جديد

حين يتحوّل الوطن إلى عبء: كيف يصنع الظلم قطيعة بين الإنسان ودولته ؟

رياض سعد

مقدمة: سيكولوجيا القهر ومعادلة التحول العكسي
في العلاقة الطبيعية بين الدولة والمواطن، تقوم معادلة تقوم على التبادل الاجتماعي: ولاء المواطن مقابل حماية الدولة، وانتماؤه مقابل رعايتها، وحبه لوطنه مقابل كرامته وحريته… ؛ لكن هذه المعادلة تنعكس تماماً حين يختل التوازن،و حين تتحول الدولة من حامية إلى جالبة للضرر والاذى، ومن راعية إلى مصدر للقهر والظلم … ؛وهنا يحدث التحول النفسي الأكثر دراماتيكية في العلاقة بين الإنسان والوطن: حيث يتحول المواطن تدريجياً إلى عدو لدولته، بل ربما لوطنه نفسه…!!
ويصبح الخلاص بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو “التعاون مع الشيطان”، هو الهدف الأوحد…!!
فكيف يحدث هذا التحول؟!
وما هي الآليات النفسية والاجتماعية والسياسية التي تحول الإنسان الطبيعي إلى كاره لوطنه، بل وعامل على تقويضه؟!
نعم , ليست العلاقة بين الإنسان ووطنه علاقةً ميكانيكية تقوم على حدودٍ جغرافية أو شعاراتٍ سياسية فحسب، بل هي رابطة عميقة تتداخل فيها المشاعر والكرامة والعدالة والهوية والتمثيل السياسي والحريات الخاصة والعامة … الخ ؛ فالوطن في الوعي الإنساني ليس مجرد أرضٍ يُولد فيها الإنسان، بل فضاءٌ للأمان والعدل والاعتراف بإنسانيته… ؛ ولذلك فإن هذه العلاقة يمكن أن تتحول من حبٍ وانتماءٍ إلى نفورٍ ورفضٍ إذا امتلأت الحياة العامة بالظلم والقهر والفساد… ؛ وعندما تتراكم المظالم وتُغلق منافذ الأمل، قد يجد الإنسان نفسه – نفسياً واجتماعياً – في مواجهة دولته، لا بوصفها حاميةً له، بل بوصفها عبئاً ثقيلاً على حياته وكرامته … .
في التراث الإنساني الاسلامي العراقي كلمات قليلة تختصر تجارب أمم كاملة، ومن بين تلك الكلمات ما نُسب إلى الإمام علي بن أبي طالب: «الفقر في الوطن غربة»، وقوله أيضاً: «ليس بلدٌ بأحق بك من بلد، خيرُ البلاد ما حملك»… ؛ هاتان الحكمتان لا تتحدثان عن الجغرافيا بقدر ما تتحدثان عن الكرامة الإنسانية، فالوطن في نظر الحكماء ليس مجرد أرض الميلاد، بل الفضاء الذي يشعر فيه الإنسان بالأمان والعدالة وإمكانية الحياة الكريمة … .
حين قال الإمام علي إن الفقر في الوطن غربة، لم يكن يقصد الفقر بمعناه الاقتصادي الضيق فقط، بل حالة الحرمان الشاملة التي تجعل الإنسان عاجزاً عن الشعور بالانتماء الحقيقي إلى المكان الذي يعيش فيه… ؛ فحين يعجز الوطن عن صون كرامة أبنائه أو توفير الحد الأدنى من العدل والفرص، يبدأ شعور خفي بالتباعد بين الإنسان ودولته؛ تباعد يتحول مع الزمن إلى اغتراب نفسي، حتى وإن بقي الإنسان داخل حدود بلده .
أما الحكمة الثانية، «خير البلاد ما حملك»، فهي تعبير مبكر عن فكرة إنسانية عميقة مفادها أن قيمة الوطن تقاس بقدرته على احتضان الإنسان… ؛ فالمكان الذي يوفر الأمان والرزق والكرامة يصبح وطناً حقيقياً، حتى لو لم يكن مكان الميلاد… , وفي المقابل، قد يفقد الوطن معناه عندما يعجز عن حماية مواطنيه أو يثقل حياتهم بالظلم والعوز والقهر والجور والفقر .
من هذا المعنى العميق تنطلق فكرة هذه المقالة: كيف يمكن أن يتحول الوطن من ملاذ طبيعي للإنسان إلى عبء نفسي واجتماعي عليه؟!
وكيف يصنع الظلم، حين يستمر ويتراكم، قطيعة صامتة بين المواطن ودولته؟!
