رياض سعد
المقدمة
يُعدّ المجتمع العراقي من أكثر المجتمعات العربية والإسلامية تعقيداً وتنوعاً على الصعد كافة؛ العرقية، المذهبية، والقبلية… ؛ لكن هذا التنوع، الذي كان يمكن أن يكون مصدر قوة وثراء، تحول على مر العقود إلى بؤرة توتر وصراع… ؛ و يمكن القول إن التجربة العراقية الحديثة، وبمختلف أطيافها، أخفقت في تحقيق معادلة الانسجام الداخلي والتقارب الحقيقي بين مكوناتها… ؛ هذا الإخفاق لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات تاريخية وسياسية واجتماعية عميقة .
نعم ,، لم ينجح العراقيون، على اختلاف أطيافهم القومية والمذهبية، في تحقيق درجةٍ كافية من الانسجام والتقارب بينهم بوصفهم مجتمعاً سياسياً واحداً… ؛ فعلى الرغم من التاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة والذاكرة الثقافية المتداخلة، بقيت مسافةٌ واضحة بين مكوّنات المجتمع، مسافةٌ اتسعت مع الزمن نتيجة تراكماتٍ سياسية واجتماعية واقتصادية… ؛ وقد انعكس هذا الواقع في عجزٍ مستمر عن بناء هوية وطنية جامعة تكون قادرة على استيعاب الجميع تحت مظلة الانتماء إلى الدولة أو الى مفهوم الامة العراقية المغيب .
إن الفشل في ترسيخ قيم الدولة الحديثة — مثل سيادة القانون، والنزاهة، والانضباط المؤسسي — أسهم في تكريس بيئةٍ يغلب عليها الفساد الإداري والفوضى السياسية. ومع مرور الوقت، لم تعد الدولة في نظر كثير من العراقيين إطاراً موثوقاً يضمن العدالة والمساواة، بل تحولت لدى البعض إلى ساحة صراع بين جماعاتٍ متنافسة على النفوذ والموارد. ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الشعور إلى تآكل الثقة بالهوية الوطنية الجامعة، فتبدو وكأنها فكرة مجردة أكثر منها واقعاً معاشاً.
أولاً: فشل بناء الهوية الوطنية الجامعة
لم ينجح العراقيون، على تعدد مشاربهم، في بناء كيان سياسي وهوياتي وطني قادر على استيعاب هذا التنوع. لقد فشلنا في ترسيخ قيم الدولة المدنية والمؤسسات الرشيدة، وبدلاً من ذلك، تغلبت النزعات الفردية والفئوية على المصلحة العامة، مما أفقد الدولة قدرتها على احتواء الجميع… ؛ هذا الفشل التراكمي في إدارة الاختلاف أدى إلى بروز هوية وطنية مشوهة وهشة، لم تعد قادرة على استقطاب ثقة المواطن العراقي أو تلبية تطلعاته في الأمان والعدالة والمساواة .
إن الفشل في ترسيخ قيم الدولة الحديثة — مثل سيادة القانون، والنزاهة، والانضباط المؤسسي والمواطنة — أسهم في تكريس بيئةٍ يغلب عليها الفساد الإداري والفوضى السياسية… ؛ ومع مرور الوقت، لم تعد الدولة في نظر كثير من العراقيين إطاراً موثوقاً يضمن العدالة والمساواة، بل تحولت لدى البعض إلى ساحة صراع بين جماعاتٍ متنافسة على النفوذ والموارد… ؛ ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الشعور إلى تآكل الثقة بالهوية الوطنية الجامعة، فتبدو وكأنها فكرة مجردة أكثر منها واقعاً معاشاً.
ثانياً: البحث عن البديل في المذهب والقومية
عندما تتداعى الهوية الوطنية وتفقد مصداقيتها، يبرز فراغ نفسي واجتماعي عميق لدى الأفراد والجماعات. في حالة العراق، وجد هذا الفراغ ملاذاً له في الانكفاء على الذات الجمعية الأصغر: المذهب، الطائفة، أو القومية. تحولت هذه الانتماءات الثانوية من مجرد مكونات ثقافية واجتماعية إلى هويات بديلة، بل وأحياناً متصارعة، تملأ الفراغ الذي خلفته الدولة… ؛ لذلك، نجد تنوع الولاءات وتعددها ظاهرة لافتة في المجتمع العراقي، حيث يسبق الولاء للطائفة أو العشيرة أحياناً الولاء للوطن، مما يكرّس حالة من التشرذم الاجتماعي والسياسي .
نعم , حين تضعف الهوية الوطنية الجامعة ، يبحث الإنسان بطبيعته عن بدائل تمنحه شعوراً بالانتماء والأمان… ؛ و في الحالة العراقية، وجد كثير من الناس ملاذهم في الهويات الفرعية: المذهب، أو القومية، أو العشيرة، أو حتى الانتماءات المناطقية… ؛ وهذه الهويات ليست بالضرورة سلبية في ذاتها؛ فهي جزء من البنية الثقافية والاجتماعية لأي مجتمع… ؛ غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول إلى بدائلٍ عن الهوية الوطنية، أو عندما تُستَخدم سياسياً بوصفها أدوات تعبئةٍ وصراع .
