التطرف وجرائم البعث عن المركز العراقي للتوثيق (ح 2)

د. فاضل حسن شريف

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف للدكتور رائد عبيس جرائم حزب البعث في العراق في تقارير منظمة العفو الدولية “السجناء السياسيون”: تمثل العنف السياسي في العراق بصور متعددة، لا تقل إحداها عن الأخرى في كونها جزءاً من التكوين الرمزي والعنفي للتطرف، لأنه يأتي في سياق التأثير البيئي والثقافي والأخلاقي وحتى الديني، فالعنف السياسي يأتي متأثراً بهذه العوامل الرئيسة من هوية الشخصية العراقية، فضلاً عن المؤثرات الأيديولوجية التي يتأثر بها والممارسات التي يقوم بها كتطبيقات عملية لطبيعة النشاط السياسي الذي يتلقاها كأن يكون مستورداً، أو ناشئا على وفق امتدادات سياسية خارجية. فالسياسة العراقية اقترن بها العنف السياسي وخلت من تجارب التبادل السلمي للسلطة، والتنازلات الحرة، فوقعت في دائرة الصراع الدموي والإزالة، والتهديد الوجودي لأي خصومة سياسية، وترسيخ ثقافة الإلغاء والتهميش مما أنتج لنا “سلطة الثلة ” التي ينتهي لها الحل والعقد، ومصادرة جميع الآراء داخل التكوين السياسي، وخلق ثقافة التبعية السياسية الصماء، وثقافة الطاعة، ولم تخلُ أي تجربة سياسية في العراق منذ الملكية وإلى اليوم عن هذه الخصائص، سواء كانت على مستوى سلطة، أو على مستوى حزب، أو تشكيل سياسي ! مثل: مجلس قيادة الثورة. رصدت منظمات دولية مثل هذا العنف السياسي الذي احتكره الأفراد الطامعين بالسلطة، أو السلطة التي كونها هؤلاء الأفراد، كنموذج تكوين حزب البعث الذي انتهى بالمعارضين لهم بالسجون، والاعتقالات، والتعذيب، والاحتجاز التعسفي، والتغييب، وغيرها من النتائج التي خلفت ذاكرة سلبية قمعية عن الفاعلية السياسية، والنشاط السياسي، في تشكيل الحكومات وفرض الأنظمة. وخلفت قناعة تامة بضعف التطبيق القانوني التشريعي والعقابي في العراق منذ ذلك التأريخ على مستوى الحقوق العامة للمواطنين. بينما تفرض الحكومة والسلطة سيطرتها، ففرض السلطة المقترن بالقوة لا يعني تطبيق القانون ومن يظن ذلك فهو واهم، فكثير من الأفراد لا يفرقون بين قوة السيطرة وإلزام القانون، بينما في الحقيقة تطبق السلطة القانون الذي يفرض سيطرتها ويزيدها قوة، لذلك يشعر المجتمع أن هناك دولة قوية وسلطة قوية. بينما يرى المثقف الواعي الواقع النقيض فيقع الصراع بين طبقة المثقفين والسلطة.