إن الهجرة المتزايدة، وتنامي الشعور بالاغتراب داخل المجتمعات، ليست مجرد ظواهر اقتصادية أو اجتماعية، بل هي في جوهرها تعبير عن خلل في العلاقة بين الإنسان والوطن .
فالوطن لا يُفقد حين يبتعد الإنسان عنه جغرافياً فقط، بل يُفقد أيضاً عندما يشعر الإنسان أنه لم يعد قادراً على العيش فيه بكرامة وحرية … ؛ وعند تلك اللحظة تحديداً تبدأ المسافة الحقيقية بين الإنسان ودولته، حتى لو بقيت الحدود كما هي على الخرائط .
إن انتشار الظلم والعنف والفساد لا يدمّر الاقتصاد أو السياسة فحسب، بل يضرب البنية النفسية للمجتمع… ؛ فالشعوب لا تثور على الأوطان، بل تثور حين تشعر أن الوطن قد اختُطف، وأن الدولة لم تعد تمثلها… ؛ وعندما تتحول السلطة إلى نظامٍ شموليّ يراقب تفاصيل الحياة الصغيرة ويعاقب حتى على الاختلافات البسيطة … ؛ عندها يحل الخوف محل الثقة والامان ؛ والاغتراب يحل محل الانتماء .

أولاً: التحليل السياسي – الدولة بوصفها آلة قهر
عندما يستبد الحاكم ويظل في السلطة لعقود طويلة، تتحول الدولة تدريجياً من مؤسسات إلى ملكية خاصة، ومن نظام سياسي إلى “نظام شمولي” … ؛ و هذا النمط من الحكم لا يكتفي بغياب الديمقراطية، بل يتوسع ليمارس وصاية شاملة على حياة المواطن، تصل في بعض النماذج الشاذة إلى “محاسبة الناس على انفاسهم واحاديثهم اليومية “، وكما حدث في أنظمة شمولية معاصرة مارست تفتيشاً دقيقاً للحياة الخاصة باسم الأمن القومي أو بذريعة حماية الحزب والثورة والسلطة … .
الأنظمة الشمولية والطائفية والعنصرية والمناطقية والفئوية – حسب توصيف الباحثين – هي أنظمة “استئثارية ذات قاعدة اجتماعية ضيقة، وتأسست واستمرت على نزعة عصبوية محدودة” … ؛ و هذه الأنظمة تتعامل مع التعددية المجتمعية كتهديد وجودي، فتلجأ إلى القمع الممنهج، وإلى ما أسماه الباحثون والمؤرخون قديما : ب “تشريع ولاية القهر والغلبة” ؛ كخطيئة تاريخية كبرى .
لكن الأخطر هو عندما يقترن الاستبداد بالحصار والعزلة… ؛ حين تفرض على شعب كامل “حصار قاس على مدى سنوات طويلة” – كما في النموذج العراقي في عقد التسعينات – فإن الدولة لا تعزل مواطنيها عن العالم الخارجي فحسب، بل تعزلهم عن إنسانيتهم، وعن حقهم الطبيعي في الحياة الكريمة… ؛ الحصار هنا ليس مجرد إجراء سياسي، بل هو أداة منهجية لإخضاع الشعب عبر تجويعه وحرمانه من طموحاته وحقوقه .
نعم , في الأنظمة الشمولية والقمعية والفاسدة التي تطول فيها مدة البقاء في السلطة دون تجديدٍ أو مساءلة، يتولد شعورٌ عميق لدى المجتمع بأن الزمن قد توقّف، وأن السلطة لم تعد عقداً اجتماعياً بين الحاكم والمحكوم، بل أصبحت ملكيةً سياسية تحتكرها القلة… ؛ ومع الزمن يتحول هذا الاحتكار إلى شبكةٍ من الامتيازات والفساد، بينما تتسع دائرة الفقر والحرمان بين الناس… ؛ و هنا تبدأ الهوة بين الدولة والمجتمع بالاتساع، ويصبح المواطن في نظر السلطة مجرد رقمٍ في سجلات الأمن، لا شريكاً في بناء الوطن .

ثانياً: التحليل النفسي والاجتماعي – سيكولوجيا المواطن المحاصر
من منظور علم النفس السياسي، يمكن تفسير سلوك المواطن المضطهد من خلال ثنائية “العوامل النزوعية” (الداخلية) و”العوامل الموقفية” (الخارجية) .
