ماذا لو صمدت إيران؟ نهاية الردع الأحادي وبداية التوازن الإقليمي

خالد الغريباوي

منذ تأسيس إسرائيل عام 1948، ترسخت في الوعي الإقليمي والدولي صورة إسرائيل باعتبارها القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في الشرق الأوسط، الدولة التي لا تُهزم، والقادرة على حسم الحروب بسرعة وبكلفة محدودة. هذه الصورة تعززت بعد حروب مفصلية مثل حرب 1967، وبقيت تُستخدم كأداة مركزية في الحرب النفسية التي مارستها إسرائيل لعقود لترسيخ فكرة “الجيش الذي لا يُقهر”. غير أن التحولات المتسارعة في البيئة الاستراتيجية للمنطقة توحي بأن هذه المعادلة لم تعد ثابتة كما كانت في السابق.

سيناريو صمود إيران في المواجهة العسكرية الواسعة مع أميركا و إسرائيل، فإن النتيجة لن تكون مجرد حدث عسكري عابر، بل قد تمثل لحظة مفصلية تعيد تشكيل التوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. صمود إيران، بحد ذاته، سيبعث رسالة استراتيجية عميقة مفادها أن إسرائيل لم تعد القوة المطلقة التي تستطيع فرض إرادتها العسكرية دون كلفة أو دون ردع مقابل. عند هذه النقطة، سيتغير إدراك القوة في المنطقة، وهو عامل غالباً ما يكون أكثر تأثيراً من القوة العسكرية ذاتها.

أول انعكاسات هذا التحول قد تظهر داخل الولايات المتحدة نفسها. فالدعم الأمريكي لإسرائيل كان دائماً يستند إلى فرضية أن إسرائيل تمثل حليفاً قوياً قادراً على فرض الاستقرار عبر التفوق العسكري. لكن إذا بدأت صورة “القوة التي لا تُقهر” بالتآكل، فقد يفتح ذلك نقاشاً استراتيجياً داخل دوائر صنع القرار الأمريكية حول كلفة هذا التحالف وحدوده، وحول ما إذا كانت إسرائيل ما تزال الأداة الأكثر فعالية لتحقيق المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

أما على المستوى الإقليمي، فإن الأثر النفسي والسياسي سيكون عميقاً. فالعالم العربي والإسلامي، الذي تشكل وعيه السياسي خلال عقود على أساس التفوق الإسرائيلي الحاسم، قد يبدأ بإعادة تقييم هذه المعادلة. حينها ستظهر قناعة جديدة مفادها أن إسرائيل ليست قوة فوق التاريخ، وأن ميزان القوى يمكن أن يتغير. هذا التحول في الإدراك النفسي قد يكون بحد ذاته عاملاً محفزاً لتغييرات سياسية واستراتيجية واسعة في المنطقة.

وفي حال خرجت إيران من هذه المواجهة وقد أثبتت قدرتها على الصمود، فمن المرجح أن تتجه بعد الحرب نحو إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، مع التركيز على الداخل وعلى صياغة مقاربة أكثر براغماتية تجاه محيطها الإقليمي. في مثل هذا السيناريو قد تبرز فكرة التعايش الإقليمي كخيار استراتيجي، خصوصاً مع الدول السنية الكبرى في المنطقة.

إن التقارب السني–الشيعي، الذي سعت أطراف عديدة إلى منعه عبر عقود من خلال تعميق الانقسامات الطائفية، قد يصبح احتمالاً أكثر واقعية إذا ظهرت قناعة مشتركة بأن الاستقرار الإقليمي يتطلب توازناً جديداً بين القوى الكبرى في المنطقة. وهنا تحديداً يكمن أحد أبرز مصادر القلق الاستراتيجي لدى إسرائيل وبعض الدوائر في واشنطن: احتمال نشوء بيئة إقليمية تتراجع فيها الاستقطابات الحادة، ويحل محلها نوع من التفاهم بين القوى الإسلامية الكبرى.

في هذه الحالة قد يتبلور شرق أوسط جديد يقوم على تعددية الأقطاب الإقليمية. أربعة مراكز قوة رئيسية قد تتشكل بوضوح: إيران كقوة استراتيجية صلبة تمتلك عمقاً جغرافياً وسياسياً، وتركيا كقوة صاعدة تجمع بين الطموح الجيوسياسي والقدرات الاقتصادية والعسكرية، والمملكة العربية السعودية بثقلها الاقتصادي والديني، ومصر بثقلها الديموغرافي ودورها التاريخي في النظام العربي، إلى جانب إسرائيل التي ستظل لاعباً مؤثراً لكنها لن تكون القوة المنفردة في المعادلة.

إن نشوء نظام إقليمي متعدد الأقطاب سيجبر الولايات المتحدة على إعادة صياغة استراتيجيتها في الشرق الأوسط. فبدلاً من الاعتماد شبه المطلق على إسرائيل كركيزة أمنية، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة للتعامل مع شبكة معقدة من القوى الإقليمية التي تملك هامشاً أكبر من الاستقلالية والقدرة على المناورة.

في المحصلة، قد لا تكون نهاية أي حرب مجرد وقف لإطلاق النار، بل بداية لمرحلة تاريخية جديدة. وإذا ما أدت هذه الحرب إلى إعادة تعريف مفهوم القوة في الشرق الأوسط، فإن المنطقة قد تقف على أعتاب تحول استراتيجي كبير، يتحول فيه ميزان القوى من معادلة الهيمنة الأحادية إلى معادلة التوازن بين عدة أقطاب إقليمية.

وهنا تكمن اللحظة الفاصلة في تاريخ المنطقة: لحظة انتقال الشرق الأوسط من مرحلة الأساطير العسكرية إلى مرحلة الحسابات الاستراتيجية الواقعية، حيث لا توجد قوة مطلقة، بل توازنات متحركة تصنعها الإرادة السياسية، والقدرة على الصمود، ووعي الشعوب بطبيعة الصراع ومستقبل المنطقة.