عن المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف التوظيف السياسي لادعاء النسب العلوي في ظل نظام البعث: آليات صناعة النسب (المشجرة المصنوعة): أدى خير الله طلفاح محافظ بغداد آنذاك، وخال صدام دوراً مهماً في تزييف الأنساب، إذ نشرت مجلة ألف باء شجرة نسب مزورة لهرم السلطة في العراق عام 1980، إذ قام الأخير بإحضار السادة الرفاعية الذين يعود نسبهم إلى أحمد الرفاعي الذين يسكنون في مناطق قرب منطقة العوجة، ولهم في تكريت تكية للذكر والدروشة، وتحت الضغط والتهديد سلموه شجرة نسبهم ليضيف اسم البيجات إلى جد جديد أضافه إلى أجدادهم، وجعل البيجات يتفرعون من ذلك الجد، وبعد ذلك أصدر النظام (مشجرات) رسمية موثقة بختم الدولة، ونُشرت في الكتب المدرسية والمؤسسات الحكومية لتثبيتها بوصفها حقيقة تاريخية لا تقبل الجدل، وقد اعتمد النظام في إثبات النسب على لجنة من النسابين والمؤرخين الذين باركوا النسب تحت التهديد والترغيب، وطمعاً في إطلاق سراح أقاربهم وأبنائهم الذين كانوا في سجون النظام، وعموماً فإن كل تلك الأعذار لا تجيز تأييد النظام في افتراءاته، لأن في ذلك تعدياً على مقام أهل البيت عليهم السلام. موقف الحوزة الدينية: وقفت الحوزة الدينية في النجف الأشرف موقفاً صلباً رافضاً لهذا الافتراء، فقد نقل عن السيد أبي القاسم الخوئي (رحمه الله) قوله: إنهم لا يخجلون بالأمس أرسلوا لي أحد النكرات وبيده كتاب عنوانه: (النجوم الزواهر في شجرة الأمير ناصر)، كله افتراءات وأكاذيب، يزعم هذا الكتاب أن صداماً وخير الله طلفاح وغيرهما ينتسبون إلى بيت النبوة! لقد قدم لي هذا الشخص (شجرة) مرتبكة الأغصان، وطلب مني أن أباركها، ومقابل ذلك ترك لي (تقدير الثمن)، وهكذا رفض السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله بشكل قاطع إضفاء أي شرعية علمية أو شرعية دينية على هذه الادعاءات، وهذه القصة ذكرها بتصرف نواف الزيدان خلال مقابلة تلفزيونية. النقد العلمي والتاريخي: واجهت هذه المشجرة انتقادات علمية واسعة من نسابين مستقلين ومؤرخين، استندت إلى الآتي: الانقطاع الزمني: افتقار المشجرة لأسماء وسيطة موثقة تاريخياً تربط بين الأجداد القريبين والفروع العلوية في الحجاز أو النجف. التناقض مع الموروث العشائري، إذ لم يسبق لصدام قبل السبعينيات أن ادعى هذا النسب، ولم يجرأ أحد على ذلك من عائلته وعشيرته. من غير المنطقي أن يدعي صدام وخاله خير الله طلفاح انتماءه العلوي، وهو يحارب أتباع أهل البيت عليهم السلام، وينتقدهم ويقتل علماءهم، حتى أن الأخير كان يجاهر بأفكاره المعادية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، ويتهم الشيعة بأنهم فرس. إن هذا الادعاء يتعارض مع موقف المستشرقين، ومنهم البريطاني جاك ديمبسي في كتابه الصقور: السياسة البريطانية لنزع سلاح عشائر الفرات الأوسط قبل ثورة 1920 الكبرى وبعدها، وهذا المؤلف يُستشهد بكتابه لإثبات الأصل الاجتماعي والجغرافي لعشائر المنطقة، وموقف المؤلف محايد تاريخياً، لأنه كتب ملاحظاته قبل استلام النظام للسلطة، وقبل اختراع شجرة النسب الهاشمي، لذا يُستخدم كتابه دليلاً ضد ادعاءات النسب، لأن المؤلف لم يذكر قط أي جذور هاشمية أو علوية لهذه العشائر، بل صنفها ضمن العشائر العربية المحلية ذات الطابع القروي. هناك تناقض كبير بين النسابين والمؤلفين الذين وثقوا النسب، ومنهم خاشع المعاضيدي الذي أضاف اسم سليمان ضمن أجداد صدام، في حين لم يذكر الآخرون هذا الاسم. إن العائلة الرفاعية تنكر وجود ابن للحسين العراقي يدعى ناصر الذي تنتسب عشيرة آل ناصر، إذ لم يرد في كتب الأنساب الخاصة بالعائلة أن لحسين العراقي ابناً يدعى ناصر، وفي الحقيقة فإن ناصر هو كما ذكره النسابون: ناصر بن مقن بن مصعب بن قيان بن مقبل بن سنجر بن عبادة. إن واقع العائلة لا يدعم كون صدام من أصل علوي، أو حتى من أصل عربي، فالعائلة تشتهر بالشقاق والصراع، إذ يطغى منطق الدم والغدر على روابط القربى، وتاريخ العائلة حافل بالاغتيالات والنزاعات الداخلية والتصفيات الجسدية، وقد نفت رغد ابنة صدام الأصول البيكوية عن عائلتها بأسلوب ضمني، إذ قالت في مقابلة تلفزيونية موثقة: (إن جل ما كان يحلم به أعمامها أن يكون أحدهم معلماً).