علماء النفس الاجتماعي أمثال ستانلي ملغرام وفيليب زمباردو يؤكدون أن “المواقف التي يجد الناس العاديون الطيبون أنفسهم فيها قد تجعلهم يتصرفون بطرائق غير أخلاقية، وربما وحشية” … ؛ فإذا كان الموقف قادراً على تحويل الأشخاص العاديين إلى جلادين في تجارب علمية، فما بالك حين يتحول الموقف إلى واقع معيش لعقود؟
أ- آلية الكبت والتراكم النفسي
الكبت” ليس مجرد شعور عابر، بل هو تراكم نفسي هائل… ؛ حين يُمنع المواطن من التعبير، ويُحرم من المشاركة، ويُقصى عن القرار، يتحول الغضب الفردي إلى إحباط جمعي… ؛ هذا الإحباط – إن لم يجد منافذ طبيعية للتعبير – يتحول إلى كامن نفسي هائل، يشبه الصهارة البركانية التي تبحث عن ثغرة للانفجار … .
فالقمع المستمر يخلق حالةً من الكبت الجماعي. فالإنسان الذي يُمنع من التعبير عن رأيه، أو من نقد الفساد، أو من المشاركة في تقرير مصيره، يعيش حالة من التوتر الداخلي الدائم… ؛ ومع مرور الوقت يتحول هذا التوتر إلى غضبٍ صامت، ثم إلى رغبةٍ في الخلاص… ؛ وعندما تُغلق جميع الطرق السلمية للتغيير، يبدأ بعض الأفراد أو الجماعات في البحث عن أي منفذٍ للخلاص، حتى لو كان عبر قوى خارجية أو تحالفات غير متوقعة… ؛ ليس لأنهم يكرهون وطنهم في الأصل، بل لأنهم يشعرون أن الوطن نفسه قد حُرم منهم وحرموا منه … .
لقد شهد التاريخ السياسي الحديث أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة… ؛ ففي بعض الدول التي عانت من أنظمة استبدادية طويلة الأمد، أدى القمع والحصار الاقتصادي والفساد الإداري إلى خلق حالة من التذمر العميق بين المواطنين كما اسلفنا … ؛ وفي حالاتٍ كثيرة، لم يكن الصراع بين الشعوب وأوطانها، بل بين الشعوب والسلطات التي احتكرت تمثيل الوطن… ؛ فعندما يشعر المواطن بأن الدولة لا تحميه ولا تمثله، يصبح مفهوم “الوطن” ذاته مرتبكاً في وعيه .
ولعل تجربة بعض الأنظمة في القرن العشرين تقدم شواهد واضحة على ذلك… ؛ ففي عدد من الدول التي خضعت لسلطات استبدادية، أدى القمع السياسي والرقابة الصارمة إلى دفع قطاعات من المجتمع إلى البحث عن أي تغيير ممكن… ؛ وقد أظهرت أحداث أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات – مع سقوط الأنظمة الشيوعية – كيف يمكن لتراكم القهر والضيق الاقتصادي أن يقود إلى انفجارٍ اجتماعي واسع، انتهى بانهيار أنظمةٍ كانت تبدو راسخة لعقود .
وفي الشرق الأوسط أيضاً يمكن العثور على أمثلة مشابهة… ؛ فقد أدى الاستبداد السياسي في بعض البلدان، إلى جانب الحروب والحصار والفساد، إلى خلق فجوة نفسية عميقة بين الدولة والمجتمع… ؛ إن تجربة العراق في عهد المجرم صدام وحزب البعث … ؛ تقدم نموذجاً لكيف يمكن للحروب المتواصلة والعقوبات الدولية والقمع الداخلي أن تدفع المجتمع إلى حالة من الإرهاق النفسي والاقتصادي، بحيث يصبح الخلاص من الوضع القائم حلماً لدى كثيرين، حتى وإن كان الطريق إليه محفوفاً بالمخاطر بل والتنازلات الاخلاقية والمبدئية …!!
والأمر نفسه يمكن أن يُقرأ في سياقات أخرى، حيث يؤدي الحصار الاقتصادي الطويل أو الفساد المستشري أو القيود الاجتماعية الصارمة إلى تعميق شعور الناس بالعزلة عن دولتهم… ؛ فالحصار، حين يقترن بالقمع الداخلي، لا يولّد الصمود دائماً، بل قد يولّد أيضاً شعوراً بأن الدولة عاجزة عن تحسين حياة مواطنيها أو غير راغبة في ذلك .
غير أن من المهم التأكيد على حقيقةٍ أساسية: الشعوب لا تكره أوطانها بطبيعتها كما اسلفنا … ؛ فحب الوطن شعورٌ فطري يتجدد مع العدالة والكرامة والمشاركة… ؛ و لكن هذا الشعور يمكن أن يتآكل حين يصبح الظلم قاعدةً لا استثناء، وحين يتحول القانون إلى أداةٍ للقمع بدلاً من أن يكون ضمانةً للحقوق .
