الطاغية لا يموت

الطاغية لا يموت

كتب رياض الفرطوسي

في المدن التي تتعب من نفسها، لا يموت الطاغية، بل يتقن فنّ الاختفاء. يخلع جسده، ويحتفظ بروحه، يغيّر اسمه، ويستقر في اللغة، في الذاكرة، في الخوف. لا يعود رجلاً يُحاكم، بل يصبح فكرة تُتداول، معياراً يُقاس عليه، وظلاً يسبق الجميع حتى في غيابه.
وحين تضعف الذاكرة من كثرة النزيف، تبدأ بترميم نفسها بطريقة غريبة، تخفف الأحكام، تلمّع القسوة، وتعيد صياغة الجريمة كأنها ضرورة. هكذا لا يعود السؤال: ماذا فعل؟ بل: ماذا لو عاد؟

المجتمع المريض لا ينهار دفعة واحدة، بل يعيد ترتيب نفسه حول ألمه. يطوّر مناعته بطريقة معكوسة، فيتعايش مع الخلل بدل أن يقاومه. هنا، لا يعود الاستبداد حادثة سياسية، بل يتحول إلى حالة نفسية جماعية.
وقد شرح إريك فروم هذا الانزلاق بدقة حين رأى أن الإنسان، عندما يعجز عن تحمّل عبء الحرية، يهرب منها إلى الطاعة أو السيطرة، وكلاهما وجهان لعجز واحد .

في مثل هذا المناخ، لا يحتاج الطاغية إلى جيش دائم، يكفيه مجتمع يخاف من نفسه.
الناس، بدافع القلق، يبحثون عن قوة يذوبون فيها. بعضهم يخضع، وبعضهم يمارس القسوة نيابة عنها، لكن النتيجة واحدة، فرد يختفي داخل الجماعة، وجماعة تبحث عن يد تقودها حتى لو كانت تضربها.

ومع الوقت، تتشكل ظاهرة أخطر: اختفاء الفرد.
يذوب الإنسان في الجماعة، لا لأنه مقتنع، بل لأنه خائف من العزلة. وهنا، كما لاحظت دراسات علم النفس الجماعي، يتراجع الضمير الفردي لصالح عقل جماعي بدائي، حيث تسود العواطف البسيطة وتختفي الأسئلة المعقدة.
الجمهور لا يفكر، بل يتفاعل. لا يحلل، بل يهتف.

في المجتمع المريض، الجميع يتحول إلى قاضٍ.
تصنيفات جاهزة، أحكام سريعة، هويات مختزلة.
هذا وطني، هذا خائن، هذا عاقل، هذا مختل.
لا أحد يسأل: من أعطى الحق؟ لأن السلطة لم تعد في الأعلى فقط، بل تسللت إلى الأسفل، إلى اللغة اليومية، إلى النكات، إلى التعليقات، إلى طريقة النظر للآخر.

وهنا يظهر الشكل الأكثر خبثاً للاستبداد: أن يمارسه الناس على بعضهم دون أوامر.
كما يقول فروم، أخطر أشكال الهروب من الحرية هو “التشابه الآلي”، حين يتبنى الفرد أفكار المجتمع ويظنها أفكاره .
عندها، لا تحتاج السلطة إلى قمعك، أنت تقوم بالمهمة بنفسك.

في هذه البيئة، يصبح الذكي مزعجاً، لأنه يرى ما لا يُقال.
ويصبح الشريف خطراً، لأنه يرفض التكيّف مع القبح العام.
المجتمع لا يعاقبهم دائماً بالقوة، بل بشيء أكثر قسوة، العزل، السخرية، الوصم، وكأن الصحة النفسية نفسها تهمة في مستشفى كبير اسمه الوطن.

ومع تكرار هذا المشهد، تتحول الممارسات إلى طقوس.
العنف يصبح مبرراً، الكراهية تصبح موقفاً، والسطحية تصبح فضيلة.
تختفي الأسئلة الكبيرة، ويصعد بدلاً منها سؤال واحد: من معنا ومن ضدنا؟

في هذه اللحظة، يولد الطاغية من جديد.
ليس كشخص، بل كحاجة.
حاجة إلى من يختصر العالم، إلى من يبسّط الفوضى، إلى من يعفي الناس من التفكير.
الطاغية هنا ليس مفروضاً، بل مطلوب.
ليس قيداً، بل راحة.

وهنا المفارقة القاسية:
المجتمع الذي هرب من القمع، قد يشتاق إليه.
والمجتمع الذي كره الطاغية، قد يعيد إنتاجه.
ليس لأنه نسي، بل لأنه لم يفهم.

الطغاة لا يورّثون السلطة فقط، بل يورّثون طريقة التفكير.
طريقة ترى العالم أبيض أو أسود، تختزل الإنسان في صفة، وتستبدل الحقيقة بالشعار.
وحين تستقر هذه الطريقة، لا يعود الطاغية بحاجة إلى أن يعود.

لأنه لم يرحل أصلاً.

الطاغية لا يموت، لأنه لم يكن يوماً مجرد رجل.
كان فكرة، والفكرة، حين تجد تربة مريضة، لا تُدفن، بل تتكاثر.