التطرف وجرائم البعث عن المركز العراقي للتوثيق (ح 1)

د. فاضل حسن شريف

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف للدكتور حسين الزيادي أهمية الذاكرة البصرية في توثيق جرائم البعث – مسلسل (اسمي حسن) أنموذجاً: القيمة الاعتبارية للذاكرة البصرية: ربما يعتقد البعض أن الذاكرة البصرية للمأساة تعيد إنتاج الوجع، وهو أمر لا مجال له من المصداقية، لأن الفن يعيد صياغة التاريخ في قالب جمالي يجعل من القمع مادة للتأمل والاعتبار، ليكون عهداً وثيقاً بين الماضي والمستقبل، وبدون هذه الذاكرة البصرية، تظل المآسي مهددة بالنسيان أو التحريف، وكثيرة هي المآسي وقصص الألم التي عاناها العراقيون في ظل حكم قمعي تسلطي، الأمر الذي يستوجب على العراقيين توثيقها على شكل أفلام ومسلسلات وقصص ونُصب ولوحات لتترسخ في ذاكرة الأجيال. العدالة في ظل الذاكرة البصرية: تحويل حقبة حكم نظام البعث في العراق إلى ذاكرة بصرية ليس مجرد توثيق تاريخي، بل هو عملية عدالة بصرية تهدف إلى استعادة ملامح الضحايا، ومنع تكرار المأساة، فضلاً عن كونه يجعل من الألم العراقي لغة عالمية يفهمها الجميع ويمكن تصديرها للآخرين، فالمأساة العراقية لم تكن حدثاً عابراً، بل كانت نسقاً طويلاً من الموت الممنهج. الأحداث البصرية المؤهلة للتوثيق البصري: إنّ اتساع رقعة الأحداث التي مر بها العراق، يضعنا أمام مسؤولية تاريخية لاستنطاق تلك الوقائع وتحويلها إلى ذاكرة بصرية حية، ذاكرةٍ تعصم الحقيقة من التآكل، وتصونها من براثن التشويه والنسيان، ولاشك إنّ هذه المادة التاريخية، بما تحمله من وهج البطولات وعمق النكبات، تمثل كنزاً توثيقياً لا ينضب، وهي تستصرخ الفنّ ليحيلها إلى شواهد مرئية تضمن بقاء الرواية صادقة، لتروي للأجيال القادمة حكاية وطنٍ لم يُمحَ من وجدان الصورة مهما اشتدت عليه المحن ومن هذه الأحداث التي تعد مادة خاماً للأعمال الفنية نذكر منها: 1- عمليات الأنفال 2- جريمة حلبجة 3- المقابر الجماعية 4- الانتفاضة الشعبانية 1991 ٥- إعدامات صلاة الجمعة 1999 6ـ التعذيب والتغييب القسري. ولا يقتصر التوثيق البصري على الدراما التلفزيونية على الرغم من أهميتها فهناك النُّصب التذكارية وتحويل السجون إلى متاحف بصرية (الذاكرة المكانية)، فضلاً عن الجانب القصصي والروائي.

