ايران وحيدة.. والعروبة في غيبوبة

إيران وحيدة .. والعروبة في غيبوبة
​بقلم: حسين شكران العقيلي
١٦ اذار ٢٠٢٦
​في لحظة تاريخية فارقة، تتشابك فيها خيوط السياسة بلهيب المعارك، يقف المشهد الإقليمي اليوم عارياً من كل الأقنعة، ليضعنا أمام تساؤل وجودي يتجاوز حدود الجغرافيا: كيف تحولت (أمة الجسد الواحد) إلى جزر معزولة يراقب بعضها غرق البعض الآخر بدم بارد؟
إن ما نشهده اليوم من انفراد إيراني في ساحة المواجهة، يقابله صمت مطبق في العواصم العربية، ليس مجرد تباعد في وجهات النظر السياسية، بل هو إعلان صريح عن (غيبوبة) سريرية أصابت مفهوم العروبة، وشرخاً عميقاً في بنية التضامن الإسلامي الذي لم يعد يتجاوز حناجر الخطباء في المناسبات البروتوكولية.
​تخوض إيران غمار المواجهة في الميدان، محملة بأثقال العقوبات والتهديدات، بينما تكتفي المنظومة العربية بدور (المشاهد) الذي ينتظر انجلاء الغبار ليحدد موقعه، وكأن وحدة المصير التي طالما تغنينا بها في كتب التاريخ قد تبخرت أمام حسابات المصالح الضيقة والمخاوف الجيوسياسية. هذا السكوت العربي، الذي يرتقي في بعض وجوهه إلى مستوى (الخذلان المنهج) يطرح إشكالية أخلاقية ودينية كبرى فإلى أي إسلام ننتمي حين تغيب النصرة ويُترك الشقيق – مهما اختلفنا معه في الرؤى – ليواجه آلة الحرب وحيداً؟
إن المنطق الذي يحكم الساحة اليوم هو منطق (الفرج) الذي يعزز الاستفراد بكل قوة إقليمية على حدة، مما يجعل من الصمت العربي ليس مجرد موقف سلبي، بل مساهمة غير مباشرة في إضعاف جبهة يفترض أنها تذود عن كرامة المنطقة برمتها.
​إن المتأمل في خارطة المواقف يدرك أن هذا السكوت ليس مجرد صدفة سياسية، بل هو تجسيد لحالة من التفتت البنيوي في الهوية الجامعة؛ فحين تخوض إيران غمار المواجهة منفردة، تبرز معضلة (الولاءات المقاطعة) التي شلت الإرادة العربية، حيث طغت حسابات البقاء والموازنات الدولية على نداءات الجوار والوشائج الدينية. لقد تحول مفهوم (الأمن القومي العربي) من درع يحمي المنطقة إلى جدران عازلة، حتى صار الوقوف في منطقة الحياد تجاه دولة إقليمية مسلمة تواجه أعتى القوى يُسوق على أنه (حكمة) بينما هو في جوهره انسحاب من المسؤولية التاريخية. هذا الانكفاء لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج عقود من تكريس الهزيمة النفسية، حيث أُقنع العقل العربي الجمعي بأن الانخراط في معارك السيادة هو مغامرة غير مأمونة، مستمرئين دور المراقب الذي يحلل النتائج دون أن يدرك أن استفراد القوى الكبرى بأي طرف هو مقدمة لتطويع الجميع.
​علاوة على ذلك، يبرز التساؤل المرير حول ماهية (الإسلام) الذي يُرفع كشعار بينما يغيب كفعل في الميادين؛ فإسلام المواقف هو الذي يُختبر عند الشدائد، وما نراه من ترك إيران وحيدة هو (ردة سياسية) عن قيم التكافل. لقد انشغل الكثيرون بالخلافات المذهبية والتباينات الثانوية، متناسين أن العدو المشترك لا يفرق بين عاصمة وأخرى إلا في ترتيب الأدوار، وهذا الانقسام الذي جعل البعض يرى في الجار المسلم خطراً أكبر من القوى الاستعمارية، هو الذروة في (ال غيبوبة) التي نعيشها.
​إن مشهد إيران وهي تخاطب الدول العربية من وسط الدخان، هو خطاب العتب الأخير لضمير يبدو أنه دخل في سبات طويل. إن تركها تقاتل وحدها لا يُضعفها هي فحسب، بل يرفع الغطاء عن كل العواصم التي تظن أن صمتها سيمنحها الأمان. فالتاريخ لا يرحم الذين آثروا التفرّج على إخوة الدم وهم يواجهون قدرهم، والسكوت في زمن المواجهة ليس حياداً، بل هو انحياز ضمني للعدوان، واعتراف صريح بأن العروبة قد أصبحت مجرد (أطلال) نبكي عليها في القصائد، بينما نترك حقائق القوة والكرامة لتُصاغ بأيدٍ وحيدة في الميدان، ليبقى السؤال المعلق في فضاء المنطقة: أي إسلام هذا الذي يرى الحق يُستفرد به ويصمت؟