جديد

القلب على تل أبيب والظهر لغزة (قراءة في خذلان المواقف وصدمة الواقع)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
​تحت وطأة النيران التي لا تهدأ في قطاع غزة، وفي اللحظات التي ينتظر فيها الشارع الفلسطيني والعربي خطاباً يضمد الجراح أو يرفع سقف المواجهة الدبلوماسية، جاءت تصريحات الرئاسة الفلسطينية الأخيرة لتحدث شرخاً عميقاً في الوجدان الشعبي، مثيرةً تساؤلات مشروعة حول بوصلة القيادة التي بدت في نظر الكثيرين وكأن (قلبها على تل أبيب وظهرها لغزة) . هذا المشهد المفارق يضعنا أمام قراءة تحليلية معمقة لتناقضات الموقف الرسمي الذي بدا غريباً عن واقع الميدان، ومنفصلاً عن نبض الشارع الذي يواجه واحدة من أبشع آلات الإبادة في التاريخ الحديث.
​إن المتابع للمشهد الفلسطيني اليوم يلحظ فجوة هائلة بين الصمود الأسطوري في غزة وبين اللغة (الناعمة) أو المترددة التي تتبناها السلطة في رام الله، فبينما كانت الطائرات الصهيونية تحيل أحياءً كاملة إلى ركام،
خرجت البيانات الرسمية لتساوي في كثير من الأحيان بين الضحية والجلاد، أو لتبدي حرصاً مبالغاً فيه على (الاستقرار) والاتفاقيات الأمنية مع الاحتلال، في وقت سقطت فيه كل التفاهمات تحت أقدام المجنزرات. هذا الموقف لم يكن مجرد سقطة لسان، بل عكس نهجاً سياسياً يرى في الحفاظ على بقاء المنظومة الإدارية أولوية قصوى، حتى لو كان الثمن هو الصمت عن ذبح الجزء الآخر من الوطن، مما خلق حالة من التعجب والذهول؛ كيف يمكن لرئيس يمثل شعباً تحت الاحتلال أن يقف في منطقة رمادية تميل كفتها نحو استرضاء القوى الدولية والاحتلال نفسه؟
​وفي سياق هذه التناقضات، يبرز الدور الإيراني كمتغير لا يمكن تجاوزه عند تحليل موازين القوى، فبينما كان الموقف الرسمي الفلسطيني يتسم بالارتباك، كانت طهران تقدم نموذجاً مختلفاً من الدعم، لم يقتصر على الخطابات الرنانة بل تجاوزه إلى الدعم العسكري واللوجستي والتقني الذي مكن المقاومة من الصمود وتطوير قدراتها الردعية. لقد شكلت المواقف الإيرانية، خاصة خلال الاعتداءات الصهيونية المتكررة، عمقاً استراتيجياً للميدان، حيث لم تتوانَ عن التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في الكفاح المسلح، وقدمت تكنولوجيا الصواريخ والمسيرات التي غيرت قواعد الاشتباك، وهو ما يجعل المقارنة بين (الخذلان الرسمي الداخلي) و(الإسناد الخارجي) مقارنة مؤلمة ومريرة للشارع الفلسطيني.
​إن العجب الحقيقي لا يكمن فقط في فحوى التصريحات، بل في توقيتها؛ ففي الوقت الذي تنكشف فيه الوجوه وتتساقط أقنعة الديمقراطية الزائفة عن الغرب الداعم لإسرائيل، تختار الرئاسة الفلسطينية التماهي مع السرديات التي تخدم الاحتلال، وكأنها تحاول حجز مقعد في (اليوم التالي) للحرب على حساب دماء الشهداء.
هذا الانفصام السياسي يعكس أزمة شرعية حادة، حيث تبدو القيادة وكأنها تعيش في برج عاجي، بعيدة عن صرخات الثكالى في جباليا وخان يونس، ومتمسكة بخيوط واهية من الوعود الدولية التي لم تجلب للفلسطينيين سوى المزيد من الاستيطان والتهويد.
​ختاماً، لا يمكن قراءة هذه التصريحات الصادمة إلا بوصفها تعبيراً عن حالة من العجز البنيوي الذي أصاب مؤسسات السلطة، مما جعلها ترى في (تل أبيب) وجهةً لاستجداء الهدوء، وفي غزة عبئاً سياسياً يجب التنصل منه. إن التاريخ لا يرحم والمواقف تُسجل، والمفارقة ستظل قائمة بين من قدم السلاح والمال والموقف الثابت كإيران، وبين من يملك الشرعية القانونية لكنه يفتقد للشرعية الشعبية والميدانية، ليظل السؤال معلقاً: إلى متى سيبقى الظهر محنياً لغزة والقلب معلقاً بأوهام السلام مع محتل لا يعرف سوى لغة القوة