وعندما تتآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، تظهر أعراض اجتماعية خطيرة :
انتشار اللامبالاة السياسية .-
هجرة العقول والكفاءات.-
تصاعد الخطابات والدعوات المتطرفة أو العدميّة أو الطوباوية.-
ضعف الشعور بالمصلحة العامة وانعدام الوطنية .-
نعم , إن أخطر ما يصنعه الاستبداد ليس فقط الفقر أو التخلف، بل تدمير العلاقة المعنوية بين الإنسان ووطنه… ؛ فعندما يفقد المواطن شعوره بأن الدولة تمثله وتحميه، يتحول الوطن في ذهنه من مصدر فخرٍ وانتماء إلى فضاءٍ للخوف أو الإحباط…!!
ب- القسر والإكراه: استلاب الإرادة
الفرض بالقوة : هو محو لإرادة الإنسان… ؛ حين يدرك المواطن أن خياراته محصورة بين الطاعة والخضوع، وبين القمع والسجن، فإنه يفقد الشعور بالوكالة ؛ أي القدرة على التأثير في حياته ومصيره… ؛ هذه الحالة تولد ما يسميه علماء النفس (الاغتراب ) حيث يصبح الفرد غريباً عن وطنه، بل عن ذاته ايضا … ؛فالاغتراب النفسي : هو حالة شعورية يعيش فيها الفرد انفصالاً داخلياً، وعزلة عن محيطه، ومجتمعه، وحتى ذاته، مما يؤدي إلى فقدان المعنى والهدف… ؛ و يظهر هذا الاغتراب كغربة عن الوطن، أو في بيئة العمل، ويتضمن شعوراً بالعجز، واللاهدفية، والبعد عن المشاعر والمعتقدات الحقيقية … .

ج- الاختراق المجتمعي والتفكك
عندما تستمر هذه الممارسات السلبية ، تحدث ظاهرة “الاختراق على جميع المستويات” : اختراق للنسيج الاجتماعي، وللثقة بين الناس، وللعلاقة العضوية بين الفرد والمجتمع… ؛ اذ تتحول المجتمعات إلى “مجرد تجمع بشري لم يبلغ بعد مرتبة المجتمع، وليس بينها عقد اجتماعي، ولا هي قادرة على التوافق على ثوابت وطنية وهوية جامعة مشتركة … .

ثالثاً: مرحلة التحول – عندما يصبح الخلاص بالقضية
هنا يحدث المفصل الأخطر: يصل المواطن إلى قناعة بأن وطنه – ممثلاً في نظامه – لم يعد يحمي هويته أو كرامته أو مستقبله، بل أصبح هو المصدر الرئيسي للتهديد… ؛ و في هذه المرحلة، يتحول “الخلاص بأي ثمن” إلى غاية وجودية بل و وطنية احيانا … ؛ حين يصل المواطن إلى هذه القناعة، فإنه لا يخون وطنه بالمعنى التقليدي، بل يحاول إنقاذ نفسه من وطنه ذاته …!!
إنها لحظة انقلاب القيم: يصبح العدو التقليدي (الخارجي) حليفاً محتملاً، ويصبح النظام (الداخلي) هو العدو الحقيقي… ؛ و هذا التحول لا يحدث بين عشية وضحاها، بل هو نتاج تراكمي لعقود وسنوات طويلة من القهر والإذلال والحرمان والتهميش والاقصاء والافقار … .
ظاهرة الكراهية كنتاج سياسي
تحليل ظاهرة الكراهية في المنطقة العربية وغيرها يكشف أنها ليست ملازمة لظاهرة التعدد والتنوع الديني والمذهبي، بل هي نتاج الخيارات السياسية والأمنية المتبعة … ؛ أي أن الكراهية ليست قدراً، بل هي نتاج ممارسات سياسية خاطئة، يمكن تفكيكها إذا توفرت الإرادة السياسية الصحيحة .
ولهذا فإن التاريخ السياسي يعلّمنا درساً واضحاً :
الدول القوية ليست تلك التي تفرض الطاعة بالقوة، بل تلك التي تبني شرعيتها على العدالة والمشاركة والكرامة الإنسانية والمواطنة … ؛ فالعدالة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل شرطٌ أساسي لبقاء الدولة نفسها… ؛ وكلما اتسعت مساحة الحرية والمسؤولية المشتركة بين الحاكم والمحكوم، ازداد ارتباط الناس بوطنهم، وتحول الدفاع عنه إلى واجبٍ وجداني لا إلى عبءٍ مفروض .
