بقلم: حسين شكران العقيلي
تأتي الرسائل السياسية في أوقات الأزمات الكبرى لتكشف ما وراء الكواليس من صراعات إرادة، ولكن حين تأتي الرسالة بلغة تجمع بين “المرارة السياسية” و”الاستنهاض الديني”، فإنها تتحول من مجرد موقف دبلوماسي إلى وثيقة تاريخية تستحق القراءة المتأنية. إن الرسالة الأخيرة التي وجهها علي لاريجاني، باسم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى المسلمين وحكوماتهم، لم تكن مجرد سرد لوقائع عدوان أو استذكار لشهداء، بل كانت “مكاشفة حادة” تضع العالم الإسلامي أمام مرآة مسؤولياته التاريخية والأخلاقية.
تبدأ الحكاية من توصيف دقيق للحظة الغدر؛ حيث تشير الرسالة إلى أن العدوان “الأمريكي الصهيوني” لم يكن مجرد صدام عسكري عابر، بل كان “خديعة” تمت في قلب مسار المفاوضات، في محاولة لتفكيك البنية الإيرانية من الداخل عبر استهداف رموزها وقادتها ومواطنيها. وهنا تبرز السردية الإيرانية التي تؤكد أن صمودها لم يكن نتاج قوة عسكرية فحسب، بل كان ثمرة “إرادة وطنية وإسلامية صلبة” استطاعت أن تحول هذا العدوان إلى “مأزق استراتيجي” للمعتدين، عجزوا حتى اللحظة عن إيجاد مخرج آمن منه.
لكن الجانب الأكثر إثارة للجدل والتحليل في بنود لاريجاني الستة، هو ذلك العتاب المسكون بالألم الموجه للدول الإسلامية. فبينما كانت إيران تواجه ما تصفه بـ”الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر”، وجدت نفسها وحيدة في الميدان، إلا من مواقف سياسية باهتة لا تغني من جوع. وهنا يستحضر لاريجاني البعد الفقهي والإنساني في “المنظومة الإسلامية” عبر حديث النبي ﷺ حول إجابة المنادي “يا للمسلمين”، ليطرح تساؤلاً جوهرياً يهز الوجدان: “أي إسلام هذا الذي يسمع الاستغاثة ولا يستجيب؟”.
هذا التساؤل لم يكن عاطفياً فقط، بل انتقل بسرعة ليلامس الواقع الجيوسياسي المعقد؛ حيث فندت الرسالة الذرائع التي تتخذها بعض الدول لتبرير عدائها لإيران بدعوى استهداف مصالح وقواعد أمريكية على أراضيها. المنطق الذي تطرحه الرسالة هنا صارم وواضح: “كيف يُطلب من إيران الصمت والقواعد التي تنطلق منها الطائرات لضربها موجودة في بلدانكم؟”. إنها دعوة صريحة لإعادة النظر في مفهوم “السيادة” و”الجوار”، وتنبيه بأن الغطاء الأمريكي ليس وفياً كما تظن تلك الحكومات، وأن التاريخ القريب والبعيد أثبت أن واشنطن تتخلى عن حلفائها بمجرد انتهاء صلاحية أدوارهم.
وتستمر الرسالة في تدفقها التحليلي لتصل إلى نقطة “التطمين الاستراتيجي”؛ فإيران التي تخوض غمار هذه المواجهات لا تسعى – كما يقول لاريجاني – إلى الهيمنة أو التوسع، بل تقدم نفسها “ناصحة” تدرك أن مستقبل المنطقة وأمنها لن يتحقق عبر استيراد الحماية من وراء البحار، بل عبر “وحدة الأمة” التي تضمن الاستقلال والتقدم للجميع. إنها رؤية تحاول كسر صورة “البعبع الإيراني” واستبدالها بصورة “الشريك المقاوم” الذي يدفع الثمن نيابة عن الجميع في مواجهة التهديد الوجودي المشترك.
وفي الختام، يمكن القول إن رسالة لاريجاني هي “اختبار للضمير السياسي” قبل أن تكون بياناً حكومياً. إنها تضع الكرة في ملعب الحكومات الإسلامية، وتدعوها للتأمل في مصير المنطقة بعيداً عن ضغوط المحاور التقليدية. فالمواجهة اليوم، بحسب المنطق الإيراني، لم تعد بين دولتين أو نظامين، بل هي صراع بين “إرادة التحرر” وبين “أدوات التبعية”. ويبقى السؤال الذي طرحته الرسالة معلقاً في أفق المستقبل، ينتظر إجابة لن تصيغها الكلمات، بل ستكتبها المواقف والتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة في قادم الأيام
رسالة البنود الستة هل تضع طهران حلفاء أمريكا في مواجهة الواجب الإسلامي