جديد

الشر بوصفه غراغا اخلاقيا

الشر بوصفه فراغاً أخلاقياً

كتب رياض الفرطوسي

يطمئن الناس عادةً إلى فكرة مريحة، مفادها أن الشر يحتاج إلى عقول مظلمة وخطط معقدة وقلوب قاسية على نحو استثنائى. كأن الجريمة الكبرى لا بد أن تقف وراءها عبقرية سوداء. لكن نظرة هادئة إلى التاريخ تقود إلى نتيجة مختلفة تماماً، وربما أكثر إزعاجاً، فالشر غالباً ليس عميقاً كما نتصور، بل عادى، بسيط، وأحياناً تافه فى دوافعه.

هذه المفارقة تكشف شيئاً محرجاً فى طبيعة الإنسان.

فى عالم الحيوان، حيث الغرائز هى القانون الأعلى، لا نجد ذلك الشغف الإنساني بإذلال الآخر. الحيوان يهاجم ليأكل، أو يدافع عن صغاره، أو يحمي مجاله الحيوي. لكنه لا يختلق مبررات أخلاقية للأذى، ولا يتلذذ بإهانة ضحيته. بل إن الدراسات الحديثة فى علم السلوك الحيواني تكشف صوراً لافتة من التضامن بين الحيوانات، حيث يحمي القطيع أفراده الضعفاء، وتظهر بينهم أنماط من الوفاء والتعاون.

المفارقة أن الكائن الذى يملك العقل واللغة والقانون هو نفسه الذى أتقن صناعة الأذى، ثم أتقن أكثر صناعة المبررات.

فالإنسان لا يرتكب الخطأ فقط، بل ينسج حوله خطاباً كاملاً يبرره. كل جريمة تقريباً تبحث لنفسها عن قاموس لغوي يخفف من بشاعتها. الكلمات هنا ليست مجرد أصوات، بل أدوات تلميع. وهكذا يتحول الظلم إلى ضرورة، والاعتداء إلى واجب، والقسوة إلى بطولة فى بعض الأحيان.

غير أن الشر لا يولد فى الفراغ. فالمجتمعات البشرية، منذ أن بدأ العمران الإنسانى يتشكل، أدركت أن الخطأ جزء من الطبيعة البشرية. لذلك نشأت الأعراف والتقاليد، ثم ظهرت القوانين لاحقاً لتنظم السلوك وتضع حدوداً واضحة بين المقبول والمرفوض. فى المجتمعات القديمة كان الضبط الأخلاقي يعتمد على قوة العرف وهيبة الضمير الجمعي، أما المجتمعات الحديثة فقد أنشأت مؤسسات قضائية وقانونية لتراقب السلوك وتعاقب الانحراف.

لكن وجود القوانين لم يمنع الخطأ من الظهور. فالقانون يستطيع أن يردع الأفعال، لكنه لا يستطيع دائماً أن يوقظ الضمير. ولهذا نجد أن بعض المجتمعات تتسامح مع الأخطاء الصغيرة حتى تصبح جزءاً من العادة اليومية. يبدأ الأمر بتجاوزات تبدو بسيطة، إهمال فى المجال العام، استهانة بالممتلكات المشتركة، تعدٍ خفيف على القواعد. ثم تتراكم هذه الأفعال تدريجياً حتى تتسع الدائرة، فيصبح التحايل على النظام مهارة اجتماعية، ويغدو الوصول إلى المكاسب بطرق ملتوية أمراً لا يثير الاستغراب.

عند هذه النقطة يظهر ما يسميه عالم النفس الكندي ألبرت باندورا بظاهرة الانفصال الأخلاقي. فالفرد لا يرى نفسه مذنباً، بل يعيد تفسير أفعاله بطريقة تجعلها مقبولة. اللص قد يقنع نفسه بأنه يسرق من أجل أسرته، والموظف الذى يتجاوز القانون قد يبرر فعله بأنه يساعد الآخرين، والمرتشى قد يقول إنه مجرد ضحية لنظام فاسد. هكذا لا يختفي الخطأ، بل يُعاد تأويله حتى يبدو منطقياً أو ضرورياً.

ومع مرور الوقت تتحول هذه التبريرات إلى ثقافة كاملة. يظهر تناقض غريب فى السلوك الاجتماعى، الناس ينددون بالفساد فى كلامهم، لكنهم يمارسون أشكالاً صغيرة منه فى حياتهم اليومية. ينتقدون الفوضى، لكنهم يشاركون فيها. بل إن بعضهم يروى قصص تجاوزاته بنوع من الفخر، كأن القدرة على التحايل على القواعد دليل ذكاء أو مهارة.