لذلك أصبح تنوّع الولاءات ظاهرةً واضحة في المجتمع العراقي؛ فبدلاً من أن يكون الولاء للدولة أولاً، تتقدم في كثير من الأحيان ولاءاتٌ أخرى تُعدّ أكثر قرباً وتأثيراً في حياة الأفراد… ؛ وهكذا تتشكل شبكةٌ معقدة من الانتماءات المتوازية والمتنافسة، الأمر الذي يجعل عملية بناء مشروع وطني جامع مهمةً شديدة الصعوبة .
ثالثاً: دور العوامل الخارجية في تعميق التصدع
لم تقتصر أسباب هذه الأزمة على العوامل الداخلية فحسب، بل لعبت القوى الدولية الاستعمارية و البيئة الإقليمية دوراً رئيسياً في تغذيتها وتأجيجها… ؛ فقد ساعدت دول الجوار، بمختلف توجهاتها، في ترسيخ هذا التوجه الطائفي والقومي، بل ووظفته لخدمة أجنداتها… ؛ وجدت هذه القوى الإقليمية في بقاء العراق دولة هشة وممزقة ضمانةً لمصالحها، فحرصت على دعم الفاعلين غير الرسميين على حساب الدولة الوطنية، مما عمق حالة الاستقطاب الداخلي وجعل من العراق ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة .
نعم , لا يمكن إغفال دور العوامل الخارجية في تعميق هذا الواقع… ؛ فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وتاريخه السياسي المضطرب، كان دائماً مجالاً لتنافس القوى الإقليمية والدولية … ؛ وقد وجدت بعض دول الجوار في الانقسامات الداخلية فرصةً لتعزيز نفوذها، فعملت — بصورة مباشرة أو غير مباشرة — على دعم قوى سياسية أو اجتماعية بعينها، بما يضمن بقاء التوازنات الداخلية هشّة وغير مستقرة… ؛ وبهذا المعنى، لم تكن الانقسامات نتاجاً داخلياً خالصاً، بل تفاعلت مع مصالح خارجية سعت إلى إبقاء البلد ضعيفاً ومجزأً.
ومع ذلك، فإن المفارقة في المجتمع العراقي تكمن في أن العراقيين، على المستوى الاجتماعي اليومي، قادرون في كثير من الأحيان على التعايش والتواصل بصورة طبيعية… ؛ ففي الأسواق والجامعات وأماكن العمل والعلاقات الشخصية، نجد أن الروابط الإنسانية تتجاوز غالباً الحدود الطائفية والقومية… ؛ غير أن هذا الانسجام الاجتماعي لا ينعكس بالقدر نفسه في المجال السياسي، حيث تُعاد إنتاج الانقسامات عبر الخطاب السياسي والمؤسسات الحزبية والدينية المتطرفة .
من هنا يمكن القول إن أزمة العراق ليست أزمة تنوّع بحد ذاته، بل أزمة إدارةٍ لهذا التنوّع… ؛ فالمجتمعات المتعددة يمكن أن تتحول إلى نماذج غنية وقوية عندما تُبنى على أسس المواطنة والعدالة والمؤسسات… ؛ أما عندما يُدار التنوع بمنطق المحاصصة والصراع، فإنه يتحول إلى عامل تفككٍ دائم .
الخلاصة
إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم ليس فقط في إعادة بناء مؤسساته، بل في إعادة بناء العقد الاجتماعي بين مكوناته. فطالما ظلت الهوية الوطنية مشوهة وعاجزة عن استيعاب التنوع، وطالما بقيت الولاءات موزعة بين مراكز قوى داخلية وخارجية، فإن مشروع النهضة والانسجام الوطني سيظل بعيد المنال… ؛ إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب مشروعاً وطنياً جامعاً يعيد الثقة بالدولة والمؤسسات، ويحوّل التنوع من نقطة ضعف إلى مصدر قوة وحضارة.
إن بناء هوية وطنية عراقية راسخة لا يعني إلغاء الهويات الفرعية، بل يعني إدماجها ضمن إطارٍ أوسع يجعل الانتماء إلى الوطن هو القاسم المشترك الأعلى… ؛ وهذا يتطلب مشروعاً سياسياً وثقافياً طويل الأمد يعيد الثقة بالدولة، ويؤسس لفكرة المواطنة المتساوية، ويحول التنوع من مصدر تنافر إلى مصدر قوة, كما اسلفنا .
وبغير ذلك، سيبقى العراق يدور في حلقةٍ مفرغة: مجتمعٌ يمتلك القدرة على التعايش في الحياة اليومية، لكنه يعجز عن ترجمة هذا التعايش إلى مشروعٍ وطني جامع.