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف للدكتور ناجي الفتلاوي الذاكرة ضد الاستبداد: تأملات في جرائم البعث ومعنى العدالة التاريخية في العراق: ولم تكن الأقليات الدينية والقومية بمنأى عن هذه السياسات، فالدولة الشمولية بطبيعتها تميل إلى إنتاج هوية أحادية وترى في التنوع تهديداً لسلطتها المركزية، ولهذا تعرضت مكونات عديدة من المجتمع العراقي لسياسات التمييز والتهجير والضغط الأمني، إن خسارة العراق لجزء من تنوعه الديني والثقافي لم تكن مجرد خسارة ديموغرافية بل كانت أيضاً خسارة حضارية لأن التنوع كان دائماً أحد مصادر غنى الهوية العراقية عبر التاريخ، اما المعارضون السياسيون والمثقفون والوطنيون الذين رفضوا الانصياع لمنطق السلطة فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة دولةٍ ترى في الاختلاف جريمة،ففي الأنظمة الشمولية يصبح مجرد التعبير عن رأيٍ مختلف فعلاً محفوفاً بالمخاطر وتتحول أجهزة الأمن إلى أدوات لضبط المجتمع عبر الخوف ومن هنا تشكلت في العراق آنذاك ثقافة عامة قائمة على الصمت والارتياب حيث أصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية، وأصبح السجن والمنفى مصيراً متكرراً لكل من يحاول كسر احتكار السلطة للحقيقة، إن استحضار هذه الوقائع اليوم لا ينبغي أن يُفهم بوصفه استدعاءً للماضي بدافع الانتقام بل بوصفه ضرورة أخلاقية ومعرفية، فالمجتمعات التي تتجاهل مآسيها تفقد القدرة على فهم تاريخها وبالتالي تفقد القدرة على حماية مستقبلها ولهذا تكتسب عملية توثيق الجرائم وفتح المقابر الجماعية والاستماع إلى شهادات الضحايا أهمية تتجاوز البعد القانوني لتصل إلى مستوى الوعي الحضاري فالتوثيق هنا ليس مجرد جمعٍ للوثائق بل هو بناء لذاكرة جماعية تمنع النسيان وتضع حدوداً أخلاقية واضحة أمام عودة الاستبداد، إن التاريخ في النهاية ليس مجرد سجل لما حدث بل هو أيضاً مرآة لما يمكن أن يحدث، فحين تفقد الدولة توازنها بين السلطة والعدالة وحين تتحول القوة إلى أداة لإلغاء الإنسان يصبح الاستبداد احتمالاً دائماً ولهذا فإن الوعي بالماضي بكل ما فيه من مآسٍ ودروس يظل شرطاً ضرورياً لبناء مستقبل مختلف، ان الذاكرة في معناها العميق، ليست عودةً إلى الألم بقدر ما هي دفاعٌ عن الكرامة الإنسانية، فالأمم التي تحفظ ذاكرة ضحاياها لا تفعل ذلك لتعيش في الماضي بل لتؤكد أن الإنسان مهما تعرض للظلم يظل قادراً على تحويل معاناته إلى وعيٍ أخلاقي يحمي المستقبل من تكرار المأساة.

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف للدكتور رائد عبيس جرائم نظام البعث في العراق في تقارير منظمة العفو الدولية (قتل الأطفال وتعذيبهم): ذكرت منظمة العفو الدولية في أحد تقاريرها نماذج عما تقدم من انتهاكات بحق الطفولة في العراق، مثل: (315) طفلاً تم اختفاؤهم قسراً. (17) طفلاً من الذين اختفوا أثناء الحجز. (12) طفلاً من عائلة الحكيم احتجزوا منذ عام 1983. (31) طفلاً دون الثامنة عشرة من عمرهم اعتقلوا، وذُكِرَ أنهم أعدموا. (14) طفلاً من المختفين من عشيرة بارزاني. (3) أطفال من عائلة واحدة من بيت الحكيم. عشرات الأطفال تم تسميمهم بالثاليوم. المئات من الذين استشهدوا بالعمليات الكيمياوية في حلبجة عام 1988. المئات من الأطفال الذين أبعدوا وسفروا إلى إيران، وظهرت لهم صور وهم في مستشفيات ومعسكرات اللجوء في إيران. المئات من الأطفال الذين أبعدوا إلى تركيا، ظهرت لهم صور وهم في معسكرات اللاجئين.