هنا يبدأ الخطأ فى فقدان صفته الأخلاقية بوصفه خطأ.

المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول الفرد إلى منفذ بلا سؤال. مجرد أداة تتحرك داخل نظام ما، قد يكون النظام عصابة صغيرة، أو جهازاً بيروقراطياً، أو تنظيماً أيديولوجياً. فى كل هذه الحالات يحدث الأمر نفسه، تتوقف الأسئلة الأخلاقية، ويصبح التنفيذ هو الفضيلة الوحيدة المطلوبة.

المؤرخ البريطانى تيموثي سنايدر يشير فى دراساته عن أنظمة العنف السياسى إلى أن أخطر ما فى الطغيان ليس القادة وحدهم، بل أولئك الذين ينفذون الأوامر دون أن يسألوا أنفسهم لحظة واحدة إن كانت تلك الأوامر عادلة أو ظالمة. فالعنف المنظم لا يقوم فقط على القسوة، بل على الطاعة الصامتة.

لكن الشر لا يعيش فى المؤسسات الكبرى فقط. أحياناً يختبئ فى تفاصيل الحياة اليومية.

كم مرة سمعنا أشخاصاً يروون مغامرات شبابهم بمرح واضح. يتحدث أحدهم عن قيادة سيارة بسرعة جنونية فى شوارع مزدحمة، أو عن إرعاب المارة بدافع اللهو، أو عن حادث كاد أن يودى بحياة إنسان. تُحكى هذه الوقائع غالباً كما تُحكى طرائف قديمة، ويجلس المستمعون مبتسمين وربما ضاحكين.

المشهد بسيط، لكنه يكشف شيئاً مهماً، الخطأ حين يُروى بلا خجل يتحول تدريجياً إلى إنجاز اجتماعى.

الفيلسوف الإسبانى خوسيه أورتيغا إي غاسيت كان يرى أن المجتمعات تبدأ بالاضطراب حين تفقد حساسيتها تجاه المعايير. عندها يصبح كل فرد مرجع نفسه، وتضيع الحدود بين الصواب والخطأ.

وفى مثل هذه الأجواء يتسع الفراغ الأخلاقي شيئاً فشيئاً. لا يعود الناس يتوقفون طويلاً أمام الأفعال القاسية، ولا يشعرون بأن شيئاً فى العالم قد اختل.

ويلاحظ عالم النفس الاجتماعي إريك فروم أن الإنسان حين يفقد علاقته الحية بضميره يصبح أكثر استعداداً لما سماه “العدوان البارد”. عدوان لا يولد من الغضب، بل من فراغ داخلي عميق ومن شعور خفي بالعجز يحاول صاحبه تعويضه بالسيطرة على الآخرين.

غير أن المفارقة الأكبر تكمن فى الطريقة التى نفسر بها الشر. فالعقل البشرى لا يحب الفراغ. ولذلك يميل دائماً إلى البحث عن أسباب كبيرة لكل حدث كبير. حين تقع جريمة مروعة نندفع فوراً إلى اختراع تفسير عميق، مؤامرة، صراع تاريخي، أو أيديولوجيا معقدة.

هذه التفسيرات تمنحنا شعوراً بالراحة، لأنها تجعل العالم يبدو مفهوماً.

لكن الحقيقة الأكثر إزعاجاً أن بعض الأفعال القاسية قد تنبع من دوافع سطحية للغاية، نزوة عابرة، ملل، رغبة فى لفت الانتباه، أو لحظة تهور قصيرة. الشر هنا ليس نتاج خطة عظيمة، بل نتيجة فراغ أخلاقي مؤقت.

الفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشه لاحظ هذه الظاهرة مبكراً حين كتب أن الإنسان لا يكتفي بارتكاب الفعل، بل يعيد لاحقاً صياغة قصته بحيث يبدو الفعل منطقياً أو ضرورياً.

وهكذا تتشكل دائرة مقلقة، فعل خاطئ، ثم تفسير يخفف قسوته، ثم ذاكرة اجتماعية تتعامل معه باعتباره شيئاً عادياً.

ومع مرور الزمن يصبح الخطأ مألوفاً إلى درجة أنه لا يثير الاستغراب. عند تلك اللحظة لا يعود الشر حدثاً استثنائياً، بل يتحول إلى جزء من الروتين اليومى للحياة.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، حين يفقد الناس قدرتهم على الشعور بأن الخطأ خطأ.