رياض سعد
هناك مواقفُ في حياتنا لا تُشبه ما نعهده… ؛ لا تأتي في قوالبَ جامدة، ولا تخضع للمقاييس المألوفة… ؛ إنها تلك اللحظات النبيلة التي يقدمها الأصدقاء، والمعارف، بل والغرباء أحيانًا، دون أن يطلبوا مقابلًا، ودون أن ينتظروا تسجيلًا في دفاتر رد الدين وطلب العوض …
نعم , هناك نوعٌ آخر من الديون، أكثرُ عمقًا وأبقى أثرًا، لا تطالب به المحاكم، ولا تُحصيه الحسابات، بل يسكنُ في القلب ويقيمُ في الذاكرة طويلًا… , إنّها ديونُ المواقف النبيلة.
هل سمعتم بديونٍ من طبيعةٍ أخرى؟
إنها ديونٌ لا تُسطَّرُ في الدفاتر،
ولا تُسدَّدُ بالمال،
إنها “ديونُ المواقف”… ؛ تكتب بمداد الوفاء والنبل في سويداء القلوب …
هي ذاكرةُ الروح، ونبض القلب …
ورصيدٌ من الجمال والنبل لا يُقاسُ بالأرقام …
تبدأ القصة عادةً في لحظة ضعف، أو شدة، أو حيرة… ؛ فجأة، تجد من يقف بجانبك، لا لأنه ملزم، بل لأن إنسانيته تفيض… ؛ كلمة صادقة في وقت اليأس، يد مبسوطة في وقت العوز، صمت متفهم في وقت لا تُجدي فيه الكلمات… ؛ هذه المواقف لا تُقاس بالمال، ولا تُرد بجميل مماثل بالمعنى الحرفي؛ لأنها تنتمي إلى عالم آخر، عالم النقاء الإنساني.
ففي حياة الإنسان لحظاتٌ ثقيلة، تضيق فيها النفس، وتتراجع فيها القدرة على الاحتمال، ويشعر المرء أنّ العالم قد أصبح أبردَ من أن يمنحه يدًا واحدة تُطمئنه… , وفي تلك اللحظات تحديدًا، يظهر المعدن الحقيقي للناس… ؛ فبعضهم يمرّ عابرًا، وبعضهم يكتفي بالكلمات الجافة الباردة والخالية من المعاني الحقيقية ، بينما يختار آخرون أن يقفوا معنا بصمتٍ صادق، كأنّ وجودهم وحده يقول: “لستَ وحدك”.
وهذه المواقف، مهما بدت صغيرة في ظاهرها، تترك أثرًا لا يزول… ؛ قد تكون كلمةً حقيقية قيلت في وقت الانكسار، أو حضورًا صادقًا في ساعة ضيق، أو مساعدةً قُدِّمت دون طلب، أو وفاءً لم يتغيّر رغم تقلّبات الأيام… ؛ تلك الأمور لا ينساها القلب أبدًا، لأنّ الإنسان لا يتذكّر دائمًا ما قيل له، لكنه يتذكّر جيدًا كيف شعر حين كان ضعيفًا فوجد من يحتوي ضعفه بصدق.
ولذلك فإنّ المواقف الإنسانية ليست عبئًا نفسيًا كما يظن البعض، بل هي استثماراتٌ عاطفية وأخلاقية بعيدة المدى… ؛ فكلُّ موقفٍ نبيل يُزرع في روح الإنسان يتحوّل مع الزمن إلى محبةٍ خالصة، وودٍّ عميق، وارتباطٍ لا تصنعه المصالح العابرة… ؛ إنّ العلاقات الحقيقية لا تُبنى على كثرة اللقاءات، ولا على المجاملات اليومية، بل على لحظات الصدق التي يظهر فيها الإنسان إنسانًا بحق.
وما أجمل أن يحمل المرء في قلبه عرفانًا لمن وقفوا معه يومًا… ؛ فالوفاء ليس كلماتٍ تُقال في المناسبات، بل هو قدرة الإنسان على ردّ المعنى الجميل حين تدور الأيام… ؛ أن تكون حاضرًا لمن كانوا يومًا حضورًا لك، وأن تمنح غيرك الطمأنينة نفسها التي مُنحتها في أوقات ضعفك…
نعم , هي تبقى في القلب لا كذكرى عابرة، بل كبذرة تُزرع في تربة الروح… ؛ مع مرور الأيام والسنوات، لا تذبل، بل تتعمق جذورها… ؛ كلما مررت بموقف صعب، استحضرت ذلك الوجه المشرق، تلك اليد التي رفعتك، فتجد في نفسك قوةً جديدة، وحافزًا لأن تكون أنت الآخر عند الحاجة.
ومع الوقت، تثمر هذه المواقف حبًا وودًا لا يشيخ… ؛ إنها علاقة تتجاوز المصالح، إلى التضحية والحضور الصادق. ..
الوفاء لها لا يكون برد الجميل فحسب، بل بأن نكون نحن أيضًا “ذلك الشخص” في حياة غيرنا… ؛ فتصير الدنيا أقل قسوة، وتزدهر القلوب بمعاني الإخاء التي لا تعرف السقوط والانحلال …
وهكذا، فإن أسمى الديون ليست تلك التي تُسجل في الحسابات، بل تلك التي تُسجل في الضمير… , ديون لا تثقل، بل ترفع… ؛ تبقى خفيفة الظل، ثقيلة الأثر، تنبت في القلب حديقة من الحب لا تذبل، مهما تقلبت بنا الأيام.
إنّ بعض الأشخاص يمرّون في حياتنا مرورًا عاديًا، ثم تمحوهم الأيام، بينما هناك آخرون تصنع مواقفهم الكبيرة مكانًا دائمًا لهم في القلب… ؛ قد تتغيّر المسافات، وتنشغل الحياة، وتمضي السنوات، لكنّ النفوس النبيلة تبقى محفوظة في الذاكرة بشيءٍ من الامتنان والحنين والدعاء الصادق.
لهذا، فإنّ أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال، ولا الشهرة، ولا الكلمات الكثيرة، بل أثرًا طيبًا في قلب أحدهم. فالمواقف النبيلة لا تموت، لأنّها ببساطة تتحوّل مع الزمن إلى محبةٍ لا يشيخها الغياب.