جديد

من الفراتين إلى الأطلس: حين تلتقي الذاكرة العربية في مرآة الثقافة القسم الاول : رسائل من ضفة بعيدة، العراق في الذاكرة

رياض الفرطوسي

لم تكن فكرة الكتابة عن العلاقة بين العراق والمغرب قراراً خططت له مسبقاً، ولا موضوعاً كنت أبحث عنه بين دفاتر الملاحظات. جاءت الفكرة بطريقة أبسط وأكثر إنسانية. جاءت عبر رسائل.

في الأشهر الأخيرة بدأت تصلني رسائل من قرّاء مغاربة يتابعون ما أكتبه في حقل الثقافة والفكر. لم تكن رسائل مجاملة عابرة كما يحدث أحياناً في فضاء التواصل السريع. كانت رسائل طويلة، فيها أسئلة وتأملات واعتراضات أيضاً. بعضهم كان يناقش فكرة وردت في مقال، وبعضهم كان يحاول فهم التجربة العراقية من الداخل، كأنهم يقتربون من مدينة بعيدة عبر نافذة الأدب.

ما لفتني ليس الإعجاب بقدر ما لفتني الفضول الصادق الذي يدفع قارئاً يعيش على ضفة أخرى من العالم العربي إلى أن يسأل: كيف تبدو الحياة داخل بلد عاش كل هذه الحروب؟ كيف يفكر الناس؟ كيف يكتب الأدباء؟ وكيف تنعكس تلك التجارب القاسية على اللغة والخيال والذاكرة؟

كان واضحاً أن هؤلاء القراء لا يبحثون عن أخبار سياسية، بل عن المعنى الإنساني المختبئ خلف الضجيج اليومي للأحداث. كأن الأدب، مرة أخرى، يثبت أنه الطريق الأقصر بين تجارب البشر مهما ابتعدت الجغرافيا.

عند تلك اللحظة بدأت أفهم أن ما يصلني ليس مجرد رسائل قراء، بل نوع من الحوار الثقافي غير المعلن بين ضفتين عربيتين بعيدتين في المكان، قريبتين في الهمّ والأسئلة. ومن هنا ولدت فكرة هذا المقال.

لكن رسالة واحدة بقيت عالقة في ذهني، سؤال عميق في الظاهر بسيط: كيف يستطيع الإبداع أن يعكس صورة الحرب في وعي المجتمع؟ وإلى أي حد يتأثر الخيال الجمعي للشعوب التي عاشت الحروب الطويلة بما تتركه تلك الحروب في الذاكرة؟

هذا السؤال سيكون محور الحلقة الثانية، حيث سنغوص في تجربة العراق الثقافية والفنية، ونرى كيف تمتد أصوات الأدب والفكر إلى المغرب، وكيف يتحول الألم إلى معنى، والذاكرة إلى جسور بين ضفتين من العالم العربي.