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف للدكتور حسين الزيادي: الاضطهاد السياسي والتطهير المؤسسي في ظل نظام البعث -قراءة في وثائق رسمية: الوثيقة المرفقة ربطاً تحمل نوعين من الانتهاك، فهناك اضطهاد سياسي يقوم على أساس رفض الرأي الآخر، ويقابل ذلك إجراء تنفيذي تعسفي يحمل بعداً عقابياً، الجهة المصدرة للوثيقة المرفقة هي وزارة الدفاع – مديرية إدارة الضباط، وموجهة إلى دائرة التقاعد تحمل العدد 8194 في 14/11/1982، وعنوان الوثيقة هو: الرائد المطرود – بحسب تعبير الوثيقة – فرات حسين مطلك، ويبدو أن الوثيقة جاءت رداً على كتاب دائرة التقاعد المرقم 60425، ويظهر أن دائرة التقاعد تستفسر عن الرائد المطرود فأجابتها مديرية إدارة الضباط أن المومأ إليه طرد من الجيش لتأثره بإعدام شقيقه المجرم المقدم علي حسين مطلك المنتمي إلى حزب الدعوة، ويظهر من الوثيقة أنها لا تتحدث عن فعل عسكري مخالف للرائد المطرود، ولا عن خرق انضباطي محدد، أو جريمة جنائية مثبتة، بل تتحدث عن وصف ذهني للحالة الفكرية والعاطفية للشخص، ومن هنا يتضح أن هناك مجالات مهمة لانتهاك حقوق الإنسان في الوثيقة: أولاً- اضطهاد على أساس الرأي السياسي: يظهر من خلال الوثيقة أن هناك انتهاكاً صريحاً يقوم على أساس الرأي، أو الاتجاه السياسي، فالوثيقة تؤكد أن شقيق الرائد المطرود قد أعدم لانتمائه إلى حزب الدعوة، وهذا في حد ذاته انتهاك لحرية الرأي السياسي، وهذا يدخل ضمن نطاق التصفية السياسية للرأي المعارض، لأنه استهداف للأشخاص بناءً على معتقداتهم السياسية، ومما يجعل هذا الانتهاك فريداً من حيث بشاعته وقسوته أنه صدر بأثر رجعي، وهو بذلك يخالف المبدأ القانوني العالمي: (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا يسري القانون على ما وقع في الماضي)، وأنه يعارض المادة (18) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تنص على أن لكل إنسان حرية الفكر والوجدان والدين، وكذلك المادة (19) التي تعطي الحماية المطلقة للرأي وحرية التعبير، وهو حق لا يقبل الاستثناء فلا يجوز تجريم شخص بناءً على آرائه التي تخالف السلطة، أو النظام، أما المادة (29) فهي تدعو للمساواة أمام القانون، وتحظر الاضطهاد بكل أنواعه. ثانياً: التدبير الإداري التعسفي: يتضح جلياً من الوثيقة المرفقة أن الاضطهاد السياسي تمت مواجهته بتدبير إداري تعسفي ذي طابع عقابي، فالمومأ إليه موضوع الكتاب وهو الرائد فرات حسين مطلك قد طُرد من الجيش لا لذنب، أو لأي فعل مخالف لتعليمات السلك العسكري، ولا لجريمة جنائية مثبتة، بل لأن الأخير- تأثر – بإعدام شقيقه المجرم المقدم علي حسين مطلك المنتمي إلى حزب الدعوة (على حد تعبير الوثيقة)، وهذا الانتهاك يدخل ضمن ما يسمى سياسة التطهير المؤسسي، وهي سياسة اتبعها النظام بدقة خلال مدة استلامه للسلطة، وهذه السياسة تقوم على أساس عقيدة الولاء المطلق بغض النظر عن الأداء أو الكفاءة. ثالثاً- عقوبة خارج نطاق القضاء العسكري: الطرد جاء بناءً على أوامر تنفيذية، وهذا يعد عقوبة خارج القضاء العسكري بوصف المطرود ضمن دائرة عسكرية، وبطبيعة الحال، فإن إصدار قرار إداري تنفيذي بهذا الواقع يعد انتهاكاً للحق في محاكمة عادلة، مع غياب تام لحق الدفاع، وحق المواجهة، وحق الطعن، وعلنية الإجراءات. التوظيف السياسي لادعاء النسب العلوي في ظل نظام البعث: حاول نظام البعث جاهداً الربط بين السلطة السياسية والرمزية الدينية من خلال تزوير الأنساب وتحريفها، فقد انتحل هرم السلطة في نظام البعث اللقب الهاشمي الشريف، وأعلن انتماءه إلى الدوحة العلوية المقدسة، وانتسابه إلى سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام)، وأدى إعلام النظام دوراً كبيراً في ترسيخ هذا التزوير من خلال الشعارات والأناشيد والقصائد من قبيل: صدام يزور جده الحسين، من الحسين إلى صدام كربلاء تنهض من جديد، ابن الحسين يزور جده علي بن أبي طالب. السياق التاريخي وأهداف تزوير النسب: في بدايات استيلاء نظام البعث على السلطة في العراق، كانت الأيديولوجيا القومية العلمانية هي السائدة، ولم يكن للنسب الديني دور في الخطاب السياسي، بل كان هناك منع من ذكر الألقاب والأنساب، إلا أن التحول الجذري بدأ بعد عام 1979، وتصاعد في التسعينيات من القرن الماضي، وجاء إعلان الانتساب لآل البيت (عليهم السلام) لخدمة أهداف حزبية محددة: مواجهة الشرعية الدينية الإقليمية: خاصة بعد الثورة الإسلامية في إيران، إذ سعى النظام لإيجاد شرعية عربية في مواجهة الشرعية الإيرانية. استمالة القاعدة الشعبية في العراق: محاولة لكسب ود الوسط والجنوب العراقي من خلال الرابطة النسبية مع الأئمة. 3- إضفاء شرعية دينية على حكم هرم السلطة في العراق. 4- تعزيز مكانة هرم السلطة في النظام بوصفه قائداً يمتلك جذور ضاربة في التاريخ الإسلامي.