إن الطريق إلى وطنٍ محبوب لا يمر عبر القمع أو الإكراه، بل عبر عقدٍ اجتماعي يقوم على الكرامة والعدل والمساواة والمصالحة الوطنية والاتفاق والعقد الاجتماعي … ؛ وعندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن كرامته مصونة، وأن القانون يحميه كما يحاسب غيره، يعود الوطن إلى معناه الحقيقي: بيتاً واسعاً للجميع، لا سجناً كبيراً يعيش فيه الناس على أمل الخلاص .
رابعاً: كيف تنشأ الكراهية للوطن؟
هذا هو السؤال المحوري: كيف يمكن لإنسان أن يكره وطنه؟
الإجابة في ضوء التحليل السابق :

1-تجريد الوطن من محتواه الإنساني : حين يصبح الوطن مجرد جغرافيا يحكمها نظام قمعي، وليس فضاء للكرامة والحرية .
2-ربط الوطنية بالقهر: حين تطلب الدولة من المواطن أن يكون وطنياً بمعنى أن يخضع ويطيع ويصمت وينفذ ولا يناقش فقط .
3-تفريغ الهوية الوطنية من محتواها: حين تختزل الهوية في شعارات جوفاء، وتُفرغ من قيم العدالة والكرامة والمواطنة المتساوية والهوية الوطنية الحقيقية والاصيلة .
4-تحويل الدولة إلى عدو: حين تصبح الدولة هي المصدر الرئيسي للخوف وعدم الأمان .
النتيجة النهائية: يصل المواطن إلى مرحلة يشعر فيها بأن “الخروج من هذا الوطن” أو “تدمير هذا النظام السياسي ” هو السبيل الوحيد لاستعادة إنسانيته … ؛ وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها مجتمع، لأنها تعني أن أواصر الانتماء قد انقطعت تماماً … ؛ ولعل هذه النتيجة تبين لك عزيزي القارئ اسباب هجرة البعض من اوطانهم الى الدول الاوربية وغيرها بل وتخليهم عن جنسيتهم الاصلية .
خلاصة: من استرداد الدولة إلى استرداد الوطن
لا يمكن معالجة هذه الظاهرة بإجراءات أمنية أو قمعية، بل بمراجعة جوهرية لعلاقة الدولة بالمواطن… ؛ كما يخلص الباحثون : لا يمكن أن تنهي فعل الغطرسة والهيمنة والإكراه الذي يمارسه المستبد إلا بإنهاء فعل الرضوخ والتبرير والانصياع الأعمى لدى المستبد بهم … .
إعادة بناء الثقة تتطلب :
-الانتقال من الدولة البوليسية والشمولية والفاسدة إلى دولة القانون والمؤسسات والمواطنة الحقة .
· تحويل المواطن من “محكوم” إلى “شريك” في صنع القرار-
· استبدال ثقافة القهر بثقافة الحقوق والواجبات المتبادلة-
· فتح فضاءات الحرية والتعبير والمشاركة-
فالدولة التي تحترم مواطنيها، وتحمي حقوقهم، وتصون كرامتهم، لن تجدهم يتعاونون مع الشيطان، بل سيجدونهم خط الدفاع الأول عنها… ؛ أما الدولة التي تمارس القهر والظلم والفساد، فعليها أن تنتظر النتيجة الطبيعية: مواطنون يحلمون بالخلاص بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو الوطن نفسه …!!
واخيرا :إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” (الرعد: 11)… ؛ هذه الآية القرانية تحمل وعداً بالتحرر، ووعيداً بالاستمرار في الذل… ؛ فإذا تغيرت نظرة الإنسان إلى نفسه، وتحررت إرادته من الخوف، استطاع أن يغير واقعه… ؛ لكن السؤال الأكبر: هل يمكن أن تتغير الأنظمة قبل أن يتغير الناس؟
أم أن التغيير يبدأ من الدوائر الأوسع للمجتمع ليفرض على السلطة إصلاح ذاتها؟ التجارب التاريخية تؤكد أن الوعي الجمعي المتغير هو أقوى أداة لتغيير الواقع السياسي، لكن الطريق طويل ومكلل بالتضحيات … ؛ لذا قيل قديما : ( كيفما تكونوا يولى عليكم ) أي أن حال الحكام والولاة والسلاطين والساسة والقادة والمسؤولين والموظفين ؛ هو انعكاس لحال الرعية وأعمالهم , وثقافة المجتمع السائدة ؛ فالحاكم والسياسي والمسؤول والموظف أبن بيئته … .