ويستطرد الدكتور حسين الزيادي الباحث الموثق لجرائم التطرف قائلا: الاضطهاد السياسي والتطهير المؤسسي في ظل نظام البعث -قراءة في وثائق رسمية: التعقيب القانوني لكلمة (تأثره) مصطلح التأثر الذي تم في ضوئه طرد الرائد فرات حسين مطلك هو أخطر ما موجود في الوثيقة من الناحية القانونية، فالوثيقة بحسب المتن تحاسب على ما يسمى بـ (التأثّر)، أي تجرم ما يدور في عقل الإنسان وباطنه، وليس على فعله المادي الملموس، والحالة الذهنية أو الفكرية محمية حماية مطلقة في الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، ومصطلح التأثر هو مصطلح نفسي غير قانوني، فضلاً عن كونه غير قابل للقياس وغير قابل للإثبات الجنائي، والقانون الجنائي لا يعاقب على المشاعر والأفكار والانطباعات، لأن ذلك مخالفاً لأبسط مبادئ العدالة، ويفتح باب التعسف المطلق لأي شخص يمكن اتهامه بأنه تأثّر بأفكار معينة، أو تعاطف مع أفكار معينة، وهو ما يتعارض جوهرياً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المواد (18) و (19)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المواد (14) و(18) و(19) التي تكفل حرية الفكر والرأي وتحظر معاقبة الأفراد على قناعاتهم أو ميولهم السياسية المفترضة، ولاسيما أن تلك الميول والاتجاهات لم تترجم إلى عمل مادي أو تصرف سلوكي. انتهاك شخصية العقوبة: إن معاقبة الشخص بالطرد من الخدمة العسكرية استناداً إلى إعدام شقيقه يمثل انتهاكاً لمبدأ شخصية العقوبة، الذي يُعد من المبادئ الأساسية في القانون، فالمسؤولية الجنائية لا تبنى على روابط الدم أو القرابة، وفحوى هذا المبدأ أنه: لا يُسأل إنسان، ولا يعاقَب، إلا عن فعلٍ ارتكبه هو شخصياً وبإرادته الحرة، وهذا مبدأ راسخ في القانون الجنائي، ومنصوص عليه ضمنياً وصراحةً في: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة (11)، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية في المادة (14)، والقواعد العامة للقانون لا تجيز تحميل الفرد تبعات أفعال لم يرتكبها، ويشكل هذا الإجراء صورة من صور العقوبة الجماعية المقنعة، واستخدام القرابة العائلية بوصفها قرينة إدانة، يكشف نمطاً من الاضطهاد يقوم على الانتماء العائلي. الآثار الاجتماعية: الطرد من الخدمة العسكرية لا يمثل إجراء إدارياً فقط، بل يترتب عليه آثاراً اجتماعية واقتصادية ونفسية بعيدة الأمد، لأن فقدان الوظيفة يعني فقدان الراتب والإضرار بالأسرة، فضلا عن فقدان الامتيازات والمنافع وفرص التوظيف، ويسهم في تفكيك الأسرة، كل ذلك دون حكم قضائي ودون ثبوت جرم، فضلا عن كون الطرد التعسفي يُعد عقوبة اجتماعية شاملة تُنتج وصماً دائماً. الوظائف المدنية والعسكرية: