: منازل مدمرة، مدارس مغلقة، اقتصاد محلي مشلول، وأجيال تنشأ في ظل أجواء التوتر الدائم … ؛ فأحيانا يكون الانتصار في السلم اوفي تجرع مرارة التنازلات الاقل ضررا .
**إقليمياً، تتقاطع الأزمة اللبنانية مع شبكة معقدة من الصراعات في الشرق الأوسط… ؛ فكل تصعيد بين إسرائيل وحزب الله قد يتحول إلى جزء من مواجهة أوسع بين قوى إقليمية، الأمر الذي يزيد من خطورة الوضع ويجعل لبنان ساحة محتملة لتصفية الحسابات بين أطراف متعددة ؛ لاسيما وان الاوضاع بعد سقوط نظام بشار الاسد ازدادت خطورة على الطائفة الشيعية ؛ فهي محاصرة الان من عصابات الجولاني والحركات والفصائل الارهابية المرتبطة بالحكومة التركية والانظمة العربية الحاقدة .
**أما داخلياً، فإن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والسيادة من جهة، وضرورات الاستقرار الداخلي والتنمية الاقتصادية من جهة أخرى… ؛ فالمجتمع الشيعي، مثل بقية مكونات المجتمع اللبناني، يحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة تسمح بإعادة بناء الاقتصاد وتحسين الخدمات وتخفيف الهجرة المتزايدة بين الشباب .
رابعاً: التحليل السياسي – ثنائية السيادة والسلاح
منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، والتزام لبنان بتنفيذ القرارين 1559 و1701، دخل حزب الله في مرحلة دفاعية صعبة … ؛ و الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة نواف سلام، وبدعم من الرئيس جوزف عون، تتبنى خطاب “سيادة الدولة” و”احتكار السلاح”، وهو ما يعني عملياً الضغط على الحزب لنزع سلاحه جنوب الليطاني أولاً، ثم في كل لبنان ثانياً … .
لكن هذا الطموح يصطدم بواقع معقد… ؛ فحزب الله لا يزال يتمتع بثقة 85% من الشيعة، رغم كل الخسائر … ؛ كما أن 98% منهم يثقون بالجيش اللبناني، ما يعني أنهم يريدون معادلة مزدوجة: وجود مقاومة مسلحة تحمي الحدود، وجيش وطني يحمي الداخل… ؛ وهي معادلة تبدو مستحيلة في ظل الضغوط الدولية والإسرائيلية المتزايدة .
إسرائيل من جانبها لا تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار، وتواصل قصف ما تسميه “مواقع حزب الله” بين الحين والآخر، وتحتّل خمسة مواقع في الأراضي اللبنانية … ؛ وهي تهدد بتحويل جنوب لبنان إلى “خان يونس ثانية” كما اسلفنا ، ما يعني تدميراً ممنهجاً للقرى والمدن، وتهجيراً قسرياً للسكان، في إطار عقاب جماعي لا يميز بين مدني اعزل ومقاتل مقاوم …!!
خامساً: التحليل الاجتماعي – الشيعة ليست كتلة واحدة
ربما يكون التبسيط الأكبر في قراءة المشهد الشيعي هو التعامل معهم كـ”كتلة واحدة” متجانسة ؛ الا ان الواقع أكثر تعقيداً… ؛ فهناك تمايزات واختلافات وخلافات واضحة بين :
1-الموالون الأيديولوجيون: وهم من يرون في “المقاومة” عقيدة لا تقبل المساومة، وهم مستعدون للتضحية حتى النهاية .
2-المستفيدون من شبكات الحزب: وهم من يوالون طمعاً في الامتيازات والخدمات التي يوفرها الحزب لمناطق نفوذه .
3-الخاضعون لمنطق القوة: وهم من يسايرون الواقع القائم خوفاً من العواقب، وقد ينقلبون إذا تغيرت الظروف .
