بقلم الكاتب: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن
التاريخ: 24 نيسان 2026
يُعد سؤال الوجود الإنساني المحرك الأول للتاريخ البشري فمنذ الأزل والإنسان يبحث عن مبرر لبقائه ومعنى لوظيفته في هذا الوجود وحين نقارب هذا السؤال من زاوية الفقه الإمامي والقانون العراقي نجد أننا أمام رؤيتين تتكاملان في صناعة نموذج (الإنسان المسؤول حيث لا يقف الوجود عند حدود العدّ البيولوجي بل يتعداه إلى الدور الحضاري والالتزام الأخلاقي والقانوني الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي
إن حقيقة الإنسان في الفقه الإمامي لا تنفصل عن مبدأ التكريم الإلهي فهو ليس مجرد كائن مادي عابر بل هو مستخلف يحمل أمانة الإعمار والتغيير. هذه الوظيفة الوجودية تجعل من وجوده غاية بحد ذاتها حيث يُنظر إليه بوصفه الكائن الذي مُنح العقل ليكون ميزاناً لأفعاله ومن هنا فإن إجابة تساؤلنا ((لماذا نوجد)) ؟ تجد صداها في التكامل المعرفي والسلوكي أي أن الإنسان موجود ليتحول من مجرد كائن (موجود) إلى كائن (فاعل) يسعى لتحقيق العدل والقسط. فالاستخلاف هنا ليس تشريفاً مجرداً بل هو وظيفة حركية تفرض على الفرد أن يكون جزءاً من إصلاح المنظومة الاجتماعية، وهو ما ينسجم تماماً مع الرؤية التي طرحها كبار فقهاء الإمامية عبر التاريخ بتأكيدهم على أن الحقوق والواجبات تنبع من كرامة النفس الإنسانية وصيانتها من الامتهان
وعند الانتقال إلى ضفة القانون العراقي، نجد أن المشرع قد استلهم هذا العمق الفكري وجسّده في نصوص دستورية وتشريعية تمنح الوجود الإنساني قيمة عليا كأصل ثابت فالقانون لا يعترف بالإنسان كاسم في سجلات النفوس فحسب، بل يعترف به كـ (شخصية قانونية) لها حق الوجود الكريم، والحماية من التغول والحرية في التعبير والعمل.
إن وظيفة الإنسان في نظر القانون العراقي هي (المواطنة الصالحة) وهي وظيفة لا تتحقق إلا من خلال التوازن الدقيق بين التمتع بالحقوق وأداء الالتزامات فالقانون العراقي، بتركيبته التي تمزج بين الأصالة والمعاصرة يرى أن مبرر وجود الفرد في الدولة هو مساهمته في السلم المجتمعي وبناء المؤسسات مما يجعل الوظيفة القانونية للإنسان مرآة لوظيفته الأخلاقية والشرعية.
الرابط الجوهري بين هذين المسارين يكمن في فكرة (المسؤولية) وإدراك الأهلية. فبينما يركز الفقه الإمامي على المسؤولية أمام الخالق والضمير يركز القانون العراقي على المسؤولية أمام المجتمع والدولة، وكلاهما يلتقي في نقطة (حفظ النظام العام) وهذا التداخل هو ما يمنح الإنسان هويته المتزنة فهو يتحرك في حياته اليومية بدافع من وازعين الأول هو وازع داخلي يمليه عليه انتماؤه القيمي الذي يحثه على الأمانة والإتقانواما الثاني ووازع خارجي يفرضه القانون الذي يحمي المجتمع من الانفلات والضياع.
إننا نوجد لنكون حجر الزاوية في بناء مجتمع يقوم على (الحق) سواء كان هذا الحق إلهياً ثابتاً أو وضعياً متطوراً يهدف لصيانة كرامة البشر.
في المحصلة، إن قراءة وظيفة الإنسان من خلال هاتين النظرتين تكشف عن رؤية شمولية ترى في الإنسان قيمة عليا لا يمكن المساس بها.
نحن نوجد لنعمر الأرض بوعي الفقيه المنضبط، وبانضباط المواطن الواعي بقانونه وحقوقه. إنها رحلة تبدأ من الاعتراف بالحقيقة الوجودية للإنسان ككائن مكرم وتنتهي بتحويل هذه الحقيقة إلى واقع ملموس من خلال الوظيفة والعمل الحضاري المستدام.