تقرير صحيفة معاريف الإسرائيلية المضلل للرأي الإعلامي
إيهاب مقبل
نشرت صحيفة معاريف الإسرائيلية يوم أمس الأحد 8 مارس آذار الجاري تقريرًا بعنوان “الكشف عن قائمة أهداف إيران – إسرائيل ليست في الصدارة”، ادعت فيه أن بيانات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تكشف “صورة مفاجئة” مفادها أن “إسرائيل ليست الهدف الأول لإيران في المنطقة”. وبحسب ما ورد في التقرير، فإن ما سمته الصحيفة “جدول أهداف الحرس الثوري الإيراني” يظهر أن “دولًا خليجية، وعلى رأسها الإمارات، تعرضت لهجمات أكثر من إسرائيل”.
غير أن قراءة متأنية للتقرير تكشف سريعًا أنه ليس تحقيقًا صحفيًا موثقًا بقدر ما يبدو سردية إعلامية مبنية على التضليل الإعلامي المباشر مع استخدام أساليب إخفاء وإظهار البيانات بما يخدم أهداف السياسة الصهيونية: (أرقام غير قابلة للتحقق واستنتاجات سياسية مغلفة بلغة تحليلية). وفي واقع الأمر، يكشف هذا التقرير عن مشكلة أوسع تتعلق بكيفية توظيف الأرقام في الإعلام خلال الصراعات الإقليمية.
بداية مثيرة بلا أي مصدر
يفتتح التقرير العبري بالقول إن بيانات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من إيران تكشف “صورة مفاجئة”، وأن “إسرائيل ليست الهدف الأول في بنك الأهداف الإيراني”. هذه الجملة الافتتاحية تبدو وكأنها نتيجة دراسة استخباراتية عميقة، لكنها في الحقيقة تُطرح دون أي إشارة إلى مصدر البيانات.
فلا يذكر التقرير إن كانت هذه الأرقام صادرة عن جهاز استخبارات، أو مركز أبحاث، أو تقرير عسكري رسمي. كما لا يقدم أي وثيقة أو دراسة تدعم الادعاء. في الصحافة المهنية، لا يمكن تقديم استنتاج استراتيجي بهذا الحجم من دون توضيح مصدر المعلومات. أما في هذا التقرير، فإن القارئ يُطلب منه ببساطة أن يصدق الأرقام لأن الصحيفة قالت ذلك.
أرقام ضخمة بلا سياق
يذهب التقرير إلى أبعد من ذلك عندما يذكر أن إيران أطلقت 2981 صاروخًا وطائرة مسيّرة نحو عدة دول في الشرق الأوسط. الرقم يبدو مذهلًا، بل صادمًا، لكنه يطرح سؤالًا بسيطًا: متى حدث ذلك؟
التقرير لا يحدد إطارًا زمنيًا واضحًا لهذه الضربات. هل حدثت خلال الأسبوع الماضي؟ خلال اليومين الماضيين؟ بالأمس؟
كما لا يوضح إن كانت هذه الهجمات مباشرة من إيران أم من جماعات حليفة لها في المنطقة.
الأخطر من ذلك أن مثل هذا الرقم كان سيعني عمليًا أن المنطقة شهدت حربًا صاروخية واسعة النطاق. ومع ذلك، لا توجد تقارير مماثلة من مؤسسات دولية معروفة مثل الأمم المتحدة أو منظمات مستقلة توثق هذا الحجم من الهجمات. وهذا الغياب يطرح شكوكًا جدية حول دقة الأرقام التي قدمتها الصحيفة.
الإمارات في الصدارة.. ادعاء يصطدم بالواقع
أكثر ما يثير الاستغراب في التقرير هو الادعاء بأن “الإمارات العربية المتحدة كانت الهدف الأكبر للهجمات الإيرانية”، حيث زعم التقرير أنها تعرضت لـ 1276 هجومًا، أي ما يقارب نصف الضربات المذكورة.
هذا الادعاء لا يصمد أمام أبسط اختبار منطقي. فلو تعرضت دولة مثل الإمارات لهذا العدد من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، لكان ذلك قد تحول إلى أزمة إقليمية كبرى تتصدر نشرات الأخبار العالمية لسنوات. كما أن البنية التحتية الحيوية في البلاد لم تشهد مستوى الدمار الذي يوحي به هذا الرقم.
بعبارة أخرى، إما أن الأرقام مبالغ فيها بشكل كبير، أو أن الصحيفة قامت بخلط أحداث متفرقة ومتباعدة زمنيًا لتكوين صورة درامية لا تعكس الواقع.
إعادة ترتيب الخطر لصالح سردية سياسية
يضع التقرير الكيان الصهيوني في المرتبة الثانية ضمن قائمة الأهداف، مع 600 هجوم فقط. هذا الترتيب ليس مجرد رقم، بل يحمل دلالة سياسية واضحة. فالرسالة الضمنية هنا هي أن “إيران لا تستهدف إسرائيل وحدها، بل أن الخطر الإيراني يهدد المنطقة بأكملها وربما الخليج أكثر من إسرائيل نفسها”.
