د. فاضل حسن شريف
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَة ” (الدخان 3) المبارك من مادة بركة، و هي الربح و المنفعة و الخلود و الدوام، فأي ليلة هذه التي تكون مبدأ الخيرات، و منبع الإحسان و العطايا الدائمة؟ لقد فسّرها أغلب المفسّرين بليلة القدر، تلك الليلة العظيمة التي تغيرت فيها مقدرات البشر بنزول القرآن الكريم. تلك الليلة التي تقدر فيها مصائر الخلائق. نعم، لقد نزل القرآن على قلب النّبي المطهر في ليلة حاسمة مصيرية. و تجدر الإشارة إلى أنّ ظاهر الآية هو أنّ القرآن كله قد نزل في ليلة القدر. أمّا ما هو الهدف الأساس من نزوله؟ نهاية الآية أشارت إليه إذ قالت: “إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ” (الدخان 3) فإن سنتنا الدائمة هي إرسال الرسل لإنذار الظالمين و المشركين، و كان إرسال نبيّ الإسلام صلى اللّه عليه و آله و سلّم بهذا الكتاب المبين آخر حلقة من هذه السلسلة المباركة المقدسة. و للاجابة على هذا السؤال يجب الانتباه إلى أننا نقرأ في هذا الآية إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَة ” من جهة، و من جهة أخرى جاء في الآية (185) من سورة البقرة “شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ و من جهة ثالثة نقرأ في سورة القدر”إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ” (القدر 1) فيستفاد جيدا من مجموع هذه الآيات أن الليلة المباركة في هذه الآية إشارة إلى ليلة القدر التي هي من ليالي شهر رمضان المبارك. و إضافة إلى ما مر، فإنه يستفاد من آيات عديدة أن النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان عالما بالقرآن قبل نزوله التدريجي، كالآية (114) من سورة طه”وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ”. و جاء في الآية (6) من سورة القيامة “لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ”. من مجموع هذه الآيات يمكن الاستنتاج أنه كان للقرآن نزولان: الأوّل: نزوله دفعة واحدة، حيث نزل من اللّه سبحانه على قلب النبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم الطاهر في ليلة القدر من شهر رمضان. و الثّاني: النّزول التدريجي، حيث نزل على مدى (23) سنة بحسب الظروف و الحوادث و الاحتياجات.
في خطبة الجمعة للشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر قدس سره: أريد الان ان اتحدث عن ليلة القدر وذلك في عدة نقاط: النقطة الاولى: ان ليلة القدر واقعة خلال شهر رمضان المبارك ونفهم ذلك بعد ضم آيتين او ثلاث آيات الى بعضها البعض: اولا: ما دل على ان القرآن انزل في ليلة القدر وهو قوله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ” (القدر 1) وقوله تعالى: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ” (الدخان 3) ثانيا: ما دل على ان القرآن انزل في شهر رمضان وهو قوله تعالى: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ” (البقرة 185). اذن فقد انزل القرآن في شهر رمضان وهو ايضا قد انزل في ليلة القدر فاذا كان احدهما غير الاخر لم يكن ذلك ممكنا لتعذر ان ينزل مرتين لأنه من تحصيل الحاصل فيتعين ان تكون ليلة القدر من ضمن ليالي شهر رمضان. ومعه فما دل من الروايات او من الاحتمال لدى المتشرعة من كون ليلة القدر محتملة في كل ايام السنة او في بعضها خارج الشهر المبارك اي خارج شهر رمضان المبارك كالنصف من شهر شعبان مثلا او غيرها يكون مرفوضا لأنه مخالف لكتاب الله اعني مخالف لظاهر القرآن الكريم وظاهر القرآن
ورد في الروايات للقرآن نزولات متعددة إحداها نزول القرآن على رسول الله تدريجاً. والآخر نزوله الدفعي من اللوح المحفوظ إلى البيت المعمور. وعلى هذا فما المانع من أن تكون بعض آيات القرآن من سورة العلق”اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (العلق 1) قد نزلت على النبي صلى الله عليه وآله في السابع والعشرين من شهر رجب. ثم نزل القرآن بصورته الجمعية الكاملة في شهر رمضان من مكان معين أسماه القرآن باللوح المحفوظ، إلى موضع آخر عبر عنه في بعض الروايات بالبيت المعمور. ويؤيد هذا الرأي قول الله تعالى في سورة الدخان: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ” (الدخان 3). رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السَّلام أنه قال: (نَزَلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ نَزَلَ فِي طُولِ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله: نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ أُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ أُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانَ عَشَرَ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله تعالى “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ” (الدخان 3) إِنَّا (إِنَّ): حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا): ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ):. أَنْزَلْنَاهُ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا): ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ”هَاءُ الْغَائِبِ” ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ): فِي حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. لَيْلَةٍ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. مُبَارَكَةٍ نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ. إِنَّا (إِنَّ): حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا): ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ):. كُنَّا فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا): ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ. مُنْذِرِينَ خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ وَجُمْلَةُ: (كُنَّا): فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ):، وَجُمْلَةُ: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ): مُعْتَرِضَةٌ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
قال الله سبحانه وتعالى “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ (ج: جواز الوقف) إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ” (الدخان 3)، “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ (قراءة التاء القصيرة الى هاء ساكنة عند الوقف لوجود علامة جواز الوقف ج) إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ” (الدخان 3).