الردع الأخير: الطريق من توازن الرعب إلى الفوضى الشاملة

خالد الغريباوي

يركز بعض التحليل الغربي على القدرات الصاروخية والعسكرية لإيران، متجاهلًا البنية النفسية–الاستراتيجية التي تحكم سلوكها، والمبنية على الاستعداد للذهاب إلى أقصى حدود التصعيد وإعادة تعريف قواعد الاشتباك. هذا يجعل إيران قوة لا تتصرف وفق الكلفة–المنفعة قصيرة الأمد، بل كفاعل صراعي طويل الأمد يرى المواجهة الكبرى احتمالًا دائمًا، ما يخلق حالة “تسييل الردع” تتلاشى فيها الخطوط الحمراء ويتحوّل الصراع إلى فضاء مفتوح يصعب ضبطه.

هذا السياق نفسه يفسر نتائج الاستراتيجية الأمريكية القائمة على “قطع الرأس”، التي أعادت توزيع القرار داخل إيران وصعدت فاعلين أكثر راديكالية، خاصة داخل الحرس الثوري، يتبنون “التصعيد التعويضي” كبديل عن الاستنزاف البطيء. ولتعظيم النفوذ، تتكامل أدوات الضغط الإيراني من الصواريخ إلى التهديد بإغلاق مضيق هرمز، والشبكات غير المتماثلة، محوّلة الصراع من مستوى عسكري إلى مستوى اقتصادي عالمي، ما يرفع كلفة المواجهة بشكل كبير.

هذا التوسع في نطاق الصراع يفسر التردد الدولي في المواجهة المباشرة، إذ إن مواجهة نموذج “الردع الجماعي” قد تؤدي إلى نتائج غير قابلة للسيطرة، حيث يصبح الضرر الشامل جزءًا من معادلة البقاء. وتبرز هنا قوة البنية الإيرانية المرنة واللامركزية متعددة الرؤوس، القادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج الفعل الاستراتيجي، ما يحدّ من فعالية المقاربات التقليدية.

ويتعقد المشهد أكثر بالبعد العقائدي–الإدراكي، إذ تمتزج السياسة بالميتافيزيقا، ويُعاد تعريف الخسارة والانتصار ضمن سردية كبرى حيث تتداخل مفاهيم الشهادة والاصطفاء التاريخي والظهور في اخر الزمان،لتنتج مايمكن تسميته بالعقل الاستراتيجي العقائدي،هذا العقل لايعرف الخسارة والانتصار وفق المقاييس المادية فقط،بل يدمجها ضمن سردية كبرى.
وفي هذا الإطار، تظهر تهديدات ترامب بمواجهة قطاع الطاقة الإيراني خلال 48 ساعة، ما يعكس تصعيدًا شاملًا ويحوّل الاستهداف الاقتصادي إلى أداة استراتيجية، في تقاطع واضح بين منطق “حافة الهاوية” الإيراني و”الصدمة القصوى” الأمريكي، ما يزيد احتمالات المواجهة الواسعة والانتحار الجيوسياسي في المنطقه.

وتسارع مؤشرات مثل رفع نسب التخصيب يندرج ضمن استراتيجية محسوبة لتعظيم المخاطر وفرض إعادة تفاوض من موقع قوة، أو دفع الجميع إلى حافة يصعب عندها التراجع. وفي المقابل، لم تؤدِ أدوات الضغط الأمريكية إلى تفكيك الداخل الإيراني، بل عززت تماسكه ودفعته نحو خيارات أكثر تشددًا.

اليوم، تتبلور “نقطة اللاعودة الاستراتيجية”: الخطر لم يعد في الأدوات بحد ذاتها، بل في الذهنية الإيرانية المستعدة للذهاب إلى أقصى حد، حيث تصبح الفوضى الشاملة نتيجة طبيعية لمسار تصاعدي لا مجال فيه للتراجع.