المشكلة أن التقرير لا يوضح طبيعة هذه الهجمات: هل هي هجمات مباشرة من إيران؟ أم عمليات نفذتها جماعات مرتبطة بها في مناطق مختلفة؟
هذا الخلط بين الهجمات المباشرة وغير المباشرة يؤدي إلى تضخيم الصورة وإنتاج إحصاء مضلل يخدم سردية سياسية محددة.
الكويت والقواعد الأمريكية.. فرضيات بلا دليل
يمضي التقرير إلى الادعاء بأن الكويت تعرضت لـ 500 هجوم، ويرجح أن الهدف كان ضرب قواعد أمريكية. هذه الفرضية تُطرح وكأنها تحليل عسكري، لكنها في الحقيقة تخمين غير مدعوم بأي دليل.
لو تعرضت قواعد أمريكية في الكويت لمئات الهجمات، لكان الرد العسكري الأمريكي فوريًا وواسع النطاق. كما كانت واشنطن ستعلن عن ذلك بوضوح، وهو ما لم يحدث.
الأرقام كأداة سياسية وإعلامية للتضليل
قد يخدم نشر أرقام تُظهر أن دول الخليج هي الهدف الأول للهجمات الإيرانية عدة أهداف سياسية وإعلامية محتملة. فهي تعمل على:
1. تعزيز الشعور بالخطر المشترك بين دول المنطقة وتشديد فكرة تهديد إيراني شامل.
2. تبرير تحالفات أمنية إقليمية، بما في ذلك إنشاء شبكات دفاع جوي مشتركة في الشرق الأوسط لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة.
3. الضغط على دول الخليج لاتخاذ موقف أوضح بشأن تحالفاتها الإقليمية والسياسية.
4. التأثير على الرأي العام في المنطقة، بحيث يُنظر إلى الصراع على أنه تهديد جماعي وليس محدودًا بالكيان الصهيوني فقط.
هذه التحليلات تظهر كيف تتحول الأرقام والإحصاءات الإعلامية إلى أدوات سياسية قبل أن تكون معلومات دقيقة، مما يجعل التقرير أكثر من مجرد نقل للحقائق، بل جزءًا من لعبة سردية استراتيجية.
توسيع دائرة التهديد
بعد ذلك، يسرد التقرير قائمة طويلة من الدول التي قيل إنها تعرضت لهجمات، مثل البحرين، السعودية، الأردن، قطر، العراق، عُمان، قبرص، أذربيجان، وتركيا. وهنا تتضح الرسالة الضمنية للتقرير: (أي دولة في المنطقة تستضيف قوات أجنبية أو تتعاون مع “المحور المعتدل” قد تصبح هدفًا مباشرًا للهجمات الإيرانية).
بمعنى آخر، التقرير لا يقدم تل أبيب كهدف وحيد أو يشير إلى أنها الوحيدة المتضررة، بل يسعى إلى تضخيم صورة التهديد الإقليمي الشامل، بحيث يبدو أن كل دول الخليج والدول المجاورة معرضة للخطر بنفس القدر أو حتى أكثر من الكيان الصهيوني. الهدف من هذا الطرح هو إعادة توزيع الخطر بطريقة تخدم سردية سياسية: تصوير إيران كتهديد شامل لكل المنطقة وليس فقط للكيان الصهيوني، وتعزيز فكرة الحاجة إلى تحالفات دفاعية مشتركة، وخلق شعور بالخطر المشترك بين الدول المستهدفة.
من البيانات إلى الرسائل السياسية
في نهاية التقرير، تنتقل الصحيفة من عرض الأرقام إلى تقديم استنتاج سياسي واضح: “إيران تعتبر كل دولة تستضيف قوات أجنبية هدفًا مشروعًا”.
هنا يتضح التحول الكامل في طبيعة المادة المنشورة. فبعد سلسلة من الأرقام غير الموثقة، تقدم الصحيفة رسالة سياسية صريحة حول طبيعة الصراع في المنطقة.
وبذلك يتحول التقرير من مادة صحفية يفترض أن تنقل معلومات إلى أداة خطاب سياسي تستخدم لغة الأرقام لإضفاء مصداقية على استنتاجات مسبقة.
خلاصة: تقرير دعائي مضلل أكثر منه تحقيقًا صحفيًا
عند قراءة تقرير معاريف بتمعن، يتضح أنه يعاني من مجموعة من المشكلات الجوهرية:
1. أرقام ضخمة بلا مصدر واضح.
2. غياب الإطار الزمني.
3. خلط بين أنواع مختلفة من الهجمات.
4. استنتاجات سياسية تُعرض وكأنها نتائج تحليل بيانات.
والنتيجة النهائية ليست تحقيقًا صحفيًا موثقًا، بل سردية إعلامية تحاول إعادة رسم خريطة التهديد في الشرق الأوسط بطريقة تخدم خطابًا سياسيًا معينًا.
في زمن تتداخل فيه المعلومات مع الدعاية، يصبح من الضروري قراءة مثل هذه التقارير بقدر كبير من الحذر، لأن الأرقام قد تبدو دقيقة ومقنعة، لكنها في غياب الشفافية والمنهجية قد تتحول بسهولة إلى أداة لصناعة الوهم أكثر من كونها وسيلة لكشف الحقيقة.
مصدر التقرير العبري في صحيفة معاريف الإسرائيلية:
https://www.maariv.co.il/news/military/article-1293488
انتهى