قوة بدون عقيدة يعني هروب (ح 9): (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)

د. فاضل حسن شريف

قال الله تعالى “هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا” (الاحزاب 11)، و “وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ” (ال عمران 154)، و “ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ” (ال عمران 152) حيث ان القرآن الكريم يشير في عدد من آياته عن الابتلاء اي الامتحان فكلما جابه المؤمن البلاء بالجهاد والصبر كلما كانت درجته عند الله أعلى. فإن أي صعوبة أو ابتلاء يجابهها المؤمن بجهده فإن النجاح والنصر لابد له ان كان في الدنيا أو الآخرة. ربما النجاح الذي تزرعه ستلاحظه في الدنيا ليس لنفس المؤمن المجاهد وانما للاجيال القادمة. فكم من الأشخاص نترحم عليهم لانهم عملوا الخير وحصدته الأجيال التالية. وبالعكس فإن المجتمعات المتخاذلة جعلت أجيالها يتحملون وزرهم. فإذا زرعت الخير وجاهدت فيه قد تحصده انت وما بعدك فإن لم تحصده انت في دنياك لكن احفادك يحصدوه فتحصل ثواب ما حصدوه. فعليك القدوم الى المسجد والمشاركة في تعلم دينك وتعليمه، أو الانفاق في عمل الخير، او مساعدة مجتمعات في العالم مضطهدة بأي وسيلة، ويتطلب ذلك الصبر والثبات وإن لم ترى حصول نتائج آنية فلا بد أن النصر حليف المثابرين في خطواتهم.

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (آل عمران 152) وَتَنَازَعْتُمْ: وَ حرف عطف، تَنَازَعْ فعل، تُمْ ضمير، فَشِلْتُمْ: فَشِلْ فعل، تُمْ ضمير، فَشِلْتُمْ: جبنتم، فشلتم: جَبُنتم. فَشِل: ضعف و تراخى عند الحرب و الشدة، و الفشل ضعف القلب و خَوَر الجَنان. ولقد حقق الله لكم ما وعدكم به من نصر، حين كنتم تقتلون الكفار في غزوة أُحد بإذنه تعالى، حتى إذا جَبُنتم وضعفتم عن القتال واختلفتم: هل تبقون في مواقعكم أو تتركونها لجمع الغنانم مع مَن يجمعها؟ وعصيتم أمر رسولكم حين أمركم ألا تفارفوا أماكنكم بأي حال، حلَّت بكم الهزيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وتبيَّن أن منكم مَن يريد الغنائم، وأن منكم مَن يطلب الآخرة وثوابها، ثم صرف الله وجوهكم عن عدوكم، ليختبركم.

جاء في كتاب الاء الرحمن في تفسير القران للشيخ محمد جواد البلاغي: قوله تعالى “وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ” (آل عمران 152) “وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ‏” (آل عمران 152) لكم بالنصر وظهر لكم مصداقه‏ “إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ‏” اي تقتلونهم بنصر اللّه ومشيئته. وفي التبيان الحس هو القتل على وجه الاستئصال. وفي النهاية حسوهم بالسيف حسا استأصلوهم قتلا. وفي الكشاف تقتلونهم قتلا ذريعا. وعلى هذا يدور كلاء اللغويين في كتبهم. قال عتبة الليثي: نحسهم بالبيض حسا كأننا * نفلق منهم بالجماجم حنظلا. والحسيس القتيل. قال صلاءة بن عمرو كما في لسان العرب وغيره‏: نفسي لهم عند انكسار القنا * وقد تردوا كل قرن حسيس‏. وقد كان في قتل المسلمين للمشركين في أول الحرب يوم احد قتل استئصال فقد استأصلوا حملة اللواء بني عبد الدار وسرى القتل الذريع في المشركين حتى انهزموا وأكب المسلمون على رحالهم للغنائم وكان ذلك القتل والانهزام بإذن اللّه ونصره على خلاف الموازنة الحربية ومصادمة القوة بالقوة وكثرة عدد المشركين وعدتهم فقد كانوا نحو اربعة أمثال المسلمين المجاهدين. وفي التبيان إذ تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم احد. وفي مجمع البيان اكثر المفسرين على ان المراد بالجميع يوم احد ونقل ما ذكره التبيان عن أبي علي الجبائي. وما ذكرناه مقتضى سوق القرآن فهو الظاهر وعليه روايتا ابن عباس في الدر المنثور وان كان فيما صححوه منها ظهوره في حضور ابن عباس يوم احد وهو خلاف المعروف من التاريخ من ان ابن عباس لم يكن حينئذ مهاجرا بل لم تعرف هجرته إلا بعد فتح مكة “حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ‏” أي ظهر مصداق وعد اللّه لكم بالنصر وصرتم تقتلونهم قتلا ذريعا ودام ذلك حتى إذا فشلتم انقطع ذلك بسبب فشلكم وما جرى منكم. وفسر الفشل بالجبن اي جبنهم حينما كر عليهم المشركون بعد فرارهم. وعلى هذا يكون العطف بعد ذكر الفشل على خلاف الترتيب وهو سائغ مع الواو “وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ” (آل عمران 152) ومن ذلك ما وقع من الرماة اصحاب ابن جبير في الشعب حيث رغب أكثرهم في الغنيمة وخالفوا امر الرسول وفارقوا الثابتين الآمرين لهم بالثبات في مركزهم‏ “وَعَصَيْتُمْ‏” بالذهاب من الشعب الى الغنيمة وفراركم عن رسول اللّه‏ “مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ‏ اللّه‏ ما تُحِبُّونَ”‏ من النصر وقتلكم لهم وهزيمتهم “مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا” (آل عمران 152) فآثر الغنيمة على طاعة الرسول أو آثر الحياة الدنيا بالفرار على الجهاد في سبيل اللّه‏ “وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ” (آل عمران 152) فثبت وجاهد جهاد الصابرين‏ “ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ‏” عطف على صدقكم اللّه اي صرفكم‏ بما اقتضاه التقدير في احوال الحرب والتخاذل فيها فوكلكم إلى أنفسكم‏ “لِيَبْتَلِيَكُمْ‏” اللام للغاية أي ومن غايات ما جرى ان يمتحنكم وتظهر اعمالكم فيرفع اللّه درجات الصابرين‏ “وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ‏” (آل عمران 152) أي عمن خالف ولم يصبر وهذا العفو من فضل اللّه ببركة ايمانكم‏.

