العاصفة

كامل الدلفي

قصة قصيرة – كامل الدلفي

كنتُ أنظر إليها ندًّا، أخشى أن تزيحني عن المرتبة الأولى في المدرسة في الامتحانات النهائية للمرحلة التاسعة. ليس هناك من أحد يمكنه أن يفسد هيبتي أمام أبناء محلتنا في يوم النتائج، سواها. كنا نقطع معًا كل يوم تلك المسافة بين المحلة والمدرسة المتوسطة سيرًا على الأقدام، والتي وصفها مدير المدرسة بأنها تبلغ ميلين وسبعين مترًا. سوى هذا التخوف، فإن جميع عناصر التبادل بيننا ترتقي إلى قوانين الألفة الحقة، فيها آيات الحرص على بعضنا، وتجاوز الأنانية، والاهتمام فوق العادة، والتشارك في الحس، والتمني، والطموح، والرغبات الساذجة العابرة لمحيط المحلة.

في واحد من صباحات آذار المشاكسة، قطعنا فيه نصف المسافة تقريبًا إلى المدرسة، وكانت تسبقني بأمتار. هاجت الريح بشكل غير متوقع، ووصلت من السرعة ما يعيق تقدمنا. في اللحظة التي فكرت فيها أن أسندها من دفع الريح، رأيت أن تنورتها قد ارتفعت إلى كتفيها، وبدت أنها فقدت السيطرة على توازنها. لحقت بها وأمسكت بكتفيها، وأنزلت رداءها إلى موضعه، وجلسنا وظهرانا إلى الريح. لا أعرف كم مكثنا جالسين حتى مرت العاصفة، كما أني لا أعرف لماذا لم تعد تذهب إلى المدرسة مرة ثانية، أو لماذا تركت طموحها وأحلامها.

أصبحتُ مستعدًا للتنازل لها عن النجاح بالمرتبة الأولى مقابل أن تعود إلى المدرسة. فراغها لم يمتلئ، أحلامي ورغباتي فُصلت قسرًا عن أحلامها ورغباتها. صرت أفكر بالحب نحوها، ولا أعرف من أين دخل إلى قلبي:

أمن لحظة العُري التي لذعت الحس؟ أم من الحنين إلى اللغة المشتركة؟ أم من الفراغ الذي خلفته؟

ثلاثون عامًا، والعاصفة تصنع ذاتها في ذاكرتي…