4-المعارضون الصامتون: وهم شريحة لا يستهان بها ويزداد عددها كلما ارتفعت وتيرة الازمات السياسية والمصاعب المعيشية والاضطرابات الامنية والنكبات العامة … ؛ وهي تفضل الابتعاد عن الحرب، وتركز على القضايا المعيشية والتنموية، لكنها لا تجهر بموقفها علناً بسبب الترهيب أو الضغوط الاجتماعية .
هذا التنوع يفسر ظهور تيار “معارضة شيعية” في السنوات الأخيرة، يطالب بمراجعة المناورات العسكرية السابقة، وتعزيز الثقة بالدولة، والتأكيد على هدنة دائمة مع إسرائيل، ورفض الارتباط المطلق بالمحور الإيراني … ؛ لكن هذه المعارضة تعاني من غياب المشروع البديل الواضح، واقتصار خطابها على “رد الفعل” تجاه الحزب، ما يجعلها أسيرة للثنائي الشيعي حتى في معارضته …!!
سادساً: التداعيات الإقليمية – مؤامرة التهجير وموقف العراق
ما يثير القلق أن التصريحات الإسرائيلية تتجاوز تهديدات القصف إلى مشاريع تهجير ممنهجة… ؛ فقد كشف بعض المراقبين والمختصين عن تصريحات لمسؤول عربي بأن “الهدف النهائي لإسرائيل هو نقل شيعة لبنان إلى العراق” . وبعض الصهاينة صرحوا علناً بضرورة ترحيلهم إلى العراق …!!
هنا يبرز موقف العراق كعامل حاسم… ؛ فخلال العدوان الأخير، سارعت الحكومة العراقية إلى فتح حدودها أمام النازحين اللبنانيين، وأعلنت استقبال نحو 5 آلاف لاجئ في غضون أيام، مع تقديم تسهيلات استثنائية … ؛ لكن هذا الموقف قوبل بانتقادات داخلية واسعة، إذ اتهمت الحكومة بازدواجية المعايير: لم تفعل الشيء نفسه مع مع بعض النازحين … .
كما أشار مراقبون إلى أن “حزب الله” اللبناني يعمل في قطاعات اقتصادية عراقية متعددة (مطاعم، مقاولات، طاقة، مصارف) عبر واجهات استثمارية، ما يثير مخاوف من تغلغل أجنبي تحت غطاء طائفي … ؛ ولعل قبول استقبال اللبنانين الشيعة يعني التواطئ مع الكيان لاحداث التغييرات الديموغرافية الباطلة والتي تستهدف وجود الشيعة في لبنان .
هذه المعطيات تضع العراق أمام مسؤولية كبرى: منع تحويل أراضيه إلى “خيار إسرائيلي بديل” لتصفية الوجود الشيعي في لبنان، مع الحفاظ على دوره الداعم للشعب اللبناني الشيعي في محنته .
سابعاً: أسئلة المصير – ماذا يريد شيعة لبنان؟
السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه اليوم: هل لا تزال البيئة الشيعية متمسكة بخيار المقاومة بنفس الزخم السابق؟
المعطيات المتضاربة لا تسمح بإجابة قاطعة… ؛ فمن ناحية، لا يزال الحزب يحتفظ بقاعدة جماهيرية واسعة، ويحظى بتأييد غالبية الشيعة في استطلاعات الرأي … ؛ ومن ناحية أخرى، تتصاعد التساؤلات الداخلية حول “فداحة الثمن” مقابل “النتائج المحققة”، خصوصاً بعد الاغتيالات الكبرى والدمار الهائل .
ربما يكون الوصف الأدق هو “ولاء ملتبس”: إخلاص لإرث التحرير والمقاومة، ممزوج بخيبة أمل من الإدارة السياسية والعسكرية، ورغبة جامحة في العيش بسلام واستقرار كباقي اللبنانيين … ؛ وهذا الالتباس هو ما يجعل مستقبل الشيعة في لبنان مفتوحاً على احتمالات متعددة .