ربما يُشكك البعض بالنسبة للوظائف العسكرية ويعتبر أن لها خصوصية كونها تتعلق بأمن الدولة ويعطي عذراً للاستئصال الوظيفي، لكن الحقيقة التي أثبتتها الوثائق أن الاستئصال الوظيفي لا يشمل الوظائف والمناصب العسكرية، بل يمتد للوظائف المدنية بجميع أنواعها، بل حتى الوظائف البسيطة، وهذا ما يمكن ملاحظته من تحليل الوثيقة الثانية المرفقة ربطا التي تحمل العدد 32/م 4 فص 19/9/1979 والصادرة من وزارة الداخلية – مديرية الأمن العامة – والموجهة إلى وزارة الداخلية/ المكتب الخاص، والوثيقة مصنفة بوصفها سرية للغاية وشخصية، مما يعني أنها تحتوي على معلومات تمس أمن النظام السياسي آنذاك وتستوجب إجراءات فورية ومحددة، والوثيقة تتعلق بعائلة المعدوم قاسم حسن المبرقع، ويستنتج من تحليل الوثيقة أن هناك استهدافاً عائلياً (العقوبة الجماعية)، إذ يشير متن الوثيقة إلى رصد تحركات أفراد عائلة المبرقع في مدينة الثورة (الصدر حالياً)، والتهمة السياسية المستخدمة في الوثيقة هي: (علاقات مشبوهة بمناصرة أشخاص مناوئين للحكم الثوري) و (تحريض)، وهي تهم سياسية فضفاضة كانت تؤدي إلى عقوبات إدارية وقضائية صارمة دون الحاجة لإثباتات مادية على وفق المعايير القضائية، وهذا يظهر نهجاً أمنياً كان يعتمد على ملاحقة الأقارب بناءً على روابط الدم والقرابة، وليس فقط على الفعل الجرمي الشخصي. تُقدم الوثيقة نموذجاً صارخاً لما يُعرف بـالنفي الوظيفي، إذ إن نقل الموظفين من ذوي المعدوم قاسم حسن المبرقع وأصهاره من بيئاتهم المستقرة (بغداد، ميسان، بابل، واسط) إلى محافظات نائية (دهوك، أربيل، السليمانية) لا يستند إلى عذر مشروع أو مقتضيات المصلحة العامة، بل هو انحراف بالسلطة، ويعدّ هذا الإجراء فصلاً مقنعاً، إذ تُدرك السلطة الأمنية أن الفارق الجغرافي، واختلاف البيئة الاجتماعية، وصعوبة التنقل في تلك الحقبة، ستدفع الموظف حتماً إلى ترك الوظيفة، مما يؤدي إلى فقدان مصدر رزقه دون الحاجة لإصدار قرار فصل مباشر. الأبعاد القمعية للنفي الوظيفي: يمكن تلخيص أهداف هذا الإجراء وفقاً للوثيقة في النقاط الآتية: الاستئصال الاجتماعي: يهدف النقل إلى عزل الموظف عن حاضنته العائلية والاجتماعية في منطقته الأصلية، مما يسهل مراقبته أمنياً في بيئة جديدة وغريبة عنه. العقوبة الجماعية (عقوبة القرابة): الوثيقة لا تدين الأشخاص بناءً على أفعالهم، بل بناءً على صلة المصاهرة والقرابة، وهو انتهاك صارخ لمبدأ شخصية العقوبة المستقر في كافة القوانين السماوية والوضعية. التنكيل الاقتصادي: عبر وضع الموظف بين خيارين: إما القبول بنفي بعيد يشتت شمل عائلته، أو الاستقالة القسرية (ترك العمل) التي تؤدي إلى الحرمان المادي والتضييق المعيشي.