عن شبكة المعارف الاسلامية الثقافية: العقيدة ودورها في حياة الإنسان: ميزات وفوارق: قد يُطرح سؤال هنا وهو: ما هو الاختلاف بين المعارف العقليّة وبالخصوص معرفة الله عن طريق العقل وبين المعارف القلبية وبالخصوص معرفة الله عن طريق القلب؟ والجواب: إنّ الاختلاف بينهما هو كحدّ أدنى على أنحاء ثلاثة: 1- المعرفة القلبية إحساس والمعرفة العقليّة علم: هذا الاختلاف هو عبارة عن الاختلاف بين الإحساس والعلم، فمعرفة الله وغيره عن طريق القلب هي إحساس وعن طريق العقل هي علم، فكما أنك لا تشكّ بوجود شيء تراه بعينيك وإنْ لم يره غيرك كذلك لا تشكّ بوجود الله لأنّك تراه بعين قلبك، وإنْ لم يره غيرك. يقول الإمام الحسين عليه السلام في دعاء عرفة “إلهي تردّدي في الآثار يوجبُ بعدَ المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك”. كم هي جميلة ودقيقة وعميقة هذه الكلمات، وهي تعني أنّه يا إلهي أنا إذا أردت أنْ أتحرّك نحوك عن طريق العقل والآيات والآثار فهذا الطريق طويل جداً، ويوصلني متأخراً إلى وصلك، فأرشدني إلى طريق أقرب، واهدني إلى عمل يوصلني إلى وصلك، ويجعل قلبي مكاناً لتجلّي أنوارك، لأحسّ بك بقلبي بأسرع ما يكون. “كيف يُستدَلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيباً”. “إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فأرجعني إليك بكسوةِ الأنوار وهداية الاستبصار”. 2- المعرفة القلبية فردية، والمعرفة العقليّة عامة: من الاختلافات والتي تتفرّع عن الفارق الأوّل أنّ معرفة الله عن طريق القلب وغيرها من المعارف القلبية فريدة، أيْ هي خاصّة بصاحبها وهذا نتيجة طبيعية لكون هذه المعرفة إحساساً، فلا تقبل النقل للآخرين والتعليم والتعلم، على خلاف معرفة الله عن طريق العقل فهي ليست فردية وهي قابلة للتعليم والتعلم ويمكن نقلها للآخرين. إنّ معرفة الله عن طريق القلب لا يمكن إبرازها في قالب الاستدلال، وهي ليست أمراً قولياً بل هي أمر ذوقيّ، وهي كما قيل نوع من التجربة الباطنية لا يمكن نقلها للآخرين، كما أنّ المبصر لا يستطيع أن يبيّن للأعمى اللون وإدراكه له ومعرفته به، وكما أنّ الإحساس بالجوع والعطش لا يقبل النقل للآخرين فكذلك الشخص الذي يستطيع أن يحسّ بالله عن طريق القلب، لا يستطيع أن ينقل إحساسه إلى من كان بصر قلبه أعمى. 3- المعرفة القلبية والتقوى توأمان: ومن الاختلافات بين معرفة الله عن طريق القلب، ومعرفة الله عن طريق العقل، هي أنّ المعرفة القلبية توأم للعمل والالتزام والتقوى، ولكن المعرفة العقليّة يمكن أنْ تكون مع التقوى ويمكن أنْ تكون بدونها، بل يمكن أنْ تكون مترافقة مع الكفر. يقول سبحانه في القرآن الكريم في عدم إيمان قوم فرعون: “وجَحَدُوا بِهَا واستَيْقَنَتْها أنفُسُهُم” (النمل 14). وعليه يمكن أنْ يصدّق العقل بالله عزّ وجلّ ولكن اللسان ينكره، ويعمل الإنسان خلاف ما يعلم، ولكن لا يمكن أنْ يحسّ القلب بالله وينكر اللسان، ولا يمكن أنْ توجد المعرفة القلبية ولا يوجد الالتزام والتقوى، يقول الإمام الصادق عليه السلام: “ولا معرفة إلَّا بعمل، فمن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له”. هذه المعرفة هي المعرفة القلبية التي هي توأم الالتزام والعمل. وبناءً على هذا فإنّ الأساس فيما يرتبط بمعرفة الله من الناحية الفردية والشيء الذي له قيمة من الناحية العملية، وله الدور الأساس فيما يرتبط بتكامل الإنسان، هو المعرفة القلبية.