وكذلك السؤال المطروح اليوم ليس فقط: من يدافع عن الشيعة في لبنان؟
بل أيضاً: كيف يمكن حماية المدنيين اللبنانيين جميعاً من دوامة الحروب المتكررة؟ وكيف يمكن للبنان أن يخرج من موقع الساحة المفتوحة للصراعات الإقليمية إلى موقع الدولة القادرة على حماية مواطنيها وتنمية مجتمعها؟
وهل يستطيع المجتمع الدولي والإقليمي أن يسهم في حماية المدنيين ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من العنف؟
تبقى هذه الأسئلة مفتوحة في ظل واقع إقليمي متقلب، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والعسكرية والطائفية والاقتصادية، لتجعل من قضية شيعة لبنان جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز حدود الطائفة والبلد، وتمتد إلى مستقبل الاستقرار في المنطقة بأسرها .
إن مستقبل لبنان، بكل طوائفه ومناطقه، مرتبط بالإجابة عن هذه الأسئلة الصعبة… ؛ فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي أو عسكري، لكنها في النهاية تترك آثارها الأعمق في حياة الشعوب التي تدفع ثمنها جيلاً بعد جيل .

خاتمة: الشيعة وحدهم في مواجهة العاصفة
إن مأساة شيعة لبنان ليست مجرد قضية طائفية أو سياسية ضيقة، بل هي جزء من أزمة أوسع يعيشها لبنان كله، حيث تتداخل الصراعات الإقليمية مع الانقسامات الداخلية، فتجعل البلاد عرضة للتوترات المتكررة .
ومع كل تصعيد جديد، يزداد الخوف من أن تتحول المواجهة المحدودة إلى حرب أوسع، حرب لا يعرف أحد حدودها ولا نتائجها، لكنها بلا شك ستترك آثاراً عميقة على المجتمع اللبناني بكل مكوناته .
ما يمر به شيعة لبنان اليوم ليس مجرد حلقة جديدة في مسلسل المعاناة، بل هو اختبار وجودي بكل معنى الكلمة… فهم يواجهون عدواً إسرائيلياً لا يفرق بين مدني ومقاتل، ويمارس عقاباً جماعياً تحت نظر العالم … ؛ فالمجتمع الدولي لاسيما الغربي صامت امام الجرائم الاسرائيلية أو متواطئ عبر تبريرها والدفاع عنها .
فضلا عن التحالفات الاقليمية والحسابات الدولية والضغوط الداخلية التي قد تضغط على المكون الشيعي او تضحي به في أي لحظة إذا تطلب الأمر صفقة كبرى .
لذا، فإن الواجب الإنساني والسياسي – والاواصر الدينية والمذهبية والقومية – يقتضي :
1-رفع قضيتهم في المحافل الدولية، وكشف المخطط الإسرائيلي لتهجيرهم وتفريغ جنوب لبنان من سكانه .
2-تنسيق الجهود مع الحكومة اللبنانية والقوى الدولية لضمان عودة آمنة للنازحين، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب .
3-تحذير السلطات العراقية من مخطط التهجير، وضرورة غلق الحدود بوجه أي محاولة لترحيل قسري، مع الاستمرار في الدعم الإنساني داخل الأراضي اللبنانية .
4-دعم التيارات الشيعية المعتدلة التي تسعى إلى مشروع وطني جامع، يفصل بين حق المقاومة المشروعة وواجب حماية المدنيين، ويحفظ للشيعة مكانتهم في لبنان دون وصاية خارجية .
فشيعة لبنان، الذين حملوا همّ الأمة وحدهم طويلاً، يستحقون أن تحملهم الأمة ولو لمرة… ؛ وإلا، فسيظل السؤال مفتوحاً على جرح لا يندمل: من للشيعة في لبنان إن خانهم الجميع، وطاردهم العدو، وتخلى عنهم الحليف؟!